رواية روايات رومانسية 21 أكتوبر 2026

رواية ارتواء الروح الفصل السابع: أنس يعرف مكان ونس

سارة فتحي
مؤلف العمل
الخط:
رواية ارتواء الروح الفصل السابع: أنس يعرف مكان ونس
يمر أكثر من شهرين على رحيل ونس، لكن أنس لا يستطيع تجاوز غيابها، ويواصل البحث عنها رغم يأسه وألمه. وبينما تحاول ونس إخفاء حزنها والانشغال بعملها الجديد، يكشف أمير أخيرًا أنه يعرف مكانها، فيتغير كل شيء ويقرر أنس الوصول إليها مهما كلفه الأمر. فهل سيكون اللقاء بداية لعودة الحب، أم أن العتاب سيزيد المسافة بينهما؟

جلست ونس أمام الباب، وعيناها معلقتان به في انتظار وصول أمير. كانت الدقائق تمر ببطء شديد، وكلما تأخر، ازداد القلق داخلها، وازدادت الأسئلة التي تدور في رأسها بلا إجابات.

وأخيرًا، سمعت طرقات على الباب، فنهضت بسرعة وفتحته. كان أمير يقف أمامها بملامح حزينة، وما إن رأته حتى حاولت السيطرة على دموعها، وسألته بلهفة:

— اتأخرت ليه يا أمير؟ طمني، أنس عامل إيه دلوقتي؟ هو عرف إني مشيت؟

لم يجبها فورًا، لكن ملامحه كانت كافية لتجعل قلبها ينقبض. ابتلعت ريقها بصعوبة، ثم سألته بصوت خافت:

— هو كويس، صح؟ قولي بس إنه كويس.

تنهد أمير بحزن، وقال:

— مش عارف إزاي وافقت أخبي عليّكوا الموضوع ده. ساعات بقول يا ريتني يوم ما قابلتك في الشارع كنت رجعتك مكان ما جيتي، وما كنتش سيبتك تمشي لوحدك.

ثم خفض عينيه قليلًا، وأكمل بصوت مثقل بالندم:

— أنا روحت أشوف أنس، بس والله ما قدرت أبص في عينيه. حسيت إني خذلته، ومقدرتش أقعد معاه، فقمت ومشيت.

هزت ونس رأسها ببطء، وكأنها تحاول إقناع نفسها بأن ما فعلته كان القرار الصحيح، وقالت:

— يمكن كده أحسن يا أمير. أنس هينساني مع الوقت، وهيقدر يعيش حياته من غيري. أنا مش عايزاه يتعذب بسببي أكتر من كده.

ثم نظرت إليه برجاء، وأضافت:

— بس أرجوك، خليك تطمني عليه من وقت للتاني، وقولي أخباره.

أومأ أمير بصمت، ولم يجد ما يقوله ليخفف عنها. استأذن منها وغادر، بينما أغلقت ونس الباب خلفه، وأسندت ظهرها إليه للحظات، قبل أن تنهار قواها وتسقط على الأريكة.

انفجرت في البكاء، ووضعت يديها على وجهها، وكأنها تحاول إخفاء وجعها حتى عن نفسها.

كانت قد اختارت الرحيل حتى لا تكون سببًا في ألم أنس، لكنها لم تدرك أن الابتعاد عنه سيجعل الألم يسكن قلبها هي أيضًا.


مر أكثر من شهرين، ولم يتغير شيء في حياة أنس سوى أن الحزن أصبح رفيقه الدائم.

كان يقضي نهاره في البحث عن ونس، ينتقل من مكان إلى آخر، ويسأل كل من يمكن أن يدله عليها، لكنه يعود في نهاية اليوم خالي الوفاض، محملًا بخيبة أمل جديدة.

أما الليل، فكان أكثر قسوة عليه؛ إذ يعود إلى غرفته، ويغلق الباب على نفسه، ويظل غارقًا في أفكاره، يتساءل كيف استطاعت امرأة لم تمكث في حياته سوى فترة قصيرة أن تستحوذ على قلبه إلى هذا الحد.

كيف أحبها بهذه السرعة؟ وكيف أصبح غيابها مؤلمًا كأنها عاشت معه عمرًا كاملًا؟

اقتربت نوال منه ذات ليلة، وجلست بجواره، ثم وضعت يدها على كتفه وربتت عليه بحنان.

— يا أنس، كفاية بقى يا حبيبي. إنت عملت كل اللي تقدر عليه، ودورت عليها في كل مكان، ومفيش حاجة بإيدك تعملها أكتر من كده.

ظل أنس صامتًا، وعيناه معلقتان بالأرض، فتابعت نوال وهي تحاول التماسك:

— والله أنا كمان قلبي مش مطاوعني عليها، وقلقانة عليها زيك بالظبط، بس إحنا نقدر نعمل إيه؟ هي قعدت معانا كام شهر، وبعدها اختارت تمشي. حاول تعتبر إن الفترة دي ما حصلتش، وعيش حياتك يا ابني. ما تدمّرش نفسك بالشكل ده.

رفع أنس عينيه إليها، وكان الحزن واضحًا في ملامحه، ثم قال بصوت متهدج:

— كام شهر يا أمي؟ إنتِ فاكرة إني حبيتها عشان قعدت معانا فترة؟ أنا حبيتها كأنها عايشة معايا من سنين. حبيتها بكل حاجة فيها، بكل تفصيلة صغيرة، حتى الحزن اللي في عينيها حبيته.

ابتسم ابتسامة باهتة لا تحمل أي فرح، وأكمل:

— كنت كل ما أبص في عينيها أحس إني عايز أشيل منها كل وجع شافته، وأعوضها عن كل حاجة كسرتها. كنت عايز أخليها تضحك من قلبها، وأخليها تحس إنها مش لوحدها في الدنيا.

سكت لحظة، ثم خرج صوته محملًا بالقهر:

— بس هي مشيت يا أمي! مشيت من غير ما تديني فرصة أفهم هي ليه عملت كده. راحت فين؟ وليه سابتني؟ أنا عملت لها إيه عشان توجعني الوجع ده كله؟

لم تستطع نوال أن تمنع دموعها، فاحتضنت كتفه وهي تبكي معه، ولم تجد سوى الدعاء الذي تتمسك به في تلك اللحظات.


في مكان آخر، كانت ونس تجلس أمام مجموعة من خيوط الصوف، تعمل بيديها في صمت، وتصنع فساتين من الكروشيه لتبيعها عبر مواقع التواصل الاجتماعي.

بعد محاولات كثيرة، استطاعت أخيرًا العثور على هذا العمل الذي يوفر لها قوت يومها، ويسمح لها بالبقاء بعيدًا عن الاختلاط بالناس والأسئلة التي لا تريد الإجابة عنها.

كانت تعمل ليلًا ونهارًا، تحاول أن تشغل وقتها بكل ما تستطيع، حتى لا تترك لعقلها فرصة للعودة إلى ذكريات أنس.

لكن القلب لا ينشغل بالأوامر، والذكريات لا تختفي لمجرد أننا نحاول الهرب منها.

كلما تذكرت صوته، أو ابتسامته، أو طريقته في النظر إليها، شعرت بغصة تعتصر قلبها، وتجمعت الدموع في عينيها دون إرادة منها.

توقفت عن العمل للحظات، ومسحت دموعها بطرف يدها، ثم عادت إلى ما بين يديها، وكأنها تخشى أن تنهار إن سمحت لنفسها بالتفكير أكثر.

وحين أنهت ما تستطيع إنجازه، وضعت الخيوط جانبًا، ثم اتجهت إلى فراشها واستلقت عليه، لكن النوم لم يأتِ بسهولة.

أغمضت عينيها، وتسللت صورة أنس إلى ذاكرتها، فارتجف قلبها، وهمست بصوت لم يسمعه أحد:

— سامحني يا أنس على اللي عشته بسببي.

ثم استدارت على جانبها، تحاول إقناع نفسها بأن البعد هو الحل الوحيد، رغم أن كل شيء بداخلها كان يصرخ بأنه ليس كذلك.


وقف أنس في شرفة المنزل، مستندًا إلى السور، وقد انحنت كتفاه من شدة الإرهاق، بينما ارتسم الألم على وجهه بصورة لم تعد تخفى على أحد.

كانت هذه الشرفة تحمل الكثير من ذكرياته مع ونس؛ هنا وقف معها، وهنا تبادلا الحديث والضحكات، وهنا شعر للمرة الأولى أن حياته بدأت تأخذ شكلًا مختلفًا.

والآن، لم يبقَ له سوى الفراغ.

أغمض عينيه للحظات، وتخيلها أمامه، قريبة منه كما كانت من قبل. تمنى لو يستطيع أن يحرق العالم كله بحثًا عنها، ثم يضمها إلى صدره ويخبرها أنها ليست نذير شؤم في حياته، بل هي سعادته التي لم يعرف قيمتها إلا بعدما فقدها.

أخرج هاتفه، وفتح الصور التي التقطها معها خلال فترة خطبتهما. أخذ يتأمل ملامحها واحدة تلو الأخرى، وكلما انتقل إلى صورة جديدة، شعر وكأنه يقع في حبها من البداية.

كانت ابتسامتها وحدها قادرة على إيلام قلبه، وعيناها تحملان حكايات يتمنى لو عرف كيف يداويها.

قال في نفسه بحسرة:

إزاي قدرتي تمشي يا ونس؟ إزاي قدرتي تسيبيني بالشكل ده؟

اقتربت منه نوال، وحاولت رسم ابتسامة حزينة على وجهها، ثم وقفت بجواره وقالت:

— يا أنس، إحنا مالناش غير نصيبنا يا حبيبي. حاول ترضى باللي حصل، وحاول تعيش حياتك.

لم يرفع عينيه عن الهاتف، بل أغلقه ووضعه في جيبه، ثم أطلق زفرة طويلة وقال:

— أنا مش عارف أعمل إيه يا أمي. أول مرة في حياتي أحس إني محاصر بالشكل ده، ومش عارف أروح فين ولا أدور عليها إزاي.

ثم التفت إليها، وأكمل بمرارة:

— أنا حتى روحت بلدها، وفضلت أدور وأسأل، بس ملقتهاش هناك. طب راحت فين؟ ممكن تكون فين؟ أنا مش فاهم هي اختفت إزاي من حياتي بالشكل ده!

امتلأت عينا نوال بالدموع، ورفعت يديها إلى السماء تدعو من قلبها:

— يا رب، رجّعها بالسلامة، وطمن قلبي عليها. يا رب سخّر لها ولاد الحلال، وابعد عنها كل شر، واكتب لها الخير أينما كانت.

لم يجد أنس ما يقوله، فعاد ينظر إلى الأفق، غارقًا في عجزه واشتياقه.

وفجأة، قطع طرق الباب الصمت الذي خيّم على المكان.

التفتت نوال نحو الداخل، ثم قالت:

— مين اللي جاي دلوقتي؟

تحركت لفتح الباب، وما إن رأته حتى اتسعت عيناها قليلًا.

— أمير؟ اتفضل يا حبيبي.

دخل أمير، فأغلقت نوال الباب خلفه، ثم أخذته إلى الشرفة حيث كان أنس يقف صامتًا.

نظرت نوال إلى أمير برجاء، وقالت:

— الحق صاحبك يا أمير. أنس حاله بقى يصعب على أي حد، وأنا مش عارفة أعمل له إيه. حاول تساعده يخرج من الحالة اللي هو فيها دي.

لم يرد أنس على كلامها، ولم يلتفت إلى أمير. مد يده فقط، وأخرج مجموعة من المفاتيح، ثم وضعها في يد صديقه.

قطب أمير حاجبيه باستغراب، وسأله:

— إيه المفاتيح دي يا أنس؟

أجابه أنس بفتور:

— مفاتيح الورشة. الورشة دي أكل عيشك، افتحها وخلّي بالك من الشغل.

نظر أمير إليه بعدم تصديق، ثم قال:

— يا ابني أنا جاي أطمن عليك، مش جاي أتكلم في الشغل دلوقتي!

رد أنس باقتضاب، وكأنه لم يعد يملك الطاقة لأي حديث:

— أنا تعبان يا أمير، وصداعي زاد. عايز أنام شوية.

استدار وكأنه سينهي الحديث، لكن أمير باغته بجملة جعلته يتجمد في مكانه:

— أنس، أنا عارف مكان ونس.

ساد الصمت فجأة.

لم يتحرك أنس في البداية، وكأنه لم يستوعب ما سمعه. ثم التفت ببطء نحو أمير، وقد تبدلت ملامحه في لحظة، واختفى الإرهاق من عينيه ليحل محلهما اشتعال غاضب.

تقدم منه بخطوات سريعة، وأمسكه من ياقة قميصه، وصاح فيه:

— إنت بتقول إيه؟! إنت عارف مكان ونس؟! يعني إنت عارف هي فين وساكت كل ده؟! ليه يا أمير؟ ليه مخبي عليّ؟!

شهقت نوال، وحاولت الاقتراب منهما، بينما ارتجف أمير تحت قبضة أنس، ورفع يديه محاولًا تهدئته.

— استنى بس يا أنس، خليني أشرح لك!

لكن أنس شد قبضته أكثر، وصوته يزداد غضبًا:

— تشرح إيه؟! اتكلم! ونس فين؟!

ابتلع أمير ريقه بصعوبة، ثم بدأ يحكي:

— يوم ما ونس مشيت، قابلتها في الشارع. كانت ماشية وهي بتعيط، ومعاها شنطتها. ناديت عليها وسألتها رايحة فين، فقالت لي إنها نازلة تشتري حاجة.

توقف لحظة، ثم تابع:

— بس أنا ما صدقتهاش. كان واضح عليها إنها بتخبي حاجة، فمشيت وراها من بعيد، لحد ما اتأكدت إنها فعلًا كانت ناوية تمشي وتسيب كل حاجة وراها.

بدأ أنس يخفف قبضته قليلًا، لكنه ظل ممسكًا بياقة أمير، يستمع إليه بعينين مشتعلتين.

أكمل أمير:

— ما قدرتش أسيبها لوحدها وهي بالحالة دي، فأخدتها معايا بيت أمي. فيه شقة فاضية، وقلت لها تقعد فيها مؤقتًا لحد ما تهدى وتعرف هتعمل إيه.

ثم نظر إلى أنس بندم، وأضاف:

— كنت ناوي أقول لك من الأول، والله كنت ناوي. بس هي حلفتني ما أقولكش، وفضلت ترجيني إني ما أوصلش لك مكانها. وأنا... أنا ما قدرتش أكسر كلامها.

ارتسمت الصدمة على وجه نوال، ثم اندفعت نحو أمير وضربته بمرفقها في جانبه، قائلة بغضب:

— يعني إنت كنت عارف مكانها طول الوقت، وسايبنا هنا بنعيط عليها ليل ونهار؟! يا أخي إزاي قدرت تعمل فينا كده؟!

ثم أشارت إلى أنس، وأضافت:

— واللي أنس هيعمله فيك دلوقتي تستاهله، وما تلومش إلا نفسك!

أفلت أنس ياقة أمير أخيرًا، لكنه ظل ينظر إليه بنظرات تنذر بما هو أسوأ. كان الغضب يتصارع داخله مع الاشتياق، ولم يعد قادرًا على التفكير في شيء سوى الوصول إلى ونس.

وحياة قلبي اللي اتعذب بسببك يا ونس، لأخليك تعرفي إنك ما كانش ينفع تسيبيني وتمشي بالشكل ده!

أخذ نفسًا عميقًا، ثم قال بنبرة حاسمة:

— عنوان بيت أمك فين يا أمير؟

رفع أمير حاجبيه بدهشة، ونظر إليه للحظات قبل أن يقول:

— نعممم؟ إيه الكلام ده يا زعامة؟

اقترب أنس منه مجددًا، وحدق فيه بغيظ وقال:

— يا غبي، عنوان ونس! وبلاش دماغك الشمال دي، عشان أنا بتلكك أطلع بروحك، بس أشوف ونس الأول!

تراجع أمير خطوة إلى الخلف، بينما لم تستطع نوال منع ابتسامة صغيرة من الظهور على وجهها رغم دموعها.

للمرة الأولى منذ أكثر من شهرين، شعر أنس أن الطريق إلى ونس لم يعد مغلقًا تمامًا.

لكنه لم يكن يعلم أن اللقاء الذي انتظره طويلًا قد يحمل معه مواجهات وقرارات لن تكون سهلة على أيٍّ منهما.

يتبع في الجزء الثامن…

شاركنا رأيك وانطباعك

0 تعليقات
اترك تعليقاً على هذا العمل
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يشارك برأيه!

أعمال أخرى قد تعجبك

تعليق 0