رواية في كنف الشيخ الفصل الثاني: ظلال الصحراء وأسرار الليل
ما قدرتش تنام طول الليل. كلام الشيخ فضل يلف في دماغها، وكل ما تفتكر نبرته الحاسمة وهيبته اللي تخلي أي حد يفكر ألف مرة قبل ما يعترض عليه، تحس إن صدرها بيضيق أكتر.
كانت قاعدة في ركن الخيمة، ضامة رجليها لصدرها، وعينيها معلقة على ياسين اللي نايم ببراءة فوق الفراش. ابنها الصغير ما كانش يعرف إن أمه عايشة كابوس حقيقي، وإن حياتهم اتقلبت في أيام قليلة من بيت هادي في القاهرة لمكان غريب، تحكمه قوانين ما تعرفش عنها أي حاجة.
همست لنفسها بوجع:
— أنا إزاي وصلت لكده؟ كنت فاكرة إني جاية آخد حقي وحق ابني، وفجأة لقيت نفسي محبوسة، ومش عارفة حتى أرجع بيتي!
افتكرت عرض الشيخ، والاختيارين اللي حطهم قدامها، فقبضت إيديها بعصبية.
— جواز إيه اللي بيتكلم عنه؟ هو فاكر إن حياتي لعبة في إيده؟ ده أنا لو فضلت هنا العمر كله، مش هقبل إن حد يجبرني على حاجة مش عايزاها.
مع أول ضوء للصباح، خرجت من الخيمة وهي حاسة إن عينيها بتحرقها من قلة النوم. لقت الجدة قاعدة جنب موقد صغير، بتحضر القهوة العربية، وريحة البن المحمص مالية المكان.
رفعت العجوز عينيها ناحيتها، وابتسمت بحنان.
— صباح الخير يا بنتي، عساكِ نمتي زين؟
ردت البطلة بمرارة وهي تقعد بعيد عنها شوية:
— وإنتِ شايفة إني ممكن أنام؟ أنا مش عارفة أنا فين ولا إيه اللي مستنيني. كل اللي أعرفه إن حفيدك قرر يتحكم في حياتي، ومش سامح لي حتى أرجع لبيتي.
حطت الجدة الدلة على جنب، وبصت لها بنظرة هادية.
— يا بنتي، الشيخ ما هو راچل سهل، وكلمته عنده عهد ما يتراجع عنه بسهولة. لكنه ما يرضى بالظلم، ولا يترك أهل بيته للغريب.
قاطعتها بعصبية:
— طب وأنا ذنبي إيه؟ أنا لا طلبت حمايته ولا طلبت منه يتدخل في حياتي! كل اللي عايزاه آخد ميراث ابني وأرجع مصر، وأشوف هعمل إيه في الديون اللي سابها جوزي الله يرحمه.
تنهدت الجدة، ثم صبت لها فنجان قهوة ومدته ناحيتها.
— اسمعيني زين يا أم ياسين. الرجال اللي هجموا على دارك ما هم ناس تنسين شرهم بسهولة. لو رجعتي لحالك، من يضمن لك إنهم ما يرجعون لك مرة ثانية؟
أخذت البطلة الفنجان، لكنها ما شربتش منه.
— يبقى أبلغ عنهم وأخد حقي بالقانون. مش معنى إن الدنيا صعبة بره إني أعيش هنا من غير حرية!
هزت الجدة رأسها بأسى.
— الله يهديكِ يا بنتي. أني ما أقول لكِ اقبلي بشي ما تبينه، لكن لا تحكمين على الشيخ قبل ما تعرفين وش وراه. يمكن الأيام تكشف لكِ أمور ما تعرفينها الحين.
قامت البطلة من مكانها، وهي مش قادرة تتحمل الكلام اللي بيسمعها نفس النصيحة كل مرة.
— أنا مش عايزة أعرف أسراره، ولا عايزة أعيش وسط قبيلته. أنا عايزة أخرج من هنا وبس!
لكن الخروج ما كانش سهل زي ما تخيلت.
مرت الأيام ببطء شديد، وكل محاولة منها إنها تبعد عن الخيام أو تعرف طريق يوصلها للطريق العام كانت بتنتهي بظهور واحد من رجال الشيخ، يطلب منها ترجع بكل احترام، لكن من غير ما يسيب لها فرصة للاعتراض.
وفي إحدى المرات، قررت إنها مش هترجع بسهولة. مشت ناحية مرتفع رملي يطل على امتداد الصحراء، وكانت بتحاول تحدد اتجاه الطريق، لكن رجلين من الحرس ظهروا قدامها.
قال أحدهما بلهجة بدوية هادئة:
— عذرًا يا أم ياسين، أمر الشيخ واضح. ما لكِ تطلعين من حدود الديرة بروحك.
رفعت صوتها بغضب:
— وأنا قلت لكم قبل كده إني مش سجينة! عايزة أمشي شوية، هو حتى ده ممنوع؟
رد الرجل بثبات:
— ما قصدنا نضايقك يا بنت الناس، لكن سلامتك أمانة عندنا، وأمر الشيخ ما نقدر نخالفه. تفضلي ارجعي، ولا تشيلين هم.
ضحكت بسخرية، والدموع بدأت تتجمع في عينيها.
— سلامتي؟! هو ده اسمه سلامة؟ إنكم تمنعوني أخرج حتى لو عايزة أتنفس؟
ما ردش الحارس، واكتفى إنه وقف في طريقها. وبعد جدال طويل، رجعت للخيمة وهي حاسة إن كل خطوة بتاخدها في المكان ده بتبعدها أكتر عن حياتها القديمة.
ومع ذلك، كان فيه شيء واحد بيخفف عنها بعض الوجع: ياسين.
الطفل اللي كان طول الوقت متعلق بيها في القاهرة، بدأ يكتشف عالم جديد. بقى يلعب مع أطفال القبيلة، ويجري بين الخيام، ويتفرج على الجمال والأغنام بانبهار. وأحيانًا كان يقعد جنب الجدة، يشرب اللبن الطازج ويحكيلها عن مغامراته الصغيرة.
كانت أمه بتراقبه من بعيد، وتبتسم رغمًا عنها، ثم سرعان ما تختفي ابتسامتها لما تفتكر إنها مش قادرة تاخده وتمشي في أي لحظة.
وفي عصر أحد الأيام، كانت واقفة عند مدخل الخيمة لما سمعت صوت حوافر حصان بيقترب. التفتت، فشافت حصانًا عربيًا أبيض يدخل ساحة القبيلة، وعلى ظهره الشيخ، بعباءته الداكنة وشماغه المرتب بعناية.
نزل الشيخ من فوق الحصان، بينما كان ياسين واقفًا على مسافة قصيرة، يحدق في الحيوان بإعجاب شديد.
اقترب الطفل منه من غير خوف، وسأله ببراءة:
— هو الحصان ده بتاعك يا عمو؟
نظر الشيخ إليه، ثم انحنى قليلًا حتى صار في مستواه.
— إي نعم يا وِلد، هذا حصاني. عجبك؟
هز ياسين رأسه بحماس.
— أوي! أنا عمري ما شفت حصان أبيض بالجمال ده.
أخرج الشيخ قطعة حلوى من جيبه، وقدمها له.
— خذ يا بطل. بس دير بالك، الخيل يبيله راچل يعرف يتعامل معه، ما هو لعبة.
أخذ ياسين الحلوى، ثم رفع عينيه إليه.
— طب لما أكبر، ممكن أركبه؟
ظهرت ابتسامة صغيرة على وجه الشيخ.
— إن كبرت وصرت راچل كفو، أبشر. وبإذن الله أعلمك كيف تعتني به.
كان المشهد بسيطًا، لكنه أربك البطلة. الرجل الذي بدا لها متجبرًا لا يعرف التراجع، كان يتحدث مع طفلها بحنان لم تتوقعه منه.
اقترب الشيخ من ياسين وربت على كتفه.
— وخلّك دايم سند لأمك يا وِلد، تسمعني؟
رد الصغير بفخر:
— حاضر يا عمو!
راقبتهم من بعيد، وشعرت بمشاعر متناقضة. جزء منها كان ممتنًا لأن ابنها وجد من يعامله بلطف، وجزء آخر كان يرفض أن تنخدع بهذا الجانب الهادئ من رجل ما زال يمنعها من العودة إلى حياتها.
قالت لنفسها:
— مش معنى إنه حنين مع ياسين إنه بقى إنسان كويس. أنا لسه مش عارفة هو عايز مني إيه بالضبط.
لكن اللي ما كانتش تعرفه إن الليلة الجاية هتكشف لها جانبًا أخطر من شخصية الشيخ، وهتخليها تعيد التفكير في كل شيء شافته من يوم وصولها.
سر في قلب الصحراء
في منتصف الليل، استيقظت البطلة على أصوات خافتة جاية من بعيد. في البداية افتكرت إنها أصوات رجال بيتكلموا قبل ما يناموا، لكنها لما ركزت، لاحظت إن الحركة غير طبيعية، وإن فيه أصوات سيارات بتتحرك بحذر عند أطراف المنطقة.
بصت ناحية ياسين، ولما اطمأنت إنه نايم، قامت بهدوء وخرجت من الخيمة.
كان القمر منور جزءًا من الصحراء، بينما امتدت الظلال بين الصخور. مشت خطوات قليلة، واستخبت خلف مرتفع رملي قريب، ومن هناك قدرت تشوف مجموعة من الرجال بيتحركوا حول سيارات دفع رباعي.
كانوا بينقلوا صناديق خشبية كبيرة، ويتكلموا بصوت منخفض. ما قدرتش تسمع كل الكلام، لكنها التقطت عبارات عن شحنة وصلت، وتأمين طريق جبلي، وعتاد لازم يتنقل قبل طلوع النهار.
تجمدت في مكانها.
همست لنفسها:
— شحنة إيه؟ وعتاد إيه اللي بيتكلموا عنه في نص الليل؟
حاولت تقنع نفسها إنها يمكن تكون معدات تخص حراسة المنطقة، لكن طريقة تحرك الرجال والسرية اللي محيطة بيهم زودت شكوكها. وفجأة، لمحت صندوقًا مفتوحًا للحظات، وشافت داخله أشياء معدنية طويلة ما قدرتش تحددها بوضوح.
اتسعت عيناها، وشعرت بالخوف يتسلل إلى قلبها.
— يا نهار أسود... هو أنا وقعت وسط إيه؟
كانت عايزة ترجع لخيمتها من غير ما حد يحس بيها، لكنها تحركت خطوة فوق الحصى، فصدر صوت خفيف لفت انتباه أحد الرجال.
التفت الرجل ناحية مكانها، ثم أشار إلى رفيقه.
قبل ما تقدر تهرب، سمعت صوتًا عميقًا يأتي من خلفها:
— وش اللي جابك لهالمكان بهالساعة يا بنت الناس؟
التفتت بسرعة، فوجدت الشيخ واقفًا أمامها. ملامحه كانت جامدة، وعيناه تراقبانها بحدة جعلتها تتراجع خطوة إلى الوراء.
حاولت تتماسك، وقالت بتلعثم:
— أنا... كنت خارجة أشرب مية، وسمعت أصوات، فحبيت أعرف في إيه.
نظر إليها طويلًا، ثم قال:
— والماء يودّيك لهالجهة البعيدة؟ ما لقيتِ غير هالطريق في نص الليل؟
شعرت بالإحراج والغضب، فرفعت رأسها وقالت:
— أنا مش مطالبة أبرر لك كل خطوة بعملها! وبعدين، إيه اللي بيحصل هنا؟ مين الناس دي؟ وإيه الصناديق اللي بينقلوها؟
تغيرت نظراته، وأصبح صوته أكثر جدية.
— هذي أمور ما تخصك، وما كان لكِ داعٍ تجين لهنا من الأساس.
ردت بسرعة:
— ما تخصنيش؟ أنا عايشة وسطكم غصب عني، ومش عارفة إنتوا بتعملوا إيه! أنا من حقي أفهم أنا موجودة في مكان عامل إزاي.
اقترب خطوة، لكنها تمسكت بمكانها رغم الخوف.
قال بنبرة حازمة:
— اسمعي زين يا أم ياسين. بعض الأمور ما تنعرف من أول يوم، وبعض الطرق ما هي آمنة للي ما يعرف دروبها. ارجعي لخيمتك، ولا تقربين من هالمكان مرة ثانية.
نظرت إليه بشك، ثم أشارت بيدها ناحية السيارات.
— يعني إيه؟ إنت مخبي إيه؟ أنا سمعتهم بيتكلموا عن شحنة وعتاد! هو إنتوا بتتاجروا في السلاح؟
ساد الصمت للحظات.
تغير وجه الشيخ، ولمعت عيناه بغضب مكتوم.
— انتبهي لكلامك، ولا ترمين التهم على الناس من غير بيّنة.
ارتجف صوتها، لكنها واصلت:
— أنا مش بتهمك من فراغ! أنا شفت بعيني وسمعت بودني. ودلوقتي فهمت ليه مش عايز تخليني أخرج من هنا. إنت خايف أتكلم عن اللي شفته!
رد الشيخ بلهجة قاطعة:
— أني ما أحتاج أحبس أحد عشان أخفي عنه أمرًا، لكنك ما تعرفين طبيعة هالأرض، ولا تعرفين من يترصد لها. وجودك بهالمكان في هالوقت يعرّضك للخطر، ويعرّض وِلدك معك.
صرخت فيه:
— ما تدخلش ابني في الموضوع! أنا اللي أقرر أعيش فين، وأنا اللي أقرر أخرج أو أفضل. مش من حقك تتحكم فيا بالطريقة دي!
نظر إليها الشيخ، ثم خفض صوته قليلًا.
— لو كان الأمر بيدي وحدي، ما خليتكِ تواجهين هالخطر من الأساس. لكنك ما تسمعين النصيحة، وتدخلين في أمور ما تعرفين عواقبها.
— نصيحة؟ إنت بتسمي اللي بتعمله نصيحة؟ إنت مانعني من حقي في الميراث، وعايزني أتجوزك، ودلوقتي بتقولي إن المكان خطر! أصدق إيه وأكذب إيه؟
لم يجبها مباشرة. ظل ينظر إليها كأنه يحاول أن يقرر مقدار ما يمكن أن يقوله، ثم أشار بيده ناحية الخيام.
— ارجعي الحين. وبكرة نتكلم في كل اللي يشغل بالك، لكن مو هنا، ومو بهالطريقة.
هزت رأسها برفض.
— لا، أنا عايزة إجابة دلوقتي. إنت مين بالضبط يا شيخ؟ وإيه اللي بيحصل في أرضك؟
اقترب منها بما يكفي لتسمع صوته المنخفض بوضوح.
— أني راچل مسؤول عن ديرتي وربعي، وما أسمح لأحد يعبث بأمنهم. أما الأمور اللي شفتيها الليلة، فلا تتسرعين بالحكم عليها. وإن كنتِ حريصة على نفسك وعلى ياسين، فلا تقتربين من أماكن ما تعرفين عنها شي.
شعرت أن كلامه لا يطمئنها، بل يزيد شكوكها. ومع ذلك، لم تجد ما تقوله. كان الخوف على ابنها أقوى من رغبتها في مواصلة الجدال.
تحرك الشيخ مبتعدًا، ثم توقف والتفت إليها مرة أخيرة.
— من هالليلة، ما تطلعين من خيمتك عقب العشا من غير ما تعلمين الجدة. هذي مو عقوبة، لكن احتياط لسلامتك وسلامة الوِلد.
ردت بمرارة:
— سمّيه اللي تسميه، في الآخر أنا ممنوعة من الحركة.
لم يرد عليها، وغادر باتجاه الرجال والسيارات، تاركًا إياها واقفة تحت ضوء القمر، تحاول أن تستوعب ما حدث.
رجعت إلى خيمتها بخطوات متعثرة، وجلست بجوار ياسين، تتأمل وجهه البريء وتدعو الله أن يحفظه من كل سوء.
كانت تعرف الآن أن وجودها في هذه الديرة ليس مجرد خلاف على ميراث أو زواج يرفضه قلبها. هناك أسرار تحيط بالشيخ وقبيلته، وأمور لم تفهم حقيقتها بعد.
لكنها اتخذت قرارًا واحدًا لا رجعة فيه: لن تتوقف عن البحث عن الحقيقة، ولن تسمح لأحد أن يقرر مصيرها إلى الأبد.
أما الشيخ، فكان في الخارج يقف قرب إحدى السيارات، يتحدث مع رجاله بصوت منخفض. وحين أخبره أحدهم أن المرأة رأت جزءًا مما كان ينبغي ألا تراه، انعقد حاجباه.
قال بلهجته البدوية الحاسمة:
— من هالحين، أبي أعرف كل شي عن اللي صار. ولا أحد يتعرض لها أو لوِلدها. مفهوم؟
أجابه الرجل:
— أبشر يا طويل العمر.
ظل الشيخ ينظر ناحية الخيام، حيث اختفت البطلة، ثم تمتم بصوت لم يسمعه أحد:
— يا بنت الناس، ما تدرين وش اللي دخلتِ نفسك فيه... ولا تدرين إن الحقيقة أحيانًا تكون أخطر من كل الظنون.
يتبع في الفصل الثالث...
اترك تعليقاً على هذا العمل