رواية أرض زيكولا الفصل الاول باللهجة المصرية بقلم عمرو عبد الحميد
كان "خالد" واقف قدام النيل في منيل الروضة، بيستنشق هواء الليل البارد وبيسأل نفسه للمرة الألف: "هو أنا ليه ديماً بنتهي بالنهاية دي؟".
الساعة كانت معدية واحدة بعد نص الليل. لسه طالع طازة من بيت "منى"، أو بمعنى أصح، طالع مطرود بشياكة من عند أبوها. ثمان سنين حب، ثمان سنين أحلام، وسبع مرات يروح يتقدم فيها، وفي كل مرة يسمع نفس الرد الناشف من الأب:
- "يا خالد يا ابني، أنت شاب محترم ومافيكش غلطة.. بس عينك مش مليانة، ومش شايف فيك المستقبل اللي يطمنني على بنتي!"
خالد مكانش ناقصه حاجة تقليدية؛ مخلص جامعة، وبيشتغل، ووالده سايبله حتة أرض وبيت قديم في قريتهم "بهتيم". بس مشكلته الحقيقية كانت شغفه اللي محدش فاهمه.. مغامراته، ودورانه ورا الأساطير والحكايات القديمة اللي ياما جده حكاهاله وهو صغير.
رجع خالد بيته في بهتيم، دخل أوضته اللي تاهت فيها الكتب والخرايط، ورما جثته على السرير. فضل باصص للسقف والسؤال بياكل في دماغه: "أنا محتاج إيه عشان أثبت لنفسي وللكل إني أستاهل؟".
في اللحظة دي، افتكر كلام جده عن "سرداب فوريك".
السرداب ده كان لغز القرية كله. مكان مقفول تحت الأرض من مئات السنين، كل اللي حاولوا يدخلوه قبل كده، إما رجعوا مجانين وبيخرفوا بكلام مش مفهوم، إما مارجعوش أصلاً. جده كان ديماً يقوله: "يا خالد، السرداب ده مش مجرد حفرة في الأرض.. ده باب، والباب مش بيفتح إلا للي رايح يدوّر على حاجة ضايعة منه".
الصبح بدري، وقبل ما الشمس تطلع كاملة، خالد حزم أمره. جاب كشاف قيل، وحبل طويل، والسكينة القديمة بتاعة جده، ونزل على السرداب اللي تحت البيت القديم في أطراف البلد.
الجو جوه كان مكتوم، ريحة التراب والمقابر مالية المكان. كل خطوة كان بيمشيها كانت صرخات الهوا فيها بتعمل صوت زي الهسيس. خالد كان حاسس بقلبه بيدق في زوره، بس كان فيه حاجة جواه بتزقه.. شغف مجنون بيخليه يكمل.
فضل نازل لحد ما وصل لآخر السرداب. مكانش فيه حيطة سد زي ما الناس فاكرة، كان فيه باب خشبي ضخم، متغطي بنقوش غريبة ومش مفهومة. الباب مكانش عليه قفل، بس كان عليه حفر لطاسة قديمة.
من غير ما يفكر كتير، خالد حط إيده على الباب وزقه.
الباب اتفتح بصوت صرير يرعب، وفجأة.. السرداب كله اتملى بنور أبيض ساطع، وهوا شديد جرف خالد لجوه زي ما تكون فيضان بيشفطه! خالد صرخ، بس صوته ضاع في الزئير.. وحس بإنه بيقع في فراغ ملوش آخر، لحد ما غاب عن الوعي تماماً.
فتّح خالد عينه ببطء.
أول حاجة حس بيها كانت سخونة الشمس اللي طالعة على وشه، وريحة رملة ناشفة. قام اتنطر ومسح التراب من على هدومه.
المكان مكانش السرداب، ولا كان بهتيم، ولا حظة من مصر اللي يعرفها! كان واقف في وسط صحرا واسعة، وفي الوش على بعد مسافة، كانت فيه مدينة ضخمة أسوارها عالية جداً ومبنية من حجارة سودا وغريبة.
خالد مشي ناحية البوابة الرئيسية للمدينة وهو حاسس بريقه ناشف. عند البوابة، كان فيه حراس واقفين بهدوم قماش ثقيلة ودروع معدن، شكلهم خارج من عصر تاني خالص.
قرب خالد من واحد من الحراس، وقال وهو بيحاول يبتسم بلطف:
- "صباح الخير يا كابتن.. معلش، هي دي محافظة إيه؟ أنا تُهت في السرداب و..."
الحارس بص له من فوق لتحت بنظرة استغراب شديدة، وقاطعه بصوت صارم:
- "أنت مين يا غريب؟ ومنين؟"
خالد رد بحيرة:
- "أنا خالد.. خالد حسام، من القليوبية! هي البلد دي اسمها إيه؟"
الحارس ابتسم ابتسامة غريبة فيها حذر، وشاور بإيده على اليافطة الحجرية الضخمة الملحومة فوق البوابة، وقال بلهجة جادة:
- "أهلاً بيك يا خالد.. أنت دلوقتي واقف على عتبة أرض زيكولا.. بلد مش بتتعامل بالفلوس، بتتعامل بوحدات الذكاء.. ويا تطلع من هنا غني بعقلك، يا تموت وأنت غبي!"
خالد اتسمر في مكانه، وبلع ريقه وهو باصص لليافطة.. وبدأ يفهم إن مغامرته الجديدة مش مجرد تجربة، دي مسألة حياة أو موت.
اترك تعليقاً على هذا العمل