رواية مريم وامير الجزء الأول قصة حب وألم بين الواقع والقدر
أتتذكرون تلك القصة القصيرة التي كنا نطالعها ونحن أطفال؟ قصة البطة المختلفة عن باقي إخواتها؛ تلك السوداء التي اعتُبرت قبيحة، قبل أن تنقشع الغشاوة وتكتشف في النهاية أنها بجعة ساحرة الجمال... أهو هذه القصة بالذات كانت القصة المفضلة لمريم.
مريم... لو أردنا الصدق، لم تكن تلك الفتاة التي تتلفت إليها الأعناق؛ بشرة سمرة وملامح عادية، لكن سحرها الخفي كان يكمن في عينيها... بنيتان واسعتان كأن فيهما سرّاً يأسَر من يطيل النظر.
تعلقَت مريم بتلك الأسطورة في صغرها، وكانت تمني نفسها بأن السنين ستصنع معها المعجزة ذاتها، فتتحول بين عشية وضحاها إلى حسناء يرتجي الجميع ودّها... لكن الواقع كان أكثر قسوة. حين كبرت ووطأت أقدامها أعتاب الجامعة، أدركت أن الحياة الواقعية لا تعترف بالأساطير، ومن يومها تحوّل شغفها بالقصة إلى كره شديد.
اليوم تُتمّ مريم عامها العشرين. انتصف النهار ووصلت العقارب إلى الثانية عشرة ظهراً، وهي تقف في المطبخ تحاول مساعدة والدتها.
مريم بقلة حيلة: "ماما... أنا حرقت الرز!" سميرة بنبرة يمتزج فيها العتاب بالحنان: "حرام عليكِ يا مريم! دي خامس مرة تحرقيه الأسبوع ده، أبوكِ هيجيله تلبك معوي من الرز الشيطاني ده!" مريم: "طب أعمل إيه بس يا ماما؟ ما أنا بتعلم أهو!" سميرة: "أيوه اتعلمي فينا! ما هو علشان أنتِ البنت الوحيدة دلعتك وماخلتكيش تدخلي المطبخ من بدري، مع إن كل بنات البلد بيعرفوا يطبخوا إلا أنتِ." مريم: "خلاص بقى يا ماما والنبي، بلاش تقطمي فيا كل يوم نفس السيناريو ده... المهم، هو بابا تأخر ليه كده النهارده؟" سميرة: "أكيد بعد ما خلص شغله عدى يبص على الأرض."
تعيش مريم في قرية صغيرة، لكن عائلتها ميسورة الحال إلى حد ما، وهي الابنة الوحيدة لوالديها.
قطع الحديث صوت انغلاق الباب الخارجي، ليعلن عن وصول حسن، والد مريم.
مريم تمازحه: "إيه التأخير ده كله يا بابا؟ تكونش اتجوزت على ماما ولا حاجة؟" حسن بلهجة خافضة: "يا حبيبتي اللي يتجوز مرة عمره ما يفكر يعيد الكارثة دي تاني!" سميرة بغضب مصطنع: "بتقول حاجة يا حسن؟" حسن بسرعة ومكر: "بمدح فيكِ يا حبيبتي! ها، عملتوا الغدا ولا إيه؟" مريم بفخر طفولي: "طبعاً عملناه، وأنا اللي عملت الرز النهارده!" حسن باستسلام ضاحك: "رز تاني يا مريم؟ حرام عليكِ يا بنتي! لو زعلانة مني في حاجة قوليلي بس بلاش التعذيب اليومي ده!" مريم: "حرام عليك بقى يا بابا! بعدين النهارده أنا مش حارقاه أوي يعني." حسن: "أمرنا لله، يلا حطوا الأكل."
التفت العائلة حول المائدة، وبدأوا في تناول الطعام.
مريم بتطلع: "ها يا بابا، إيه رأيك في الرز؟" حسن وهو يغالب ضحكته: "لا لا لا، بصراحة في تطور! أنا شايف كام رزية بيضا لسه متحرقتش... برافو يا مريم!" ارتفعت ضحكات حسن وسميرة، بينما تمتمت مريم بغيظ لطيف: "أيوه اتريقوا اتريقوا!"
حسن: "أنتِ مسافرة الجامعة امتى يا مريم؟" مريم: "بكره إن شاء الله."
تدرس مريم في السنة الثانية بإحدى جامعات القاهرة، وبحكم بعد المسافة عن قريتهم، كانت تسافر وتقيم هناك ولا تعود إلا مع نهاية الفصل الدراسي.
حسن: "خلاص، أنا ومامتك هنسافر معاكِ القاهرة علشان عندي شوية شغل لازم أخلصهم هناك." مريم بفرحة: "بجد يا بابا؟" حسن: "اه صح يا مريم، بتشوفي أمير ابن عمك هناك؟"
أمير... ابن عمها. شاب يقطر وسامة، ببشرة بيضاء وعينين عسليتين وجسد رياضي، يكتمل ذلك بثراء والده ونفوذه. كان أمير حب مريم الأول... والحقيقة هو حبها الوحيد والأخير. لكن غروره الذي يناطح السحاب جعله لا يراها أبداً، فهي في نظره مجرد فتاة سمراء لا تلفت الانتباه.
مريم بتوتر ملحوظ: "مـ... مش عارفة يا بابا، مابشوفوش." حسن: "إزاي بس؟ ده أنتوا مع بعض في نفس الجامعة ونفس الكلية، إزاي مابتقابلنيش؟" مريم: "يا بابا الجامعة كبيرة أوي، عادي يعني مش شرط نشوف بعض." حسن: "أنا قابلت خليل النهارده وقعدنا نتكلم شوية... اه صح يا سميرة مقولتلكيش؟ أمير ناوي يتجوز!" مريم بتفاجؤ وصدمة زلزلت أركانها: "يتجوز...?!"
حسن بابتسامة غير مدرك لألمها: "اه، النهارده وأنا بتكلم مع خليل قال لي إن أمير عايز يخطب واحدة معاه في الجامعة." سميرة بفرحة: "بجد؟! معقول أمير كبر وخلاص هيتجوز؟"
توقفت مريم عن الأكل، وانطفأت في عينيها كل أضواء الحياة، وظهرت على ملامحها انكسار شديد. حسن باستغرب: "مالك يا مريم؟" مريم وهي تحاول لملمة شتات نفسها وتخفي حزنها الدفين: "مفيش يا بابا... المهم أنا هقوم أدخل أوضتي أجهز الشنطة." سميرة: "خلاص يا حبيبتي، ادخلي كملي حاجتك."
أغلقت مريم باب غرفتها، وانهارت على أثرها في بكاء مرير. قلبها الصغير اعتصره ألم لا يُطاق؛ فذنبها الوحيد أنها لم تعرف سوى أمير طوال أربعين عاماً من خيالها وعشرين من عمرها الحقيقي.
مسحت دموعها المنهمرة وقالت بمرارة واستسلام: "خلاص بقى يا مريم... أنتِ كنتِ فاكرة إنه هيعبرك؟" توجّهت بخطوات ثقيلة نحو المرآة، وتأملت وجهها بقسوة: "بصي لنفسك الأول... فاكرة إن أمير هيبصلك أنتِ؟ لو افتكرتي كده تبقي بتحلمي."
ارتمت على فراشها وغرقت في نوم تهرب به من عالمها، متمنية أن تستيقظ لتجد كل ما سمعته كابوساً عابراً.
لم تمضِ سوى فترة قصيرة حتى أيقظتها والدتها. سميرة: "قومي يا مريم!" مريم وهي تغالب النوم: "ماشي... ماشي..." سميرة: "قومي يا بت! هنسافر القاهرة بعد ساعة، اخلصي!" انتفضت مريم بفزع: "بتقولي إيه؟! بعد ساعة?!" سميرة: "أمّال إيه يا أختي؟ بقالي ساعة بحاول أصحيكِ ولا حياة لمن تنادي!"
بسرعة البرق ارتدت مريم ملابسها ومشطت شعرها الأسود الطويل، وفي أقل من نصف ساعة خرجوا جميعاً ليركبوا الحافلة المتجهة إلى القاهرة.
في القاهرة، وفي قصر يفيض بالفخامة، استيقظ خليل وعائلته وجلسوا حول مائدة الإفطار.
خليل: "أمّال أمير فين يا منيرة؟" منيرة: "أنا صحيته وكان بيغسل وشه." أمير وهو يدخل الهوينى بابتسامته الواثقة: "صباح الخير." خليل: "اقعد يا أمير... أمّال فين سالي؟" منيرة: "ما أنت عارف أختك مابتصحاش بدري." خليل: "وأنت هتروح الجامعة امتى يا أمير؟" أمير: "إن شاء الله الأسبوع الجاي." خليل: "ليه؟ دي مريم راحت النهارده، أنتوا مش مع بعض في نفس الكلية؟" أمير باستغراب: "مريم؟" خليل: "يا بني مريم بنت عمك حسن!" أمير بعدم إبالاة: "اه... مش عارف يا بابا، أكيد عندها حاجات بتخلصها قبل ما الدراسة تبدأ."
قطع الحديث رنين هاتف خليل، ليرد بنبرة هادئة: "السلام عليكم... أيوه أنا خليل محمود العيسوي." وفجأة انتفض خليل من مكانه وشحب وجهه: "بتقول إيه?!" منيرة بقلق بالغ: "في إيه يا خليل?!" خليل بصدمة تزلزل المكان: "الأتوبيس اللي حسن وعيلته كانوا فيه اتقلب... وهما دلوقتي في المستشفى!"
هرع خليل وأمير إلى المستشفى كالمجانين. وعندما واجها الطبيب المسؤول:
خليل بلهفة وانقطاع نفس: "ها يا دكتور؟ طمني على حسن محمود العيسوي وعيلته؟" الدكتور: "حضرتك قربهم إيه؟" خليل: "أنا أخوه!" الدكتور بحزن وأسى: "أنا أسف جداً... الأستاذ حسن وحرمه البقاء لله. أما بنتهم فهي عدت مرحلة الخطر وتحت الملاحظة."
استند خليل على الجدار من هول الصدمة وتهاوى، فوضع أمير يده على كتفه يواسه رغم ذهوله. أسرع خليل يسأل عن غرفة مريم، ولما دخلها لم يتحمل مشهد برائتها؛ ترقد كالملاك الخائف على السرير، ووجهها تغطيه جروح وخدوش بسيطة.
اقترب منها، وجلس على الكرسي المجاور، ومسك يدها والدموع تخنق صوته: "هتعملي إيه يا مريم؟ هتعملي إيه يا حبيبتي بس؟ متخافيش... أنا هنا معاكِ ومش هسيبك لوحدك أبداً."
خرج خليل من الغرفة ليلتقي بأمير المنتظر في الخارج. خليل بنبرة قاطعة: "أمير، من بكره تجهز أوضة خاصة لمريم... مريم هتعيش معانا هنا." أمير: "حاضر يا بابا." خليل: "روح أنت البيت دلوقتي وأنا هفضل مع مريم." أمير: "بس يا بابا..." خليل بنبرة حاسمة: "مفيش بس، روح واعمل زي ما قلتلك."
انطلق أمير بسيارته نحو البيت، واستقبلته والدته منيرة بوجل: "ها يا أمير، حصل إيه؟" جلس أمير وحط رأسه بين يديه، ثم رفع عينيه المليئتين بالأسى: "عمي حسن وطنط سميرة ماتوا..." وضعت منيرة يدها على فمها مصدومة ومجهشة بالبكاء: "ومريم?!" أمير: "مريم الحمد لله عايشة، وبابا قاعد معاها في المستشفى لحد ما تفوق وهيجيبها ويجي." منيرة: "لا حول ولا قوة إلا بالله... الحمد لله إنها بخير."
مع تباشير الصباح، كان خليل يصارع النعاس على الكرسي المجاور لمريم. بدأت مريم تحرك أناملها ببطء، وتفتح عينيها بثقل، تتأمل المكان بغربة حتى وقعت عينها على عمها.
نطقت بضعف وصوت مبحوح: "فين بابا وماما...؟" كانت هذه كلماتها الأولى، لتهطل دموع خليل من جديد، مسحها سريعاً كي لا يفزعها، لكن مريم قرأت الفاجعة في صمته وعينيه.
حاولت الاعتدال، فمنعها خليل بحنان وأجلسها، لتنطلق منها صرخة مدوية وتبكي بحرقة: "لا يا عمي! بابا وماما مماتوش! حرام عليكوا... أنا معنديش غيرهم!" ضمها خليل إلى صدره ومسد على شعرها ليطمئنها: "هش... اهدي يا مريم... أنا موجود ومش هخلي حد في الدنيا دي يؤذيكِ أبداً."
مرت أربعة أشهر كأنها دهور...
جلس الجميع حول مائدة الطعام في قصر خليل، وكانت مريم حاضرة بين أفراد العائلة بعد أن هدأ جرحها قليلاً.
خليل بابتسامة: "الله! الغدا النهارده حلو أوي، تسلم إيدك يا منيرة." سالي ببهجة: "على فكرة يا بابا، أنا ومريم ساعدنا ماما في الأكل." خليل: "علشان كده الأكل طالع جميل! تسلم إيدك يا مريم." مريم بخجل تواضعاً: "على إيه يا عمو، أنا ساعدت طنط منيرة مش أكثر." سالي بغيظ طفولي: "الله الله! ومفيش أي كلمة شكر للقمر اللي قاعد جنبك ده؟" خليل بمشاكسة: "قمر؟ اه... قصدك طبعاً على منيرة!" سالي بضيق كذاب: "ماشي، أنتوا كلكوا كده محدش حاسس بمشاعري!" منيرة بضحكة صافية: "طب والنبي شيلي شوية المشاعر اللي وقعت على السفره دي!"
قامت سالي متظاهرة بالغيظ ودخلت غرفتها، فقالت مريم بقلق: "سالي زعلت؟ أما أروح أصالحها." منيرة: "خليكِ هنا، هي أصلاً خمس دقائق وهتيجي تاني." خليل: "منيرة بتتكلم صح، خليكِ يا مريم وكملي أكلك." منيرة متذكرة: "اه صح، فاضل أقل من نص ساعة وأمير يوصل." خليل: "اه طبعاً، حبيب مامتة راجع من الجامعة." منيرة: "طبعاً، بقالي أربع شهور مشوفتهوش."
تطرق الخوف إلى قلب مريم وتصارعت دقاته لدرجة خيل إليها أن الجميع يسمع وجيب صدرها... حبيب روحها آتٍ بعد غياب أربعة أشهر كاملة! رغم الأحزان المترسبة في أعماقها، إلا أن عشقه المكتوم كان لا يزال ينبض بجنون.
وبينما يستمر الحديث بين خليل ومنيرة، دخلت سالي عائدة بابتسامتها: "أنا قررت أسامحكوا!" ابتسمت منيرة لمريم كأنها تقول لها: "ألم أقل لكِ؟"
وبعد انتهائهم من تناول الطعام، انتقلوا لغرفة المعيشة، حتى سمعوا صوت انغلاق الباب الخارجي ونداءً أثيراً: "أنا جيت!"
هرع الجميع لاستقباله، عدا مريم... شُلت قدمها ولم تستطع الحراك من مكانها كأنها سُمرت في الأرض.
منيرة وهي تحتضن ابنها بشوق: "أمير! وحشتني أوي!" أمير: "وأنتِ كمان وحشتيني أوي يا ماما." سالي بمزاح: "إزيك يا اسطى؟" أمير بضحكة: "إزيك يا زميل... مش قلتلك يا زميل الشنب ده بلاش تربيه؟" ضربت سالي قدمها بالأرض بغيظ لطيف وسابته ودخلت غرفتها.
خليل ملوحاً: "إزيك يا أمير؟" أمير: "الحمد لله يا بابا، إزيك أنت؟"
وما إن خطا أمير خطوات للداخل حتى وقعت عيناه على مريم الواقفة كالتمثال. ابتسم بنعومة وقال: "إزيك يا مريم؟"
تلك الابتسامة كانت كفيلة بإذابة ما بقي من ثباتها... أتوجد ابتسامة ساحرة بتلك الطريقة؟ اكتفت مريم برفع يدها بتحية واهنة، بينما خفضت عينها إلى الأرض فوراً، خائفة أن تلمس عيناه سر حبها المفضوح.
استأذن أمير ودخل غرفته كي يستحم ويرتاح، قبل أن يلتقي بوالده الذي أخبره أنه يريده في أمر مهم.
اترك تعليقاً على هذا العمل