رواية روايات رومانسية 21 أكتوبر 2026

رواية إرتواء الروح الفصل الثالث - بداية حب جديد

سارة فتحي
مؤلف العمل
الخط:
رواية إرتواء الروح الفصل الثالث - بداية حب جديد
بدأت ونس تستعيد ابتسامتها من جديد وسط حنان الحاجة نوال واهتمام أنس اللي بيحاول يخفي مشاعره وغيرة قلبه كل ما يشوفها مع أمير. وبينما علاقتهم بتتغير يوم بعد يوم، يظهر يوسف ويطلب الزواج من ونس، فيقلب الخبر الموازين ويفتح بابًا جديدًا من التساؤلات. فهل هتوافق ونس على بداية جديدة مع يوسف، ولا أنس هيعترف أخيرًا بمشاعره قبل ما يخسرها؟

سحبت ونس إيدها منه بعنف، وكأن لمسته حرقتها، وحاولت تجمع قوتها اللي كانت بتنهار منها، وبصتله بحدة وهي بتقول:

— إنت إزاي تمسكني كده، هااا؟!

طلعت السلم بسرعة، لكن قبل ما تختفي عن عينيه، لفتت ناحيته تاني وصرخت بنبرة مليانة وجع:

— وبعدين إنت مالك بيا، هااا؟! مش خايف أعديك بنحسي؟! ابعد عن طريقي بقى!

فضل أنس واقف مكانه، متجمد كأنه تمثال من حجر، مش قادر ينطق ولا حتى يتحرك. كان شايف انهيارها قدامه، والغضب اللي ظاهر على ملامحها، لكنه كان عارف إن ورا الغضب ده وجع أكبر بكتير.

قلبه كان بيتقطع عليها، وكل دمعة في عينيها كانت بتوجعه كأنها بتجرح جزء منه.

هو ينفع يضمها لحضنه ويطمنها؟ يقولها إن مفيش حاجة تستاهل كل الوجع ده، وإنه جنبها؟

وقبل ما أفكاره تسرح أكتر، باب الشقة اتفتح فجأة، وظهرت الحاجة نوال اللي جريت ناحيتها أول ما شافتها بالحالة دي.

— مالك يا بنتي؟ إيه اللي حصل؟!

سحبتها لجوا وهي بتطبطب عليها، وأنس دخل وراهم وقفّل الباب، وعقله مشغول بألف سؤال.

إيه اللي حصل لها؟ مين زعلها؟ وليه انفجرت بالشكل ده؟

أما ونس، فكانت بترتعش بين إيدين نوال، وساكتة تمامًا، لحد ما أخيرًا نطقت بجملة واحدة خرجت من قلبها المكسور:

— زي ما قالوا... طالعة وشي فقر!

هزت نوال راسها برفض، واستغفرت ربنا، وبعدين مسكت وش ونس بين إيديها وقالت:

— استغفري ربنا يا بنتي ووحّدي الله! مش إنتِ بقالك معانا أكتر من أسبوعين، داخلة وطالعة، وإحنا زي الفل أهو! إيه اللي حصل لكل ده؟!

نزلت دموع ونس تاني، وردت بصوت مخنوق:

— طب لما أنا ماليش لازمة في الحياة... ما ربنا ياخدني! بقالى أكتر من أسبوعين بلف على شغل ومش لاقية! تعبت يا حاجة نوال... تعبت!

قطبت نوال حواجبها، وبعدتها عن حضنها وهي بتبصلها بعتاب مصطنع:

— يا بت يا منيلة! كل ده عشان الشغل؟! ده فيه رجالة بشنبات قاعدين على القهوة تحت، ومش لاقيين شغل، وإنتِ عايزة في أسبوعين تنزلي تلاقي شغل على الجاهز؟! ده إنتِ اللي حبيتي اللقب بقى وعايزة الناس تناديكي بيه!

وبعدين أشارت لها بإيدها وهي بتكمل:

— ابعدي عني كده يا منيلة، ابعدي! ده أنا عندي سكر! داخلة عليا بكل النكد ده، هتموتيني عشان تبقي فقر بجد!

رغم دموعها، ظهرت على وش ونس ابتسامة باهتة، وتمتمت بخفوت:

— بعد الشر عليكي.

مش دايمًا رابط الدم هو الأقوى، ساعات رابطة الإنسانية والحنان بتكون أعمق من أي صلة قرابة.

أنس كان عارف حركات أمه كويس؛ دايمًا كانت بتعمل معاه كده لما تلاقيه مضايق، تحاول تخرجه من حزنه بكلمتين هزار، حتى لو كانوا على حساب أعصابه.

ابتسم من غير ما يحس، وهو مستند بكتفه على الحيطة، لكن سرعان ما رجع يفكر في ونس.

هو ليه شايل همها بالشكل ده؟ ليه حاسس إن وجعها يخصه، وكأنها واحدة من أهله؟

قطع أفكاره صوت أمه وهي بتقول:

— بصي يا ونس، أبو أنس الله يرحمه كان فاتح مكتبة جنب الورشة اللي تحت، وأنا كنت بقف فيها بنفسي. بس أنس من سنتين قال لي كفاية عليكي كده، رجلك تعبت من الوقفة والروماتيزم زاد عليكي.

سكتت لحظة، وبعدين كملت بحسم:

— المهم، من بكرة تاخدي المفتاح، وتوضبي المكتبة وتقفي فيها. البضاعة كلها موجودة، ورزقك ورزقنا على الله. وده آخر كلام عندي!

وبعدين رفعت عينيها ناحية ابنها وسألته:

— ولا إيه يا أنس يا ابني؟

كان أنس متضايق من طريقة ونس معاه؛ بتتجنب الكلام معاه وكأنه وحش هيأكلها لو قرب منها. ومع ذلك، لما افتكر اللي حصل على السلم، حس إنه مش قادر يزعل منها بجد.

رد ببرود متعمد:

— اللي إنتِ شايفاه صح اعمليه. أصلًا الموضوع ما كانش مستاهل كل العياط والصريخ ده!

عضت ونس على شفايفها بإحراج، وحست إن كلامه اتهام ليها، وإنها ظلمته لما صرخت في وشه. نزلت عينيها وقالت بصوت مهزوز:

— أنا آسفة... كان غصب عني. أتمنى تقبل اعتذاري.

كان لسه هيرد، لكن نوال سبقته وهي بتقول بحنان:

— يا بنتي استغفري ربك! هو حد يزعل من أخته الصغيرة؟!

انتفخت عروق أنس من الغيظ أول ما سمع كلمة «أخته الصغيرة»، وحس إن أمه ضيعت عليه الفرصة الوحيدة اللي كان ممكن يتكلم فيها مع ونس براحة.

رد وهو بيضغط على أسنانه:

— لا، ولا يهمك!

ابتسمت نوال بانتصار، وكأنها خلصت مشكلة كبيرة، وبعدين التفتت لونس:

— يلا بقى، اغسلي وشك وفوقي كده. إنتِ هتباتي معايا النهارده.

اتسعت عيون ونس بصدمة، وبصت لأنس بسرعة، لتتقابل عيونهم لأول مرة بنظرة طويلة. اتلخبطت، وبلعت ريقها قبل ما تقول:

— لا، إزاي؟! ما يصحش... أنا هروح الشقة اللي هناك.

ردت نوال ببساطة وكأن الموضوع عادي جدًا:

— هو إيه اللي ما يصحش؟ آه، آه، قصدك عشان الواد أنس! متقلقيش، مش هيبات هنا ولا حتى في الشقة التانية.

أنس اللي كان واقف بيسمع الكلام، اتبدلت ملامحه من التيه للذهول، وصاح:

— نعععم؟! هو ده إزاي يعني؟! أمال هبات أنا فين بقى؟!

بصتله أمه بكل برود وقالت:

— في الورشة! ولا نسيت أيام ما كنت بعاقبك وأسيبك تنام تحت؟

وبعدين التفتت لونس، وقررت تكمل فضايحه من غير أي رحمة:

— أصل الواد ده كان مغلبني، سرمحة ليل ونهار، ويرجع البيت متأخر. كنت أقفل باب الشقة وأنزله ينام في الورشة! آه، وكان بيتمرمغ مع البناااااات...

انتفض أنس من مكانه، وقاطعها بسرعة قبل ما تكمل:

— لا لا، متاخديش على كلام نبع الحنان ده! أبوس إيدك، ممكن تمسكي لسانك؟! ده الشارع كله تحت عارف كل حاجة عني! إنتِ أم إزاي بس؟! سمعتي راحت يا أمي، كفاية!

لوت نوال شفايفها بسخرية وردت:

— سمعتي راحت مني أنا؟! ولا من البنات اللي كانوا بيجروا وراك؟! امشي يا واد من قدامي، أنا رايحة أحضر العشا. أنا أصلًا خبت في تربيتك!

خرجت نوال وهي بتتمتم بكلام غير مفهوم، بينما انفجرت ونس في الضحك، ضحكة حقيقية من قلبها، يمكن من زمان ما ضحكتش بالشكل ده.

كانت بتتمنى لو إنها اتولدت وسط عيلة زي دي، عيلة فيها هزار ودفا، وفيها حد يزعقلك عشان يحبك، مش عشان يكسرك.

أنس فضل يراقبها وهي بتضحك، وابتسامة صغيرة ظهرت على وشه من غير ما يحس. وبعد لحظات، سحب كرسي وقعد قدامها، يتأمل ملامحها في صمت.

كان نفسه يعرف إيه اللي مستخبي ورا عينيها الرمادي، وإيه الحكايات اللي خلتها تخاف من الناس بالشكل ده، وإزاي قدرت تعيش بكل الوجع اللي شايله جواها.

مش فاهم ليه الإحساس ده بيطارده من أول يوم شافها فيه، ولا ليه بقى عايز يعرف عنها كل حاجة.

حاول يخرج من شروده، فرسم ابتسامة مشاكسة على وشه وقال:

— أوعي تصدقيها! أنا كنت إمام جامع وأنا صغير، بس هي كده بتحب تهزر.

رفعت ونس عينيها ليه، وحاولت تمنع ابتسامتها، لكنها ما قدرتش تخبيها.

رفع حاجبيه باستغراب مصطنع وقال:

— إيه؟! شكلك مش مصدقة! تحبي أقوم أصلي قدامك ركعتين عشان تصدقيني؟

رمقته بخجل، واتقابلت عيونها بعينيه العسليتين، فاضطرب قلبها للحظة قبل ما ترد:

— لا، مصدقاك خلاص... قلبك أبيض.

ابتسم أنس بثقة وقال:

— آه والله، أبيض وطيب وابن حلال، بس نقول إيه بقى؟ الست دي بتحب تسوء سمعتي!


في صباح اليوم التالي

نزلت ونس للمكتبة بروح جديدة، مليانة أمل وتفاؤل. كانت حاسة إن الناس اللي حواليها قدروا يرجعوا لها جزء من روحها اللي ضاعت وسط القسوة والرفض.

يمكن لأول مرة من سنين، بدأت تحس إنها مش مجرد بنت بيخافوا منها، ولا لقب بيلزقوه فيها، لكنها إنسانة ليها حق تعيش وتفرح وتبدأ من جديد.

فصاحب الروح الجميلة، جماله بيعدي اللي حواليه.

لكنها أول ما دخلت المكتبة، فتحت عينيها بذهول.

المكان اللي كانت فاكرة إنه مهجور من سنتين، بقى متوضب ونضيف، والرفوف مترتبة، والبضاعة متوزعة بشكل منظم.

وقبل ما تستوعب اللي حصل، سمعت صوته جاي من وراها مباشرة، قريب من ودنها:

— صباح الورد والونس يا ونس!

لفت بسرعة، ولقت أنس واقف وراها، لابس قميص أسود مفتوح أول زرايره، وابتسامته الهادية مرسومة على وشه.

اتلخبطت من قربه، وحست إن رجليها بقوا أضعف من إنها يشيلوها. حاولت تسيطر على ارتباكها، لكن قلبها كان بيدق بعنف بين ضلوعها.

هو الكلام ده ليا أنا؟!

رفعت عينيها ليه وقالت بخجل:

— صباح الخير... إنت اللي عملت كل ده؟

حك أنس مؤخرة راسه، وهو بيحاول يخبي سعادته برد فعلها. كان مبسوط إنه قدر يرسم الفرحة على وشها، حتى لو كانت فرحة بسيطة.

رد بمرح:

— أيوه، مطرود بقى، فقلت أعمل حاجة مفيدة بدل ما أفضل قاعد من غير شغل!

عضت ونس على شفايفها، وبصت للمكتبة تاني قبل ما تقول بندم:

— إنت اتبهدلت بسببي أوي... أنا آسفة.

خرجت من أنس ضحكة رجولية خشنة، ورد بسخرية خفيفة:

— يبقى لسه ما عرفتيش الست اللي فوق دي! دي بتشردلي مع طوب الأرض!

ابتسمت ونس بحب وهي بتقول:

— ربنا يبارك فيها... ده كفاية روحها الحلوة.

رفع أنس عينيه للسما، ورد بتضرع مصطنع:

— آمييييين!

ضحكت ونس، وهو ابتسم لمجرد إنه قدر يشوف الضحكة دي على وشها.


بعد مرور شهر

عدّى شهر كامل، وونس بدأت تتعود على المكتبة وعلى أهل المنطقة. بقت تعرف الناس بالاسم، وترد على سلامهم بابتسامة، وتشاركهم أحاديثهم البسيطة.

ومع كل يوم بيعدي، كانت بتحس إن حملًا تقيلًا بيتشال من على قلبها. بدأت تنسى، ولو مؤقتًا، إنها البنت اللي اتسمّت «نذير الشؤم»، وبدأت تشوف نفسها بعين مختلفة.

لكن كان فيه شخص واحد لسه مش عارف يوصل لها بسهولة.

أنس.

كانت بتتعامل معاه بحذر، وتختصر كلامها معاه على قد ما تقدر، رغم إنها بقت قريبة جدًا من أمه.

وفي يوم، كان أمير واقف قدامها في المكتبة، بيزفر بملل وهو بيقول:

— ونس، خطتك ما نفعتش المرة اللي فاتت!

ردت عليه بنفاد صبر وهي بترتشف من كوباية الشاي:

— يعني ده اللي عندي! أعمل إيه تاني؟! بحاول أرغي معاها في أي حوار، وإنت واقف زي الأصنام، لا بتتكلم ولا بتنطق! والمفروض إنك إنت اللي تفتح أي موضوع، أعمل لك إيه أنا بقى؟!

عقد أمير حواجبه، وبدأ يعمل نفسه بيفكر بعمق، بينما ونس ابتسمت على طريقته.

كانوا مشغولين في كلامهم، ومش واخدين بالهم من العيون اللي بتراقبهم من بعيد، والغيرة اللي بدأت تشتعل جوا صاحبها.

أنس كان واقف في الورشة، وكل ما عينه تقع على ونس وهي بتضحك مع أمير، يحس بحاجة بتضغط على صدره.

إيه الضحك ده كله؟! وإيه اللي بينهم يخليها مبسوطة معاه بالشكل ده، بينما معايا بتتعامل كأني مش موجود؟!

ما قدرش يستحمل أكتر، فخرج من الورشة بخطوات سريعة، وقال بصوت عالي نسبيًا:

— هو أمير باشا مش وراه شغل؟! شايفك واقف هنا من الصبح، وشغال ضحك! فيه إيه؟!

رفع أمير إيده باستسلام، وقال بمشاكسة:

— عندي دي يا زعامة! أنا رايح على الشغل أهو!

وانطلق ناحية الورشة، وهو بيكتم ضحكته، وساب أنس واقف مكانه بيحاول يخبي غيرته.

بص أنس لونس، اللي كانت رجعت فجأة لهدوئها، وبعدين اتحمحم بخشونة وسألها:

— عاملة إيه؟

ردت باقتضاب من غير ما ترفع عينيها:

— الحمد لله، كويسة.

اتضايق من ردها المختصر، وحس إنه قرب يفقد أعصابه. ليه هي بتعامله هو بالذات بالطريقة دي؟! مع أمه بتضحك وتهزر، ومع أمير بتتكلم براحتها، إنما أول ما يقرب منها، تقفل كل الأبواب في وشه!

لف ضهره ليها ورجع يكمل شغله، لكنه ما قدرش يمنع نفسه من إنه يبصلها كل شوية من طرف عينه.

أما ونس، فكانت بتحاول تتجاهل وجوده، لأن قربه بيحرّك جواها مشاعر هي مش مستعدة تواجهها.

كانت خايفة تفتح قلبها من جديد، وخايفة تصدق إن فيه حد ممكن يشوفها بشكل مختلف عن الصورة اللي الناس رسموها لها.

هي مش عايزة تتوجع تاني... حتى لو كان قلبها بدأ يميل له من غير ما تستأذن.


على مائدة العشاء

كان أنس قاعد على السفرة، مستني أمه وونس يخلصوا تجهيز الأكل وييجوا يقعدوا معاه.

وبعد شوية، حطوا آخر طبق على السفرة، وقعدوا كلهم يتناولوا العشاء.

قطعت نوال الصمت بحماس واضح، وقالت:

— عندي ليكم خبر حلو النهارده! خمنوا مين كانت عندي؟ الست أم يوسف، يا أنس، إنت عارفها طبعًا!

رفع أنس عينيه من طبقه ورد باقتضاب:

— مالها؟

كعادته، ما كانش مهتم قوي بأخبار الناس، لكنه عارف إن أمه لازم تحكيله كل حاجة، حتى لو الموضوع ما يخصوش من قريب ولا من بعيد.

ابتسمت نوال، وبصت لونس وهي بتربت على كتفها بحنان، وقالت:

— ابنها يوسف شاف ونس في المكتبة تحت، واتكلم معاها مرتين، وقال إنه معجب بيها!

توقفت ونس عن الأكل، ورفعت عينيها لنوال بذهول، بينما نوال كملت بحماس أكبر:

— وجت النهارده تطلبها مني، وسألتني عنها. قلت لها إنها قريبتنا من البلد، فقالت لي إن ابنها جاهز وعايز يتقدم رسمي!

ثم التفتت لونس، وملامحها كلها أمل، وسألتها:

— إيه رأيك يا بنتي؟!


يتبع في الفصل الرابع ...

شاركنا رأيك وانطباعك

0 تعليقات
اترك تعليقاً على هذا العمل
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يشارك برأيه!

أعمال أخرى قد تعجبك

تعليق 0