رواية روايات رومانسية 21 أكتوبر 2026

رواية في كنف الشيخ الفصل الأول: صحراء الغموض والقرار المر

روز امين
مؤلف العمل
الخط:
رواية في كنف الشيخ الفصل الأول: صحراء الغموض والقرار المر
بعد وفاة زوجها، تجد نفسها محاصرة بالديون ومهددة من أشخاص لا يعرفون الرحمة، فتجد نفسها مضطرة للجوء إلى شيخ قبيلة قوي يرفض خروج ميراث ابنها من أرض القبيلة. وبين خوفها على طفلها ورغبتها في استعادة حريتها، يضع الشيخ أمامها خيارًا يقلب حياتها رأسًا على عقب: إما الزواج منه بعقد شرعي، أو البقاء تحت حمايته. فهل ستقبل بزواج لم تختره، أم ستجد طريقًا للخلاص من قبضته؟

كان صوت تكسير الباب والتهديد لسه بيرن في ودانها، والرجالة اللي اقتحموا شقتها مش سايبين لها فرصة حتى تلتقط أنفاسها. كل واحد فيهم كان بيطالبها بفلوس ديون جوزها الله يرحمه، وهي أصلًا ما كانش معاها حاجة تسد بيها المبالغ اللي بيطلبوها.

كانت واقفة في نص الشقة، ضامة ابنها ياسين لحضنها بكل قوتها، وعينيها بتتنقل بين الوجوه الغاضبة اللي حواليها، مش عارفة تحمي نفسها ولا تحمي طفلها من الخطر اللي بيقرب منهم.

صرخت فيهم وهي بتترجاهم:

— والنبي ابعدوا عن ابني! أنا ماليش ذنب في الديون دي، ومش معايا فلوس أديها لكم! حرام عليكم، ده طفل صغير مالوش أي ذنب في اللي حصل!

لكن كلامها ما كانش له أي تأثير. واحد من الرجالة قرب منها، وفي اللحظة دي حصلت دوشة عند باب الشقة، وظهر وسط الفوضى راجل طويل، ملامحه قوية ونظرته حادة، حواليه مجموعة من الرجال اللي واضح إنهم بيطيعوا أوامره من غير نقاش.

ما قدرتش تستوعب اللي بيحصل، ولا عرفت مين الراجل ده وإيه اللي جابه في الوقت ده. حاولت تتمسك بوعيها، لكن الخوف والإرهاق غلبوها، والدنيا بدأت تسود قدام عينيها، لحد ما وقعت وهي لسه ضامة ياسين لصدرها.


لما فتحت عينيها، النور كان داخل عليها من فتحة خيمة واسعة، والشمس ساطعة لدرجة إنها اضطرت تحط إيدها قدام عينيها. حاولت تقوم بسرعة، لكنها حسّت بدوخة خفيفة، وبصت حواليها باستغراب.

الخيمة كانت مفروشة بسجاد بدوي فاخر، وفيها وسايد كبيرة وأغطية مطرزة، وكل حاجة حواليها مختلفة تمامًا عن المكان اللي كانت فيه قبل ما تفقد وعيها.

اعتدلت في قعدتها فجأة، والخوف رجع يسيطر عليها.

— ياسين! يا ياسين، إنت فين يا حبيبي؟!

بدأت تدور بعينيها في كل ناحية، وقلبها بيدق بعنف. وقبل ما تقوم من مكانها، اتفتح باب الخيمة ودخلت ست كبيرة في السن، لابسة ثوب بدوي مطرز، وفي إيدها إبريق ميه وكوباية.

بصت لها الست بابتسامة هادية وقالت بلهجة بدوية:

— صباح الخير يا بنتي، هدي حالك ولا تفزعين. عساكِ بخير؟ الوِلد برّه مع جدته، يلعب مع عيال الديرة.

بصتلها البطلة بعدم فهم، ولمّت هدومها عليها بحركة تلقائية، وسألتها بارتباك:

— إنتِ مين؟ وأنا فين؟ وإيه اللي جابني هنا؟ والأهم من ده كله، ابني فين؟ أنا عايزة أشوفه حالًا!

قربت الست منها وقعدت جنبها بحنان.

— اطمئني يا أم ياسين، ولدك بخير، وما جاه إلا كل خير. وإنتِ بين أهلك وناسك، حنا أهل زوجك الله يرحمه.

فتحت عينيها على آخرهما، وكأنها سمعت كلام مش قادرة تصدقه.

— أهل جوزي مين؟! إنتِ بتقولي إيه؟ جوزي الله يرحمه ما كانش ليه أهل، على حد علمي! عمره ما حكى لي عن حد من عيلته، ولا قال لي إن له ناس في المكان ده!

ابتسمت الست وهي بتحاول تهديها.

— يمكن زوجك ما أخبرك عن كل شيء يا بنتي، لكن له أهل وقرابة في هالديرة، وإنتِ وولدك لكم مكان بيننا.

هزت البطلة راسها بعدم تصديق، وبصت حواليها مرة تانية.

— طب أنا فين بالظبط؟ وإيه المكان الغريب ده؟ وبعدين إنتوا بتتكلموا بطريقة مش فاهمة منها غير نص الكلام!

ضحكت الست ضحكة خفيفة وقالت:

— هذي لهجة أهل الديرة يا بنتي، ومع الأيام تتعودين عليها. تعالي اشربي لك شوية ميه، وبعدها أشرح لك كل شيء على مهلك.


مرت الساعات الأولى عليها وهي مش قادرة تستوعب التغيير الكبير اللي حصل في حياتها. لقت نفسها في منطقة صحراوية محاطة بالجبال، وسط قبيلة كبيرة ليها عاداتها وتقاليدها، والناس فيها بيتعاملوا مع بعض كأنهم عيلة واحدة.

كانت كل ما تسمع حد بيتكلم، تلتقط كلمات غريبة على ودنها، زي: «يا ربع»، و«الديرة»، و«ما يصير»، و«انصوا للشيخ».

وفي كل مرة كانت تسأل عن معنى كلمة، تلاقي واحدة من النساء بتحاول تشرح لها بالمصري البسيط عشان تقدر تفهم.

لكن وسط كل الغرابة دي، كان فيه شيء واحد بس قادر يطمن قلبها، وهو إنها تشوف ياسين بعينيها.

أول ما خرجت من الخيمة، لمحت ابنها صاحب الأربع سنين بيلعب وسط مجموعة من الأطفال، وبيضحك وهو بيجري ورا جمل صغير مربوط بالقرب من إحدى الخيام.

كان مبسوط وفرحان، وكأنه نسي الخوف اللي عاشه في شقتهم بالقاهرة.

جريت ناحيته وفتحِت دراعاتها، فأول ما شافها جري عليها وارتمى في حضنها.

— ماما! بصي، أنا لعبت مع العيال، وشفت حصان كبير أوي!

ضمته لصدرها وهي بتبوس راسه ووشه.

— يا حبيبي، إنت كويس؟ حد زعلك؟ حد عمل لك حاجة؟

هز راسه ببراءة.

— لأ يا ماما، كلهم حلوين، وست كبيرة ادتني أكل، وقالت لي إني من أهلها.

ابتسمت رغم القلق اللي جواها، ومسحت على شعره.

— الحمد لله يا روح ماما.

كانت فرحانة إنه بخير، لكن عقلها ما كانش سايبها. مين الناس دول؟ وليه جابوها هي وابنها للمكان ده؟ وإزاي جوزها كان له أهل وأملاك وهي ما تعرفش عنهم أي حاجة؟

أسئلة كتير فضلت تدور في دماغها، لحد ما بدأت تسمع حكايات أكتر عن القبيلة وعن الرجل اللي الكل بيهابه ويحترمه.

الشيخ.


كان اسم الشيخ بيتكرر في كل مجلس تقريبًا. الرجالة بتتكلم عنه باحترام، والنساء بيذكروا اسمه وكأنهم بيتكلموا عن رجل قادر يحل أي مشكلة تواجه القبيلة.

عرفت من واحدة من الستات إن الشيخ هو كبير الديرة، والمسؤول عن شؤون القبيلة وأراضيها، وإن قراراته ليها وزن كبير عند الجميع.

وفي يوم، وهي قاعدة مع بعض النساء، سمعت واحدة منهم بتقول:

— الله يرحم زوجك، كان له نصيب كبير من أملاك العائلة، والشيخ هو اللي ماسك حسابات الأراضي وحقوق الورثة.

اتلفتت لها البطلة بسرعة، وسألتها بلهفة:

— إنتِ بتقولي إيه؟ جوزي كان له ميراث هنا؟ يعني كان عنده فلوس وأراضي في المكان ده؟

ردت الست:

— إي والله يا بنتي، له نصيب محفوظ، وحقه ما يضيع بإذن الله.

حست البطلة إن باب الأمل اتفتح قدامها أخيرًا. شهور طويلة وهي بتحاول تتصرف في ديون جوزها، وكل يوم كانت بتخاف من إن أصحاب الديون يرجعوا يهددوها هي وابنها من جديد.

لو قدرت تحصل على ميراث زوجها، هتقدر تسدد الديون، وترجع القاهرة، وتبدأ حياة جديدة بعيد عن الخوف والتهديد.

ما كانتش عايزة تعيش على حساب حد، ولا كانت مستعدة تفضل في مكان غريب عنها. كل اللي كانت تتمناه إنها تاخد حقها وحق ابنها وترجع لحياتها الطبيعية.

عشان كده، قررت إنها تقابل الشيخ بنفسها.


دخلت خيمة الشيخ وهي بتحاول تظهر هادية وواثقة. كانت الخيمة واسعة، والفرش فيها يدل على مكانة صاحبها، وفي صدر المجلس كان قاعد رجل طويل، لابس ثوبًا مرتبًا وشماغًا يثبته عقال أسود.

ملامحه حادة، وعينيه غامقتين وثابتتين، وفي جلسته هيبة تخلي اللي قدامه يفكر كويس قبل ما يتكلم.

رفع عينيه عليها، وأشار لها تقعد.

— تفضلي، وش عندك يا بنت الناس؟

قعدت وهي بتحاول تختار كلماتها بعناية.

— في البداية، أنا عايزة أشكرك إنت ورجالتك على إنكم أنقذتوني أنا وابني. لولا تدخلكم في الوقت المناسب، ما أعرفش كان ممكن يحصل لنا إيه.

هز راسه بهدوء وقال:

— هذا واجبنا، وما سوينا إلا حق القرابة.

كملت كلامها بابتسامة بسيطة:

— أنا عرفت إن جوزي الله يرحمه كان ليه ميراث وأملاك هنا، وإن حضرتك المسؤول عنها. أنا محتاجة أعرف إزاي أقدر أستلم نصيبه، عشان أسدد الديون اللي علينا ونرجع القاهرة نبدأ حياتنا من جديد.

بمجرد ما سمع كلامها، اختفت الابتسامة من وشها لما لاحظت إن ملامحه اتغيرت، وإن نظرته بقت أكثر صرامة.

سكت لحظات، وبعدها قال بصوت خشن وحاسم:

— العفو يا بنت الناس، هذا واجبنا مع حرمة ابن عمنا وولده. لكن سالفة الميراث والخروج من الديرة، هذي لها كلام ثاني.

عقدت حاجبيها باستغراب.

— كلام تاني إزاي؟ أنا مش فاهمة قصدك.

رد وهو بيثبت عينيه عليها:

— مال ابن عمي وأراضيه ما تطلع برّه الديرة، وحقوق العائلة تظل بين أهلها. بيتك هني مفتوح، وإنتِ وولدك لكم الأكل والشرب والستر، لكن إنك تاخذين المال وتغادرين أرضنا، فهذا ما يصير.

اختفت الابتسامة من على وشها، وبصت له بعدم تصديق.

— إنت بتقول إيه؟! أنا مش جاية أطلب منك فلوسك، ده ميراث جوزي وحق ابني! إزاي تقرر إننا مش هنخرج من هنا؟!

رد عليها ببرود:

— هدي أعصابك واسمعي الكلام زين. ما حد قال إننا بناخذ حق ولد عمي، لكن ما راح أسمح إن أملاكه تطلع من الديرة قبل ما نضمن حقه وحق العائلة.

وقفت من مكانها، والغضب بدأ يسيطر عليها.

— تضمن حقه إزاي؟! أنا أمه، وأنا اللي مسؤولة عنه! وبعدين إنت مالكش حق تمنعني من الرجوع لبيتي. أنا مش أسيرة عندكم، ومش هقبل إن حد يتحكم في حياتي بالشكل ده!

في اللحظة دي، دخلت الجدة الخيمة بعدما سمعت ارتفاع الأصوات. بصت للبطلة، وبعدين للشيخ، وفهمت إن المواجهة بينهم مش هتنتهي بسهولة.

قربت من الشيخ وقالت له بصوت منخفض:

— يا ولدي، الوِلد قطعة من أبوه، وحقه يظل بين أهله. لكن أمه ما راح تقبل تظل هني وهي مكسورة الخاطر. مرت ابن عمك عنيدة، وما تقدر تجبرها على شيء وهي رافضة.

سكت الشيخ، وفضل يفكر للحظات، وبعدها رفع عينيه ناحية البطلة.

— زين، دام إنك مصرّة على الرحيل، خليني أوضح لك إن قدامك حلّين، وما فيه حل ثالث.

بصت له بحذر، وهي مش عارفة إيه اللي ناوي يقوله.

كمل كلامه بنبرة حاسمة:

— يا تقبلين تدخلين داري وتكونين زوجتي بعقد شرعي، ولكِ كامل حقوقك وكرامتك، يا تظلين في أرضنا تحت حمايتي بصفتك حرمة ابن عمي، وولدك يظل بين أهله. وفي الحالتين، ما فيه خروج من الديرة الحين.

اتسمرت مكانها، وكأن الأرض انسحبت من تحت رجليها.

— إنت بتقول إيه؟! إنت فاكر نفسك مين عشان تحطني قدام اختيارين زي دول؟! أنا مش هتجوزك عشان إنت قررت كده، ومش هقبل إنك تمنعني من الخروج!

فضل الشيخ واقف في مكانه، من غير ما يهتز من غضبها. مال برأسه قليلًا، وقال بنبرة فيها كبرياء واضح:

— أني من إذا قال كلمة، سمعها رجال الديرة، وإذا وعد وفّى. وما تعودت أرجع عن قراري. إنتِ الحين بأرضي، ومعك ولد صغير ما له بالدنيا عقب الله غيرك، فلا تحسبين إن الأمر فيه أخذ ورد مثل ما تظنين.

شدت ياسين لحضنها، وهي بتحاول تخفي خوفها ورا نبرة التحدي.

— ابني مش حجة تستخدمها عشان تتحكم فيا! أنا أمه، وأنا اللي أحميه، ومش هسمح لك تستخدمه عشان تفرض عليَّ جواز أنا مش عايزاه!

اتغيرت ملامح الشيخ، وبان الغضب في عينيه.

— صدقة؟! ومن قال إني أمد يدي على ولد ابن عمي وأحسب عليه لقمة؟! لا تحسبين إن شيخ القبيلة يطمع بحرمة رجالٍ ثاني بالحرام! أني يوم قلت داري وفراشي، قصدي إن الحرمة اللي تدخل ذمتي لها قدرها وكرامتها وحقوقها بالشرع. لكن ظنّك السوء هذا ما أقبله، وعليك تعدّلين كلامك وتعرفين زين مع من تتكلمين!

سكت لحظة، ثم أشار ناحية مدخل الخيمة.

— بيتك موجود هني، وأكلك وشربك على حسابنا، وولدك له حق في كل شبر من هالأرض. ما حد يقرب منكم ولا يمسكم بسوء طول ما أني حي. لكن لا تتجاوزون حدود الديرة من دون ما نحل هالموضوع.

ردت عليه بصوت مرتجف من شدة الغضب:

— وأنا مش عايزة أعيش هنا! أنا عايزة أرجع بيتي، وأعيش بحرية، من غير ما أحتاج إذن من حد على كل خطوة بعملها! مش عايزة حمايتك ولا أرضك ولا أوامرك!

تقدم خطوة واحدة ناحيتها، فشعرت بهيبته تملأ المكان، لكنها رفعت دقنها ورفضت تتراجع.

قال بصوت منخفض:

— وإنتِ تحسبين إن الدنيا برّه راح تتركك بحالك؟ الديون اللي خلّاها زوجك ما اختفت، والرجال اللي هجموا على بيتك بالقاهرة ما راح ينسون فلوسهم. وإذا رجعوا لك مرة ثانية، من اللي بيحميك إنتِ وولدك؟

بهت لون وشها، ورجعت لها ذكرى الباب وهو بيتكسر، والأصوات اللي كانت بتهددها، والخوف اللي عاشته وهي بتحاول تحمي ابنها.

لاحظ الشيخ التغيير اللي حصل في ملامحها، لكنه ما تراجعش عن كلامه.

قرب منها قليلًا، وثبت عينيه في عينيها، وقال بلهجة حاسمة:

— أني ما راح أظل أبعث رجالي يحرسونك من بعيد كل يوم. فيه حل يضمن سلامتك وسلامة الوِلد، ويحفظ حقه بين أهله، ويخلي حمايتك واجبة عليّ قدام العرب كلهم.

ابتلعت ريقها بصعوبة، وسألته بصوت خافت:

— وإيه هو الحل ده؟

نظر إليها من غير تردد، وقال الكلمة اللي قلبت كل حساباتها:

— تصيرين حرمتي... وتدخلين بيتي بعقد شرعي.

اتسعت عيناها من الصدمة، وشعرت إن كل الأبواب اتقفلت في وشها مرة واحدة. كانت جاية تطلب ميراث زوجها عشان تنقذ نفسها وابنها من الديون، لكنها لقت نفسها قدام قرار ممكن يغير حياتها كلها.

أما الشيخ، ففضل واقف قدامها بثبات، وكأنه حسم أمره بالفعل.

لكن البطلة ما كانتش من النوع اللي يستسلم بسهولة، وحتى لو كانت محاصرة بالخوف والديون وغموض الماضي، فهي لسه عندها كرامتها وإرادتها، ولسه مش مستعدة تتنازل عن حريتها من غير ما تحارب عشانها.

يتبع في الفصل الثاني...

شاركنا رأيك وانطباعك

0 تعليقات
اترك تعليقاً على هذا العمل
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يشارك برأيه!

أعمال أخرى قد تعجبك

تعليق 0