رواية روايات غموض وإثارة 21 أكتوبر 2026

رواية عيلة الجيار الفصل الأول بقلم إسراء نشأت

إسراء نشأت
مؤلف العمل
الخط:
رواية عيلة الجيار الفصل الأول بقلم إسراء نشأت
بين جدران قصرٍ هادئ في مصر يجمع جدّاً بحفيداته الأربع، تتوارى خلف الضحكات الصباحية أسرار خفية وغامضـة. وفي الجانب الآخر من العالم، وتحديداً في قلب باريس، يرتفع قصر محمود الجيار الشامخ ليربط بين خيوط الماضي والحاضر، حيث تتشابك حياة الفتيات في دوامة من الغموض والتشويق التي تقلب هدوء العائلة رأساً على عقب.

داخل قصر الجيار

دعونا نقترب بالكاميرا من داخل القصر الكبير، وتحديدًا من إحدى الغرف الموجودة في الطابق الثاني.

في منتصف الغرفة، كان هناك رجل على مشارف السبعين من عمره، يجلس فوق فراشه بهدوء، ممسكًا بين يديه بصورة قديمة تضم مجموعة من الشباب ورجلًا أكبر منهم سنًّا.

ولو دققنا النظر في الصورة، هنلاحظ إن واحد من الشباب شبهه بدرجة كبيرة، وكأن ملامحه رجعت بالزمن لسنين طويلة.

كان محمود الجيار يتأمل الصورة بعينين مليئتين بالحنين والحزن، وكأنه بيسترجع ذكريات عمر كامل، وأيام كان فيها كل اللي بيحبهم حواليه.

قطع شروده صوت أحدهم من خلف باب الغرفة.

محمود: ادخل يا عادل.

فتح عادل الباب ودخل، وعلى وشه ابتسامة مليانة حب وحنان، واقترب من والده وهو بيقول:

عادل: إيه يا بابا، قاعد لوحدك ليه كده؟

فضل محمود باصص للصورة شوية، وبعدها قال بصوت مليان شوق:

محمود: وحشني عمك محمد وحسني أوي يا عادل، هو وجدك مهدي كمان... وإنت وإخواتك رافضين تنزلوا مصر.

ابتسم عادل وربّت على كتف والده بحنان، محاولًا يخفف عنه.

عادل: إحنا مش رافضين الفكرة يا بابا، بس الموضوع إننا اتأقلمنا على الجو هنا، وبنينا حياتنا كلها في البلد دي، فصعب علينا ننزل مصر ونبدأ من جديد.

تنهد محمود وقال بنبرة هادئة:

محمود: ربنا يقدم اللي فيه الخير يا ابني، واللي رايده ربنا هيكون.

عادل: إن شاء الله يا حبيبي.

ساد الصمت بينهما للحظات، قبل ما محمود يرفع عينيه من الصورة ويبص حواليه باستغراب.

محمود: أومال فين إخواتك؟ القصر هادي خالص! مش النهارده اليوم اللي بتتجمعوا فيه؟

اتوتر عادل قليلًا، ومبقاش عارف يرد بإيه.

هل يقول لوالده إن ابنه الكبير عمار، بعد اللي حصل معاه، بقى منعزل عن الناس ومش بيحب يقعد مع حد، وإنه خرج يقضي وقت لوحده؟

ولا يقوله إن عمرو، بسبب اللي بيتناوله، بقى ساعات مش فاكر حتى اسمه، وإنه رجع من بره مع أول خيوط النهار؟

كان عادل بيحاول يختار كلامه، لكن نظرات محمود اللي امتزج فيها القلق بالريبة خلته يستعجل في الرد.

عادل: عمار أخد علي وخرجوا مع بعض، وعمرو كان بيراجع ورق صفقة وسهر عليه، علشان كده لسه ما صحيش. أما خفيف الظل بقى... هههههه، قاعد في المطبخ من الصبح، قال إيه لازم يشرف على الأكل بنفسه!

سكت لحظة، وبعدين كمل كلامه بمشاكسة:

عادل: أوعى تقولي نسيت إن عمر مش عايش معانا هنا ولا حتى في البلد، أزعل منك!

بص له محمود بابتسامة خفيفة، وقال:

محمود: عمر ده اللي فيكوا! وبعدين عمرو سهر على ورق صفقة؟

قال الجملة الأخيرة بنبرة ساخرة، فبص له عادل بغيظ مصطنع.

عادل: على فكرة، أنا الصغير لو مش واخد بالك!

محمود: لا، واخد بالي يا غيور! ده إنت آخر العنقود يا ولا!

قالها وهو بيقرص خد ابنه بمودة، لكن عادل رفع رأسه بكبرياء مصطنع وقال:

عادل: أومال! أومال!

ضحك محمود وهز رأسه باستسلام.

محمود: مش هتكبر يا عادل أبدًا.

عادل: عيب عليك يا حج، ده أنا أعقل واحد في ولادك! ولا أقولك... أنا التاني، أصل الصراحة محدش ينافس عمار هههههههه. بس أنا بحب أهزر معاك.

محمود: ما دام كده، اهزر براحتك ههههههه. أما عمار، فإنت عندك حق، عمار أعقل واحد في ولادي كلهم.

عادل: طب والباقي يا حج؟

عدل محمود جلسته، وبدأ يتكلم عن أولاده واحدًا واحدًا، وكأنه بيستعرض طباع كل واحد فيهم قدامه.

محمود: بص يا عادل، عمار أعقل وأرزن واحد فيكوا. دايمًا عقله هو اللي بيحكمه في كل حاجة. مقدرش أقول إن ده غلط، وفي نفس الوقت مقدرش أقول إنه صح؛ لأن القلب برضه لازم يكون ليه دور في قراراتك.

أخذ نفسًا قصيرًا، ثم أكمل:

محمود: أما عمر، فأنا معرفش جايب كمية البرود دي منين! مظنش إني هلاقي حد في بروده أبدًا. تعرف إن شغله ده ينفعه أوي بالبرود اللي عنده ده؟ هههههه.

عادل: ههههههه، عندك حق يا حج.

محمود: أما بقى عمرو، فأنا معرفش قصرت معاه في إيه علشان يطلع بتاع بنات وسكّير ومهمل بالشكل ده! عنده لامبالاة رهيبة تجاه كل شيء وأي شيء.

هز محمود رأسه بأسف، ثم تغيرت ملامحه قليلًا وهو بيتكلم عن ابنه الآخر.

محمود: أما عامر ده بقى، فهو طيب ودمه خفيف، واخد الدنيا ببساطة ومبيحبش يعقد الأمور، علشان مؤمن إن كل حاجة ليها حل، فليه يعقد الدنيا؟ وزين ما اختار إنه يدرس، بس ده ميمنعش إنه بيحب الأكل قد عينيه، ويمكن أكتر كمان!

انفجر عادل في الضحك، ثم فرد ذراعيه أمام والده وقال بمبالغة:

عادل: وأنا بقى يا حج؟ شجّعني، شجّعني! ههههههه.

ابتسم محمود وهو بيتأمله، ثم رد عليه:

محمود: إنت فيك من عمر. ساعات بقول إن عمر طبع عليك من بروده، وساعات بتكون زي عامر في خفة دمه وبساطته.

عادل: تسلم يا كبير على تفسيراتك لينا!

محمود: بلا تسلم بلا كلام فاضي، نولني موبايلي.

بص له عادل باستغراب من التحول المفاجئ في كلامه، وقال:

عادل: إيه يا حج، قلبت ليه؟ عمومًا ماشي، اتفضل أمسك الموبايل.

ناول عادل الهاتف لوالده، فبدأ محمود يقلب في جهات الاتصال لحد ما وصل للاسم اللي بيدور عليه.

ولما شافه، ضغط على زر الاتصال.

عادل عقد حاجبيه باستغراب وسأله:

عادل: حضرتك بترن على جدي ليه؟ وبعدين ممكن يكون لسه مصحيش!

رفع محمود عينيه لابنه، وبص له بنظرة تجمع بين الاستغراب والشفقة المصطنعة.

محمود: يا عادل يا حبيبي، هو أنا نسيت أقولك إنك غبي؟

فتح عادل عينيه بذهول، وبص لوالده كأنه مش مصدق اللي سمعه.

أما محمود، فكان بيحاول يمنع نفسه من الضحك وهو بيكمل:

محمود: الساعة دلوقتي سبعة، ومصر سابقة البلد هنا بساعة، يعني الساعة عندهم تمانية!

ضرب عادل جبهته بكفه، وكأنه افتكر المعلومة أخيرًا.

عادل: آه، صح! نسيت حكاية فرق التوقيت دي.

ابتسم محمود بانتصار، ثم رجع يبص للهاتف منتظرًا الرد.

في غرفة عمرو الجيار

ننتقل إلى غرفة أخرى داخل القصر، يغلب عليها الطابع الكلاسيكي، بأثاثها الأنيق وألوانها الهادئة.

كان أحد أبناء محمود الجيار غارقًا في النوم فوق فراشه، وتبدو على ملامحه علامات الإرهاق الشديد، وكأنه ما داقش طعم النوم المريح من أيام.

وفجأة، دوّى صوت الهاتف في أرجاء الغرفة، معلنًا عن وصول اتصال جديد.

اتقلب عمرو في فراشه بانزعاج، وحاول يتجاهل الصوت، ثم دفن رأسه تحت الوسادة على أمل إن الرنين يقف.

وبالفعل، انقطع الاتصال بعد شوية.

تنهد عمرو براحة، لكن راحته ما استمرتش طويلًا؛ لأن الهاتف رجع يرن من جديد.

فتح عينيه بصعوبة، ورفع الجزء العلوي من جسمه مستندًا إلى رأس السرير، ثم مد إيده والتقط الهاتف وهو بالكاد قادر يركز.

الحوار مترجم:

عمرو: ألو، مين معايا؟

مارك: عمرو! أنا مارك. ليه مردتش عليّا لما اتصلت بيك؟

رد عمرو بصوت مليان نوم وضيق:

عمرو: في إيه يا مارك؟ إنت بتتصل بيا في الوقت ده ليه؟

مارك: أنهي وقت يا عمرو؟ إحنا دلوقتي الساعة تسعة الصبح!

عمرو: ما هو مفيش فرق يا مارك! قول لي، اتصلت ليه؟

مارك: إنت اللي طلبت مني أتصل بيك في الوقت ده.

رفع عمرو حاجبيه باستغراب، وحاول يستوعب الكلام.

عمرو: أنا؟! وإمتى طلبت منك كده؟

مارك: معرفش يا صاحبي، بس إنت قلت لي امبارح إني أتصل بيك النهارده الساعة تسعة الصبح، ولو مردتش، أفضل أعاود الاتصال لحد ما ترد عليّا.

حك عمرو جبهته بإيده، محاولًا يسترجع اللي حصل امبارح، لكنه مكانش قادر يربط الأحداث ببعضها.

وبعد لحظات، سأل مارك:

عمرو: مارك، إحنا النهارده يوم إيه في الأسبوع؟

مارك: النهارده الأحد يا صاحبي. أوعى تقولي إن الخمور أثرت على ذاكرتك يا صاح!

اتغيرت ملامح عمرو فجأة، وكأنه افتكر حاجة مهمة كانت غايبة عن باله.

عمرو: تبًا لك يا مارك ولسخافتك دي! افتكرت خلاص أنا ليه طلبت منك تتصل بيا.

ضحك مارك بخفة وقال:

مارك: كويس يا صديقي. دلوقتي أنا مضطر أقفل معاك.

عمرو: ماشي، سلام.

أنهى عمرو المكالمة، وحط الهاتف جنبه على السرير، ثم مرر كفه على وشه بتعب وهو بيحاول يفوق تمامًا.

وفجأة، افتكر اليوم اللي هو فيه، فاعتدل في جلسته وقال لنفسه بقلق:

عمرو: النهارده اليوم اللي بنتجمع فيه أنا وإخواتي وبابا! يا نهار أسود... بابا أكيد دلوقتي قاعد يقول عمرو ده لسه نايم!

نهض من مكانه بسرعة، واتجه إلى الحمام علشان يلحق نفسه.

وبعد ما استحم، لبس بنطلون قماش أسود وتيشيرت أبيض، وبص لنفسه نظرة سريعة قبل ما يخرج من الغرفة مسرعًا.

نزل عمرو السلم وهو مستعجل، متوقع إنه يلاقي أفراد عيلته متجمعين في الصالة، لكنه اتفاجئ إن المكان هادي ومفيش حد ظاهر قدامه.

لف بعينيه في أرجاء القصر، وفضل يدور عليهم من غرفة للتانية، لحد ما وصل إلى صوت جاي من ناحية المطبخ.

ابتسم عمرو ابتسامة جانبية، واتجه ناحية الصوت، وهو متأكد إن صاحب الصوت مش هيكون غير الشخص اللي متوقعه...

شاركنا رأيك وانطباعك

0 تعليقات
اترك تعليقاً على هذا العمل
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يشارك برأيه!

أعمال أخرى قد تعجبك

تعليق 0