رواية ارتواء الروح الفصل السادس: رحيل ونس وعودة أنس
مرّت عليها أسوأ الساعات في حياتها منذ وقوع الحادث. وقفت أمام باب غرفة العمليات، ووجهها محمرّ من شدة البكاء، بينما كانت أنفاسها تتلاحق بصعوبة حتى خُيّل إليها أنها ستختنق في أي لحظة.
راحت تلوم نفسها بقسوة، وتسبّ حظها العاثر الذي أقنعها بأنها مصدر شقاء لكل من يقترب منها. ها هي ذي، ما إن بدأت تشعر بالأمان بين هؤلاء الناس، حتى أصاب أنس مكروه! ألم تكن هذه هي اللعنة التي تلاحقها أينما ذهبت؟ كل من يقترب منها لا بد أن يناله نصيب من أوجاعها!
رفعت عينيها نحو نوال، التي بدت وكأن الدموع استنزفت كل ما فيها. كانت عيناها متورمتين من كثرة البكاء، ويداها مضمومتين إلى صدرها وهي ترفع وجهها إلى السماء، تتضرع إلى الله أن يعيد إليها ابنها سالمًا.
أغمضت ونس عينيها بقهر. تلاطمت داخلها مشاعر الحزن والألم والخوف، واختلطت بها مرارة السخط على حالها. ففي نظر نفسها، كانت هي المذنبة الأولى، وكأن سعادتها التي وجدتها بينهم لم تكن سوى ثمن دفعوه من راحتهم وأمانهم.
أسندت رأسها إلى الحائط خلفها، وهمست بصوت مرتجف لا يكاد يُسمع:
– يا رب، بس يقوم بالسلامة... والله هبعد خالص. المهم يقوم عشان أمه الغلبانة دي، يا رب.
لم تمضِ سوى ثوانٍ حتى انفتح باب غرفة العمليات، وخرج الطبيب.
اندفعت ونس ونوال نحوه بلهفة، وكأن كل واحدة منهما تحاول انتزاع الخبر من شفتيه قبل أن ينطق به.
تعلقت نوال به بعينين مرتجفتين وسألته:
– طمّني يا بني، الله يسترك! ابني ماله؟ حصل له إيه؟
أزاح الطبيب الكمامة عن وجهه، وأجاب بنبرة عملية مطمئنة:
– الحمد لله يا حاجة، متقلقيش. هو بخير، لكن إصبع إيده الشمال الصغير اتضرر جامد، واضطرينا نبتر عقلتين منه. كمان عنده شرخ في دراعه، وعملنا له جبيرة بسبب العربية اللي وقعت عليه وهو تحتها. لكن حالته مستقرة، ومفيش حاجة تانية خطيرة، وإن شاء الله يقدر يروح البيت بالليل، ويرجع لنا كل يوم عشان نغيّر على الجرح.
رفعت ونس يدها إلى شفتيها تكتم شهقتها، بينما اتسعت عينا نوال في ذعر، وسألته بلهفة:
– أشوفه يا بني، طمّن قلبي، الله يكرمك! هو فين دلوقتي؟
أومأ الطبيب برأسه، ثم تابع محاولًا تهدئتها:
– هو بيفوق دلوقتي جوه، وبعد شوية هننقله للغرفة. اطمني يا حاجة، الإصابة في إيده الشمال وإصبعه الصغير، والحمد لله ربنا لطف بيه.
ثم تركهما وانصرف.
ما إن ابتعد الطبيب حتى اقتربت ونس من نوال، واحتضنتها برفق، ثم ساعدتها على الجلوس فوق المقعد القريب. كانت تحاول تهدئتها، رغم أن قلبها هي الأخرى كان يرتجف من الخوف.
وبعد لحظات، خرجت ممرضة تدفع سريرًا متحركًا يرقد عليه أنس.
نهضت نوال مسرعة، وتبعتها ونس بخطوات متعثرة، ودموعها تنهمر بلا توقف. ظلتا تسيران خلف السرير حتى وصلوا إلى الغرفة التي سينقل إليها.
راح أنس يرمش عدة مرات، محاولًا فتح جفنيه بصعوبة. كان يشعر بثقل في جسده وجفاف شديد في حلقه.
اقتربت منه والدته على الفور، وما إن رأته يفتح عينيه حتى احتضنته بكل ما يختلج في صدرها من مشاعر الأمومة، وكأنها تحاول أن تعوض في لحظة واحدة كل الرعب الذي عاشته منذ دخوله غرفة العمليات.
أما ونس، فمسحت دموعها سريعًا ووقفت بجوار فراشه، تحاول أن تبدو متماسكة أمامه، رغم أن قلبها كان يرتجف كلما وقعت عيناها عليه.
حرّك أنس شفتيه بصعوبة، ثم همس:
– عايز أشرب.
أسرعت نوال إلى كوب الماء، وناولته إياه. ارتشف منه قليلًا، ثم أعاده إليها، وحاول أن يعتدل في فراشه، لكنه تأوه من الألم.
ساعدته والدته على الجلوس، وهي تراقبه بقلق، بينما أخذ يتفحص ذراعه الملفوفة بالضمادات، ثم سأل باستغراب:
– هو إيه اللي حصل؟ آخر حاجة فاكرها إن الدكتور كان بيتكلم، وبعدها كل حاجة بقت مش واضحة.
أجابته نوال سريعًا، محاوِلة إخفاء حقيقة ما حدث عنه:
– الحمد لله يا حبيبي، ربنا ستر. المهم إنك بخير. كام غرزة في إيدك، وهتبقى زي الفل بإذن الله.
لكن أنس لم يكن غافلًا عما أخبره به الطبيب قبل بدء العملية. كان يعرف أن إصبعين من إصبعه الصغير قد بُترا، وأن الإصابة لم تكن مجرد جرح بسيط كما تحاول والدته أن توهمه.
تنهد بهدوء، ثم رفع عينيه نحو ونس التي وقفت صامتة أمامه، لا تكاد ترفع نظرها إليه.
كانت الدموع تتجمع في عينيها من جديد، ونظراتها تحمل من المعاني ما لم تستطع الكلمات التعبير عنه. فهم أنس ما يدور في رأسها على الفور؛ لقد عادت تلوم نفسها، وتحمّلها مسؤولية ما حدث له، وكأن الحادث كان عقابًا لها على اقترابها منه.
رمقها بنظرة عاتبة، لا لشيء سوى أنها ما زالت أسيرة تلك الفكرة التي تنهش روحها. إلى متى ستظل تعاقب نفسها على كل مصيبة تحدث حولها؟
اقتربت منه بخطوات مترددة، وكان جسدها يرتجف قليلًا، ثم قالت بصوت مبحوح من أثر البكاء:
– حمد الله على سلامتك.
نظر إليها أنس، ثم ابتسم ابتسامة خفيفة محاولًا تخفيف ثقل اللحظة، وقال:
– هو إنتوا عاملين كده ليه؟ أنا زي الفل، وبعدين يعني عقلتين من صباعي! مش هيأثروا عليّ. أنا بحمد ربنا إن الإصابة ما كانتش أكبر من كده. ممكن بقى كفاية عياط؟
قال جملته الأخيرة وهو يثبت عينيه عليها، وكأنه يقصدها وحدها من بين الجميع.
ابتسمت نوال، وقد بدأ الحزن يتراجع قليلًا أمام كلمات ابنها، وربتت على كتفه بحنان صادق، ثم همست:
– الحمد لله على كل شيء يا حبيبي. كفاية إنك قدامي وبخير، وربنا ما يحرمنيش منك أبدًا.
أومأ أنس برأسه، بينما اكتفت ونس بابتسامة باهتة لا تشبه ابتسامتها المعتادة.
تراجعت وجلست على المقعد خلف نوال، شاحبة الوجه، وكأن روحها قد غادرت جسدها. لم تكن تفعل شيئًا سوى اختلاس النظرات إليه، تحمل في عينيها حزنًا عميقًا وقرارًا مؤلمًا لم تجرؤ على البوح به.
انتبه أنس إلى نظراتها التي كانت تمزق قلبه، فابتسم لها مطمئنًا، محاولًا أن يخبرها دون كلام أنه بخير، وأنها ليست مسؤولة عما حدث.
لكنها لم تستطع أن تصدق ذلك.
ففي داخلها، كان الخوف قد تحول إلى يقين قاسٍ بأن وجودها بينهم لن يجلب لهم سوى الألم.
عادوا إلى المنزل بعد أن سمح الأطباء لأنس بالمغادرة، وتمدد على فراشه بمساعدة والدته، التي ظلت تتحرك حوله بحذر، تسأله بين الحين والآخر إن كان يحتاج إلى شيء.
أما ونس، فكان الحزن يخيم عليها، وقد شعرت بالعجز أمام قسوة الحياة التي لا تمنحها فرصة واحدة لتعيش في سلام.
كانت تريد أن تصرخ بأعلى صوتها، أن تعترض على هذا الظلم الذي يلاحقها، وأن تسأل القدر لماذا كلما وجدت يدًا تمتد إليها بالحنان، جاء ما ينتزع منها ذلك الأمان.
اقتربت نوال من ابنها، ثم قالت:
– هروح أحضّر لك الأكل بسرعة وجاية.
خرجت من الغرفة متجهة إلى المطبخ، وتبعتها ونس تلقائيًا، وكأنها تريد الهرب من مواجهة عيني أنس، لكن صوته أوقفها قبل أن تصل إلى الباب.
– ونس، استني!
تجمدت في مكانها، ثم أجابته دون أن تلتفت إليه:
– نعم؟
قطّب حاجبيه باستغراب، وقال:
– إيه ده؟ هتكلميني وإنتِ مدّياني ضهرك؟
اضطرت إلى الاستدارة، ورفعت عينيها إليه بثبات زائف، تحاول أن تخفي آثار بكائها، ثم أجابت بصوت مبحوح:
– لا، بس رايحة أساعد ماما.
تنهد أنس، وقد شعر بعجزه عن انتزاعها من أفكارها، ثم تأمل وجهها طويلًا قبل أن يقول بنبرة جادة:
– إنتِ مش السبب يا ونس. اللي حصل ده وارد، وبيحصل، وكل حاجة قضاء وقدر. كفاية بقى تلومي نفسك، وكفاية دموع. أنا بخير أهو، والحمد لله.
صمت لحظة، ثم ارتسمت على شفتيه ابتسامة ماكرة قليلًا، وأردف:
– وبعدين، كل الدموع دي عشان حاسة إنك السبب؟ ولا عشان خايفة عليّ وبتحبيني وكده بقى؟
شعرت ونس وكأن كلماته اخترقت الحاجز الذي أقامته حول قلبها. انقبض صدرها، وخرجت منها تنهيدة حارة محملة بالشجن.
كيف تخبره أنها كادت تفقد عقلها من شدة الخوف عليه؟ كيف تعترف له بأنه لم يعد مجرد شخص آواها حين ضاقت بها الحياة، بل صار ارتواءً لروحها بعد سنوات من الجفاف؟
لقد أصبح الرجل الذي أحبته دون أن تدري متى تسلل إلى قلبها، والذي تمنّت في تلك اللحظات لو استطاعت أن تأخذ مكانه وتتحمل عنه كل ما أصابه.
لكنها لم تستطع البوح بشيء من ذلك.
خفضت عينيها، وهمست محاولة إخفاء ارتباكها:
– أكيد خايفة عليك طبعًا. ربنا يبعد عنك أي سوء. عن إذنك بقى.
ثم أسرعت بالخروج قبل أن يفضحها صوتها أو تكشف عيناها ما تخفيه.
ظل أنس يتابعها بنظرات حائرة. لم يعرف لماذا شعر بانقباض مفاجئ في قلبه، وكأن شيئًا سيئًا يقترب منه.
أعاد رأسه إلى الوسادة، وتنهد بتعب وإرهاق. كانت آثار المسكنات تثقل جفنيه، فلم تمضِ دقائق حتى غلبه النوم، وغرق في سبات عميق.
عادت ونس إلى شقتها بخطوات متثاقلة، وكل خطوة كانت تزيد ثقل القرار الذي اتخذته.
دخلت غرفتها، ووقفت للحظات تتأمل المكان بصمت، ثم اتجهت إلى خزانتها وأخرجت حقيبتها، وبدأت تجمع ملابسها وتضعها بداخلها.
كانت تلوم نفسها بقسوة، وتعيد في رأسها المشاهد التي عاشتها منذ وقوع الحادث. لم تستطع التخلص من الشعور بأنها جلبت المصائب إلى هذا البيت، وأن بقاءها بينهم قد يكون بداية لمزيد من الألم.
لقد وجدت معهم ما افتقدته طويلًا؛ الأمان والسند والاحتواء، وشعرت للمرة الأولى منذ زمن أنها لم تعد وحيدة في مواجهة العالم.
لكن الحياة، في نظرها، لم تسمح لها بالاحتفاظ بتلك السعادة طويلًا.
كانت كلما حاولت أن تفرح، انتزعت منها الأيام شيئًا عزيزًا، حتى بات الخوف من السعادة أقوى من قدرتها على التمسك بها.
انهمرت دموعها بغزارة وهي تضع آخر قطعة ملابس في الحقيبة. أغلقتها بصعوبة، ثم وضعتها بجوار الفراش، وجلست أمامها تحدق فيها طويلًا.
كانت تعرف أن قلبها يرفض الرحيل. جزء منها كان يريد العودة إلى أنس، والجلوس بجواره حتى يطمئن قلبها عليه، وأن تبقى قريبة منه، ولو من بعيد.
لكن عقلها كان يصرخ في وجهها بأن الابتعاد هو الحل الوحيد.
نهضت بعد لحظات، وتناولت ورقة وقلمًا، وجلست إلى الطاولة الصغيرة لتكتب له رسالة تخبره فيها بقرارها.
سترحل كما رحلت من بلدتها من قبل، لكن هذه المرة لن يكون الرحيل مجرد انتقال من مكان إلى آخر؛ ستغادر وهي تترك قلبها خلفها، وكأنها جسد يتحرك بلا روح.
الآن فقط فهمت معنى الوحدة الحقيقية.
ففي الأيام القليلة الماضية، أصبح أنس بالنسبة إليها كل شيء؛ الأمان الذي افتقدته، والحنان الذي اشتاقت إليه، والأمل الذي ظنت أنها فقدته إلى الأبد.
كيف تتركه وهي تحبه إلى هذا الحد؟
وكيف تبقى معه وهي مقتنعة بأنها قد تكون سببًا في أذاه؟
مسحت دموعها بظهر يدها، ثم وضعت الورقة والقلم جانبًا، وتوجهت إلى فراشها. تمددت تحت الغطاء، وحدقت في السقف بعينين مثقلتين بالدموع.
كانت قد حسمت أمرها؛ سترحل في الصباح، مهما كلفها ذلك من ألم.
أغمضت عينيها، محاولة أن تقنع نفسها بأن ابتعادها هو الطريق الوحيد لحمايته، بينما كان قلبها يصرخ في صمت، رافضًا أن يترك الرجل الذي صار يعني لها الحياة بأكملها.
في الجهة الأخرى، كان أنس يتقلب في فراشه، يشعر بضيق غريب لا يعرف له سببًا.
لم يكن الألم الجسدي وحده ما يزعجه؛ كان هناك انقباض في صدره، وإحساس مبهم بأن شيئًا ما ليس على ما يرام.
لم تفارق ونس تفكيره. كان ينتظر أن تأتي للاطمئنان عليه مرة أخرى، أو حتى أن تطل عليه للحظات، لكنه لم يسمع صوتها ولم يرَ لها أثرًا.
حاول أن يقنع نفسه بأنها ربما انشغلت مع والدته، أو أنها تحتاج إلى بعض الراحة بعد ما حدث، لكن القلق لم يفارقه.
نهض من فراشه بحذر، متحاملًا على ألم ذراعه، ثم خرج من غرفته متجهًا إلى المطبخ حيث كانت والدته.
وجد نوال تقف أمام الحوض، منشغلة بغسل الأطباق.
ابتسم لها وهو يلقي التحية:
– صباح الفل يا أمي.
استدارت إليه بابتسامة هادئة، وقالت:
– صباح الورد يا حبيبي. إنت قومت ليه؟ أنا كنت بحضّر لك الفطار وجاية لك.
تجاهل سؤاله عن سبب نهوضه، ونظر إليها بجدية، ثم سأل مباشرة:
– فين ونس يا أمي؟
تلاشت ابتسامة نوال، وعقدت حاجبيها باستغراب.
– ونس؟!
ثم أخذت تفكر قليلًا، قبل أن تجيبه:
– أول ما رجعنا من المستشفى كانت معايا هنا، وبعد كده راحت شقتها اللي هناك ومجتش تاني. وزي ما إنت شايف، البيت ما خلصش من الناس، وأنا اتلهيت وما سألتش عنها. بس غريبة فعلًا إنها ما ظهرتش لحد دلوقتي.
ما إن انتهت من كلامها حتى شعر أنس بأن قلبه يهبط إلى قدميه.
ابتلع ريقه بصعوبة، وبدأ القلق يتسلل إلى أعماقه، حتى كاد قلبه يخرج من بين ضلوعه من شدة التوتر.
استدار دون أن يجيبها، واتجه مسرعًا نحو الباب، ثم عبر إلى الشقة المقابلة.
وقف أمام باب شقة ونس، وراح يطرق عليه طرقات متتالية، تزداد قوة كلما طال الصمت خلفه.
– ونس! افتحي يا ونس! ونس!
لم يتلقَّ أي إجابة.
ازداد اضطرابه، وأخذ يناديها بصوت أعلى، لكن الشقة ظلت غارقة في الصمت.
لحقت به نوال، وقد بدأ القلق يتملكها هي الأخرى. أخرجت مفتاحًا آخر، وفتحت الباب، ثم دخلا معًا.
راح أنس يبحث عنها في الغرف، ينادي اسمها بين الحين والآخر، لكن لا أحد أجابه.
كانت الشقة خالية.
توقف فجأة عندما وقعت عيناه على الطاولة. كانت هناك ورقة موضوعة بعناية، وبجوارها محبس خطبتهما.
تجمد في مكانه للحظات، وكأنه لم يستوعب ما تراه عيناه.
ثم هز رأسه نافيًا، وتقدم بخطوات ثقيلة نحو الطاولة، والتقط الورقة بيد مرتجفة.
اشتعلت النيران في صدره، وشعر بوخز حاد يمزق قلبه. لم يكن يتخيل أن تتركه ونس بهذه الطريقة، خصوصًا بعد كل ما حدث بينهما.
استدار نحو والدته، وكانت ملامحه تحمل انكسارًا لم تعهده فيه من قبل.
قال بصوت مهزوم:
– مشيت يا أمي... ونس مشيت!
ثم نظر إليها بعتاب ممزوج بالألم، وأردف:
– ليه كده؟ إنتِ لما ما سألتيش عنها، حسستيها إنها فعلًا السبب في اللي حصل. هي هتروح فين؟ دي ما لهاش حد غيرنا! ليه عملت كده بس؟
عضّت نوال على شفتيها ندمًا، وانخفضت عيناها وهي تهمس:
– غصب عني يا حبيبي. قلبي كان واجعني عليك، واتلهيت فيك وفي اللي حصل، وما أخدتش بالي إنها ممكن تكون فهمت الموضوع بالشكل ده.
مرر أنس يده على وجهه، يحاول أن يستوعب ما حدث، ثم تساءل بصوت مضطرب:
– طب أدور عليها فين؟ ليه كده يا ونس؟ ليه؟
أنهى كلماته وهو يهوي إلى المقعد القريب، وقد أنهكه التعب والألم، لا بسبب إصابته وحدها، بل لأن قلبه كان يعتصر من فكرة فقدانها.
كيف استطاعت أن تطاوع قلبها على هجره؟
كيف غادرت دون أن تنتظر حتى يطمئنها بأنه بخير؟
وأين يمكن أن تذهب وهي لا تملك أحدًا تلجأ إليه؟
توالت الأسئلة في رأسه، حتى شعر بأن أفكاره ستفجر رأسه من شدة الضغط.
ظل جالسًا للحظات، يحدق في محبس الخطبة الموضوع فوق الطاولة، وكأنه يحدق في بقايا حلم بدأ يتشكل ثم تحطم فجأة.
لكن الحزن سرعان ما تحول إلى إصرار.
نهض من مقعده، واشتعلت عيناه بعزيمة لم تستطع إصابته أن تخمدها، ثم قال بحسم:
– أنا هنزل أدور عليها. مش هرجع غير بيها!
لم تنتظر نوال منه مزيدًا من الكلام. كانت تعرف أن ابنها لن يتراجع عن قراره، مهما كان الألم الذي يشعر به.
أما أنس، فقد خرج من الشقة وقلبه معلق بأمل واحد: أن يجد ونس قبل أن يبتعد بها الطريق أكثر.
كانت ونس تسير بخطوات شبه راكضة، لا تلتفت خلفها، وكأنها تخشى أن يضعف قلبها إن نظرت مرة أخيرة إلى المكان الذي وجدت فيه الأمان.
تلاحقت أنفاسها، وبدأ التعب يثقل خطواتها، لكنها لم تتوقف. كانت تقنع نفسها بأن ما تفعله هو الأفضل للجميع، وأن ابتعادها سيحمي أنس ونوال من مزيد من الألم.
ومع ذلك، كان قلبها يرفض تصديق تلك الأكذوبة.
كلما تذكرت أنس، وصورته وهو يرقد على فراشه مصابًا، شعرت وكأن نصل سكين حاد ينغرس في صدرها. وكلما تذكرت نظراته إليها، عادت دموعها تنهمر فوق وجنتيها بقهر.
لم تكن تريد الرحيل، لكنها كانت تخاف أن تتمسك به أكثر، ثم يأتي يوم تراه يتألم بسببها.
لماذا عليها أن تعاني كل هذا؟
لماذا كلما ظنت أنها اقتربت من حياة هادئة، عادت الأيام لتسلبها ما أحبته؟
رفعت يدها المرتجفة ومسحت دموعها، محاولة أن تستعيد أنفاسها وتواصل طريقها.
وفجأة، اخترق صوت مألوف سكون اللحظة، صوت تعرفه جيدًا، صوت جعل قلبها يتوقف للحظة قبل أن يبدأ بالخفقان بعنف.
كان يناديها من بعيد، بكل ما يحمله صوته من خوف ولهفة:
– ونسسسسس!
تجمدت في مكانها.
اتسعت عيناها، وتوقفت أنفاسها للحظة، بينما راحت دقات قلبها تتسارع وكأنها تسبقها نحو صاحب الصوت.
لقد عرفته من بين مئات الأصوات.
كان أنس.
الرجل الذي حاولت الهرب منه كي تحميه، والرجل الذي لم يستطع قلبها أن يتركه حتى وهي تبتعد عنه.
يتبع في الفصل السابع...
اترك تعليقاً على هذا العمل