رواية روايات غموض وإثارة 21 أكتوبر 2026

رواية سوار جهنم بقلم فريدة الحلواني

فريدة الحلواني
مؤلف العمل
الخط:
رواية سوار جهنم بقلم فريدة الحلواني
تتشابك أحداث رواية «سوار جهنم» بقلم فريدة الحلواني بين الحب والخطر وأسرار الماضي، حين يستعد ياسر للتغلغل داخل المافيا الأمريكية في مهمة محفوفة بالمخاطر، بمساعدة راغب المعروف بـ«الدبابة». وبين صراعات العائلة ومشاعر الخوف والغيرة، تتكشف خيوط جديدة قد تغيّر مصير الجميع، فهل ينجح ياسر في إسقاط المافيا من الداخل، أم يقع في الفخ الذي ينتظره؟

— كان زماني فتحت فروع في كل حتة يا حسن بيه، بس إنت اللي أصرّيت إني أقفل السنتر، وأنا لحد دلوقتي مش عارفة إزاي سمعت كلامك! والله أنا أستاهل، قلبي ابن الكلب هو اللي مودّيني في داهية معاك.


بصلها حسن بغيظ، وردّ بوقاحته المعتادة:

— آه طبعًا، وماله؟! ما أنا مركّبهم عشان أسيب شوية مراهقين يتفرجوا على سمانة رجلك المقلوظة دي!


بصت له غالية بصدمة، وبعدها علت نبرتها:

— حسن! إيه اللي إنت بتقوله ده؟ لم لسانك شوية، عيب عليك! إنت خلاص قربت تبقى جد. لو معاذ كان اتجوز من سنتين، كان زمان عندك حفيد دلوقتي.


جزّ على سنانه بغيظ وقال:

— ما هو ابني ابن الكلب حب بنتك اللي دماغها أنشف منك! كان لازم يتعلّم من أبوه ويشوف اللي حصله بعد ما حب أمها!


بصت له غالية بحزن وعتاب وسألته:

— إنت ندمان إنك حبيتني يا حسن؟


في لحظة، اتبدّلت ملامحه. قرب منها ووقف قدامها، ولف دراعه حوالين خصرها بحنان، وقال بعشق صافي:

— أندم إيه بس يا غالية؟ هو أنا عرفت إن عندي قلب بيدق غير من يوم ما شوفتك؟


— يعني مش ندمان؟


مرّر إيده على خدها برفق، وردّ بصوت مليان حب:

— لو هاندَم على حاجة، هاندَم على السنين اللي عشتها قبل ما أعرفك. هاندَم إنك ماكنتيش أول نصيبي، وإنّي عشت أكتر من أربعين سنة من غير ما أشوفك. إنتِ الغالية يا غالية.


كان لسه هيقرب منها ويبوسها، لكنه سمع صوت ابنه الوقح جاي من برّه:

— أهووو! مش قلتلك؟ أقطع دراعي لو ماكانش بيرزعها بوسة دلوقتي! وإنتِ يا بت مصدقاه؟ قال بيتخانقوا! إنتِ هبلة ولا إيه؟


ضحكت غالية من قلبها، بينما حسن سابها واتجه ناحية الباب وفتحه بعصبية، وهو بيزعق:

— اطلع برّه يا ابن الكلب! إنت بتتسمّع على أبوك يا واطي؟!


وقف معاذ قدام أبوه وبص له بغيظ، وقال:

— البنت سمعتكم وإنتوا بتزعقوا، فخافت على أمها وكانت عايزة تدخل تحجز بينكم. قلتلها: يا بنتي، مش هيعدّي دقيقتين إلا وأمك مخلياه يصالحها. بس هي ماصدقتنيش.


بص له حسن بغيظ أشد وردّ:

— أهو أبوك لسه مسيطر يا ابن الكلب! روح اتشطر على اللي مخليك تلف حوالين نفسك يا سيادة المقدم!


ردّت سيلا بغيظ:

— إحنا ناقصين يا أبو علي؟! إنت كمان بتقوّي ابني عليّا؟ ده أنا لسه مصالحاه من خمس دقايق!


وفي اللحظة دي، ظهر محمد ابن طه، وقال ببرود مستفز:

— لا تعايرني ولا أعايرك، الهم طايلني وطايلك. روح استر نفسك يا عمي، وداري عضلاتك دي. إنت وابنك حالكم أنيل من بعض. الحمد لله إني ما فكرتش أحب، ولا هفكر!


ماكملش كلامه حتى معاذ ومحمد انطلقوا ناحية السلم يجروا، هربًا من حسن الجيزاوي اللي خلع حزامه وجري وراهم، وهو بيشتمهم بأبشع الألفاظ.


وقفت سيلا وغالية يضحكوا بصوت عالي على المشهد اللي بقى متكرر في البيت، وفي الوقت ده خرج طه ومنة من أوضتهم. بص طه لمراته وقال بتعب:

— إنتِ وبنتك جننتوا العيلة كلها! البيت ده ماكانش بيطلع له صوت، ومن يوم ما اتجوزتك والمجرة كلها سامعة دوشتنا!


خبطته منة بخفة وهي بتضحك:

— والنبي دول عسل، وعملوا لكم جو بدل المتحف اللي كنتوا عايشين فيه!


قرب طه من سيلا، وحط دراعه على كتفها وسألها باهتمام:

— طمنيني، عملتوا إيه في خناقة امبارح؟ عرفتي تلفّيه بكلمتين ولا ركب دماغه؟


غمزت له سيلا بمكر وقالت بثقة:

— عيب عليك يا طه، بلفّه طبعًا!


وبعدين عضّت شفتها بتردد، وكملت:

— بس حاسة إنه خدني على قد عقلي وعمل نفسه مصدقني. أنا عارفاه، ده بيرقّد لي ومستني مني غلطة واحدة، وساعتها هينفخني!


بصت لها غالية بغيظ وقالت:

— مش إنتِ بنتي؟ بس أنا مش عارفة هو صابر عليكي إزاي! أنا لو مكانه كان زماني خلّصت منك ومن جنانك ده.


ردّت سيلا باعتراض:

— إنتِ أمي ولا إيه؟! بدل ما تقوّي قلبي عليه، تقوّي قلبه عليّا؟ مش مسمحاكي يا غالية، على فكرة!


غالية بصتلها بسخرية، وسابتها ونزلت من غير ما ترد عليها.


أما منة، فقالت لها بعقل:

— خفّي عليه شوية يا سيلا. معاذ بيحبك، وإنتِ بصراحة مجنّناه ومخلّياه يلف حوالين نفسه.


ردّت سيلا بتبجّح:

— ما أنا لازم أعمل كده يا منون! تاريخه المشرّف يخلّيني أجنّنه، عشان مايبقاش عنده وقت يبص لغيري!


نروح بقى لمكان أعلى صوتًا من فيلا حسن الجيزاوي، فيلا سالم الشريف.


كان سالم قاعد على السفرة بياكل بهدوء، وعينه على ابنه بنظرة شماتة واضحة. كان مستمتعًا وهو شايف الجنية الصغيرة دي بتعيد تربيته من الأول.


من يوم ما تميم اتجوز سما، ومن وقت ما حملت في طفليه، وهي مقلّبة حياته رأسًا على عقب ومذيقاه المرّ، لكنه كان مستحمل كل ده بسبب عشقه الكبير ليها.


كان بيأكلها بنفسه بحنان وصبر، وهو نفسه مش عارف الصبر ده جاي له منين، بينما هي بتقول بغيظ متعمّد:

— خلاص يا تيمو، أنا شبعت! هو أنا هافضل آكل لحد إمتى؟ بُقي وجعني من كتر الأكل!


ردّ عليها بصبر، رغم إن الغليان كان بيزيد جواه:

— معلش يا حبيبتي، استحملي عشان ولادنا. إنتِ لسه صغيرة وحامل في توأم، ولازم تتغذّي كويس عشان ماتتعبيش.


قالت له بعصبية مصطنعة:

— آآه، قول كده بقى! يعني إنت خايف على العيال اللي في بطني، مش عليّا أنا!


وقتها فقد تميم أعصابه، وضرب كفّه على الترابيزة وصاح بصوت خوّفها:

— سمااااااا!


انتفضت وقالت بسرعة:

— باكل أهو يا تيمو! هو أنا قلت حاجة؟!


انفجر الموجودون ضحكًا، بينما سالم بص لابنه بشماتة وقال:

— شوف يا ابني، مش أنا أبوك؟ بس والله شمتان فيك شماتة السنين! فضلت صايع ووسخ لحد ما بقيت اتنين وتلاتين سنة، وعرفت بنات بعدد شعر راسك وراس أخوك كمان، وفي الآخر جت واحدة طولها شبر ونص تربيك!


بص تميم لأبوه بغيظ، لكنه ما ادّالوش فرصة يكمل شماتة. ضم سما تحت كتفه، وباسها بوسة خفيفة قدام الكل، وقال ببرود:

— على قلبي زي العسل. حبيبي يعمل اللي هو عايزه.


بصت له سما بعشق وقالت:

— ربنا يخليك ليا يا تيمو.


دخل عدي في الكلام بمزاح:

— ضحك عليكي بكلمتين يا هبلة!


ضحكوا كلهم، وفضلوا يهزروا لحد ما خلصوا الفطار. بعدها قعد سالم مع ولاده يشربوا القهوة، وفجأة سأله بجدية:

— تميم، هتسافر النهارده الصعيد مع معاذ، ولا أجّلتها تاني؟


زفر تميم بضيق وردّ:

— لأ، مش هينفع تتأجل تاني. ومضطر أروح مع الزفت ده، لأنه كان مسؤول عن راغب السوهاجي، وعارف كل تفاصيل تجنيده.


عدي بص له باستغراب وسأله:

— نفسي أفهم، إنتوا الاتنين مش طايقين بعض ليه؟ على فكرة، معاذ جدع وابن أصول فعلًا.


ردّ تميم:

— يا ابني إحنا طول عمرنا كده، من أيام الكلية. كل واحد فينا بيتعوج على التاني من غير سبب. إنما إننا نمسك مهمة واحدة سوا؟ دي حاجة خرا بجد!


قال سالم بحكمة:

— غصب عنك هتتعامل معاه كويس، وغصب عنه هو كمان. إنتوا مش داخلين تحدّي، إنتوا مسؤولين عن أرواح ناس. بطّلوا شغل العيال ده، عشان الدنيا ما تبوظش.


قبل ما يكمل، رنّ تليفونه وظهر اسم حسن الجيزاوي. ردّ عليه بود:

— حسن باشا، صباح الفل! أخبارك إيه؟


جاءه صوت حسن:

— الحمد لله يا سعادة الوزير.


ضحك سالم وقال:

— وزير إيه يا حسن؟ إنت لسه فاكر؟ ما أنا سيبتها خلاص!


ردّ حسن:

— هتفضل أجدع وزير عرفته الداخلية. المهم، مش هعطّلك. كنت عايز أشوفك النهارده لو وقتك يسمح.


قال سالم:

— إنت بتستأذن يا حسن؟ والله عيب عليك! أنا كمان نص ساعة ورايح الشركة، هستناك في أي وقت.


— تمام، هكون عندك الساعة تلاتة بإذن الله. سلام.


قفل سالم التليفون وسرح شوية، لحد ما عدي سأله باهتمام:

— هو إنت وحسن الجيزاوي هتتابعوا العملية دي يا بابا؟


ردّ سالم بجدية:

— لازم يا ابني. حسن كان ماسك قضية قاسم زهران. صحيح كان خارج الخدمة وقتها، لكن على حد علمي إن قاسم وثق فيه، وقابله، وخلصوا القضية سوا. بس اللي كانوا في الواجهة وقتها طه الجيزاوي وفادي صاحبه.


سأله تميم باهتمام:

— وإيه علاقة قاسم بالعملية اللي إحنا فيها يا بوب؟ إحنا محتاجين راغب السوهاجي وبس!


ابتسم سالم بدهاء وقال:

— يا ابني، شغل المافيا كله داخل في بعضه. إنت محتاج الدبابة، وإحنا محتاجين نعرف تفاصيل من قاسم، عشان كل حاجة تبقى محسوبة بالشعرة. إحنا بنساعدكم مش أكتر، عشان لما تسافروا تكونوا ماسكين كل الخيوط بإيديكم.


***


وفي مكان بعيد عن الإسكندرية، جوّه إحدى قرى الصعيد، كان راغب السوهاجي، المعروف بلقب «الدبابة» أيام شغله مع المافيا، قاعد مع فاروق الرياني، صاحبه الوفي.


نفث راغب دخان سيجارته بكثافة، وقال بحيرة:

— مخابرش يا خوي أعمل إيه. آني مهجدرش أجولّهم لا، بس برضك جلبي مجفول من ناحية الحكاية دي. آني رايد أنسى المرار اللي عيشته، واللي رايدني أعمله ديه هيرجّعني للنار من جديد.


سكت فاروق لحظة، وبعدها ردّ عليه بحكمة:

— كل شي وله تمن يا خوي، وإنت باللي هتعمله ديه هتنضّف روحك. الجرح لازمن نكويه بالنار لجل ما يجفل. سالم باشا اتحددت وياه في العشية، وجال يمكن ييجي مع معاذ وتميم.


نفض راغب حزنه بعيد، وبص له بجدية:

— يا مرحب بيهم، آني مستنيهم من الصبح، وكل حاجة جاهزة. المهم، إنت جهّزت الجبل ولا لسه؟


ردّ فاروق مطمّنًا:

— جاهز زي ما اتفقنا، ما تشيلش هم حاجة واصل. آني في ضهرك، ويوم ما تسافر وياهم، مرتك هتضل عندي في الدار لحد ما تعاود بالسلامة.


نروح دلوقتي للولايات المتحدة الأمريكية، وتحديدًا بيت سفيان الجبري.


سفيان رجل أعمال في الخمسينات من عمره، قضى عمره كله تقريبًا مغترب، لحد ما بنى لنفسه اسمًا معروفًا. عنده بنت واحدة هي جودي، وابنين في عمر الثلاثين والثمانية والعشرين، آسر وفهد.


كان الاتنين عارفين كويس إن جودي هي قرة عين أبوهم ومدللته، لكنهم ماكانوش موافقين على الدلال الزايد اللي ممكن يوقعها في أخطاء كبيرة من غير ما تتحاسب عليها.


قعد آسر مع أبوه، وقال بغيظ:

— هي جودي لسه مرجعتش يا بابا؟ الساعة داخلة على تلاتة الفجر!


ردّ سفيان بهدوء:

— هي مع خطيبها، مش مع حد غريب. وبعدين ده ابن عمها، أكيد هيخاف عليها.


بص له آسر بغضب وقال:

— أبوس إيدك، بطّل تدليل فيها بقى! البنت لسه صغيرة، دي يادوب تمنتاشر سنة، وابن أخوك أصلًا ضاحك عليها. إنت عارف من جواك إنه طمعان فيها، بس عشان جودي هانم قالت: بحبه يا بابا، قررنا نعمل نفسنا مش واخدين بالنا!


قام سفيان من مكانه بعصبية وقال:

— احترم نفسك يا آسر، وما تتكلمش على أختك بالطريقة دي! خليت إيه للغريب؟


ردّ آسر بإصرار:

— يا بابا، دي أختي، وأنا تقريبًا اللي مربّيها، ومحدش هيخاف عليها قدي. إحنا أصلنا صعايدة يا بابا. مش معنى إننا عايشين في أمريكا من سنين إننا ننسى عاداتنا وتقاليدنا. ومش معنى إنك بتدلّع بنتك الوحيدة إنك تسيبها تضر نفسها وترتبط بواحد صايع، كل همه فلوس أبوه!


بان الحزن على ملامح سفيان، وقال بصوت مكسور:

— مبقدرش أزعّلها يا ابني. من يوم ما أمها ماتت وهي بتولدها، وأنا بحاول أعوّضها. ما رضيتش أتجوز بعدها عشان ما أجيبش لها مرات أب ممكن تضايقها. أنا عارف إن حبيب، خطيبها، طمعان فيها، وعارف إن أخويا هو اللي زقّه ناحيتها عشان يقرّب منها ويعلّقها بيه، لكن للأسف ما عرفتش الحقيقة دي غير بعد ما اتعلقت بيه وحبته.


زفر آسر بغضب وقال:

— أنا آسف يا بابا، بس مش هسيب أختي الوحيدة تضيّع نفسها وأنا واقف أتفرج.


سأله سفيان بقلق:

— هتعمل إيه يا ابني؟ أوعى تزعّلها. إنت عارف هي بريئة قد إيه، وأقل موقف ممكن يخلّيها تنهار.


ردّ آسر بثقة:

— ما تخافش يا بابا، أنا عارف هعمل إيه كويس. اطمن، دي بنتي قبل ما تكون أختي.


في واحدة من الملاهي الليلية اللي ياسر بيشتغل فيها بتعليمات من تميم الشريف، كان بيقدّم المشروبات للزبائن كعادته. لفت نظره وجود بنت شكلها صغيرة وعربية، قاعدة في ركن بعيد وبتعيط.


قرب منها وسألها بالإنجليزية:

— ما الأمر؟ هل حدث شيء؟ هل تحتاجين إلى المساعدة؟


رفعت عينيها له من وسط دموعها، وقالت بالمصري:

— مش عايزة حاجة من حد، ابعد عني.


استغرب لهجتها وسألها:

— إنتِ مصرية؟


بصت له بفضول لما ردّ عليها بالعربي، وبعدها قالت بحزن:

— مفيش حاجة. أنا عايزة أقعد لوحدي.


كان لسه هيرد عليها، لكنه لمح شابًا باين عليه السكر، قرب منهم ومسكها من معصمها بعنف، وهو بيقول بغضب:

— إنتِ هنا وأنا بقالي ساعة بدوّر عليكي؟!


صرخت البنت:

— سيب إيدي يا حبيب! مالكش دعوة بيا. روح للي كنت بترقص معاها!


ردّ عليها بعصبية:

— بطّلي تفاهة بقى! أنا اتخنقت من غيرتك الغبية دي. كل حاجة تعملي عليها مشكلة من غير ما تفكري!


لما ياسر شافه بيشدّها غصب عنها، تدخل برجولة ومسك دراعه، وقال بهدوء فيه تهديد:

— لو هي مش عايزة تمشي معاك بمزاجها، انسى إنك تاخدها غصب عنها.


بص له الشاب باستخفاف وقال:

— وإنت مين بقى عشان تمنعني آخد خطيبتي؟ روح شوف شغلك بدل ما أقطع عيشك من هنا! إنت ما تعرفش أنا مين، ولا ممكن أعمل فيك إيه.


كان ياسر على وشك يردّ عليه، بل وكان نفسه يضربه، لكن جودي وقفت بينهم بسرعة وقالت:

— ده خطيبي فعلًا، وفيه سوء تفاهم بينا. متدخلش لو سمحت، وروح شوف شغلك. شكرًا على المساعدة اللي أنا ما طلبتهاش منك.


بصلها ياسر بغضب وقال:

— غوري! يَكش يولع فيكي! أنا الغلطان إني اتدخلت.


وبعدها سابهم ومشي من غير ما يديهم فرصة يردّوا. ورغم إنه غادر، كان جواه غضب شديد من الشاب الحقير، وكان نفسه يلقّنه درسًا ويشوّه غروره اللي ماشي بيه وسط الناس.


وصل معاذ وتميم للصعيد، من غير ما يكون عندهم أي فكرة إن آباءهم سبقوهم ووصلوا قبلهم.


وبمجرد ما دخلوا، وبعد ما راغب وفاروق استقبلوهم، لقوا سالم وحسن قاعدين بكل أريحية. الاتنين بصّوا لبعض بغيظ، وقالوا في نفس اللحظة:


— هو إنت جايب أبوك معاك؟ إنت في الكي جي ولا إيه؟!


انفجر حسن الجيزاوي في الضحك، وأسند ساقًا فوق الأخرى، بينما رفع سالم فنجان القهوة إلى فمه ببرود وكأن ما يحدث لا يعنيه، ثم قال:

— اقعدوا يا سيادة المقدم، إنت وهو. يمكن الخناقات بتاعة عيال الكي جي دي هي اللي ترجعكم من أمريكا على رجليكم بدل ما ترجعوا في صناديق!


رمق تميم أباه بنظرة غاضبة وقال:

— يا بوب، مش إنت قلتلي إنك هتقابل حسن باشا في الشركة الساعة تلاتة؟


ابتسم سالم بمكر:

— وأنا قابلته فعلًا... بس هنا.


ضحك معاذ بشماتة، فالتفت له حسن وقال بوقاحته المعهودة:

— بتضحك على إيه يا ابن الكلب؟ إنت كمان كنت فاكرني نايم في البيت ومش عارف إنك شغال من ورايا؟


اعترض معاذ:

— يا بابا، أنا عملت إيه بس؟


رد حسن ساخرًا:

— ولا حاجة، إنت بس ماسك قضية الدبابة من سنين، ولما جه وقت الجد هتسلّمها للواد ده!


وأشار بطرف ذقنه ناحية تميم، فاحمرّ وجه الأخير وقال:

— الواد ده مين يا حسن باشا؟ أنا مقدم زيّه بالظبط، وأقدم منه بسنة كمان!


رد معاذ باستفزاز:

— أقدم مني بسنة عشان أنا دخلت المدرسة متأخر يا خفيف، مش عشان إنت أشطر مني!


كان تميم على وشك الرد، لكن صوت راغب الجهوري قطع عليهما الكلام وهو يحط صينية الشاي قدامهم:

— خلاص يا رجالة! آني مجبتكوش إهنه عشان تتناجروا. جُدّام أبهاتكم عاملين كيف العيال الصغيرة؟ اجعدوا واسمعوا الحديت اللي جاي تجيل.


قعد الاتنين على مضض، كل واحد في ناحية، بينما جلس فاروق جنب راغب ساكتًا، يتابع اللي بيحصل بعينيه.


طلع حسن ملفًا سميكًا من شنطته وحطه على الترابيزة، ثم قال بجدية:

— ده كل اللي وصلناله من قضية قاسم زهران. قاسم كان مجرد حلقة في سلسلة كبيرة، لكن الأسماء اللي في الملف ده هي اللي هتوصلنا لقلب «العيلة» في أمريكا.


رفع تميم عينيه عن الأوراق وسأله:

— العيلة؟


نفث راغب دخان سيجارته ببطء وقال بلهجته الصعيدية:

— إكده بيسمّوا روحهم. دي مش عصابة يا بيه، دي دولة جوّه الدولة. ليهم رجالة في الشرطة والمحاكم والمواني، واللي يدخل وسطهم عمره ما بيطلع... إلا واحد بس قدر يطلع.


بص له معاذ بهدوء:

— إنت؟


هز راغب راسه:

— أيوه، آني. وطلعت بالعافية، وسايب ورايا نار لسه مولّعة.


ساد الصمت للحظات، قبل ما سالم يقول:

— احكيلهم يا راغب. لازم يفهموا هما داخلين على إيه.


طفى راغب سيجارته في الطفاية بعنف، وبدأ يحكي:

— لما المخابرات زرعتني وسطهم، جعدت سبع سنين في روسيا. بنيت ثقة العيلة فيّا حجر فوق حجر، لحد ما بقيت «الدبابة»؛ الراجل اللي بيعدّي الشحنات من غير ما حد يقدر يوقفها. ولما البشوات اكتشفوا الحقيقة، سحبوني في ليلة واحدة. ولحد النهارده العيلة ما تعرفش أنا خاين ولا هربان ولا ميت. بس جماعة روسيا هما اللي مش طايقيني. والطمع في مكاني هو أهم نقطة نقدر نلعب عليها.


بدأ تميم يستوعب الخطة وقال:

— يعني دي الورقة اللي هنستخدمها؟


أومأ راغب برأسه، وصوته بقى أثقل:

— الواد اللي زرعته هناك، ياسر، مش هيدخل العيلة كأنه غريب بيدوّر على شغل. لو عمل إكده، هياكلوه حي. ومش هيدخل عليهم باعتباره ابن شعبان، اللي كان واحد من رجالتهم. لأ... هيدخل ومعاه حاجة محدش غيره يقدر يجيبها: راس الدبابة.


بص معاذ له بصدمة، بينما سأل حسن بهدوء:

— يعني هيقول إنه قتلك؟ طب إيه الدليل اللي هيقدمه؟


رد راغب:

— العيلة حاطة تمن على راسي من ساعة ما اختفيت. لو ياسر دخل عليهم وقال إنه خلّص على الدبابة، ومعاه الدليل والدفتر اللي فيه حسابات الشحنات، واللي محدش يعرف تفاصيله غيري، ساعتها هيبقى واحد منهم في لحظة... وبعدها ياخد مكاني.


التفت فاروق إلى تميم ومعاذ وقال:

— الجبل جاهز. هنعمل المشهد هناك، والصور هتطلع كأنها حقيقية. ومحدش في البلد هيعرف اللي حصل غير اللي قاعدين في الأوضة دي.


قال معاذ بقلق واضح:

— أوعى تكون ناوي تسافر أمريكا بنفسك. إحنا كل اللي محتاجينه منك معلومات نوصلها لياسر، عشان يبقى عارف هو داخل على إيه.


ابتسم راغب ابتسامة حزينة:

— آني هسافر وياكم. محدش يقدر يعلّم ياسر يبقى الدبابة غير الدبابة نفسه. هعلّمه يتحرك إزاي، ويتكلم إزاي، ومين يثق فيه ومين لأ. ومرتي هتقعد عند فاروق لحد ما أرجع... لو رجعت.


بص سالم لابنه بحزم:

— سمعت يا تميم؟ الراجل ده هيسيب بيته ومراته ويرجع للنار تاني عشان شغلكم. يبقى تحطوا خلافاتكم تحت رجليكم.


ثم التفت حسن لمعاذ:

— وإنت كمان يا حيلتها. من هنا ورايح مفيش مكان للعند بينكم. غلطة واحدة ممكن تضيّع ياسر وراغب، وتضيّعكم إنتوا كمان.


تبادل تميم ومعاذ النظرات طويلًا، وبعدها مد تميم إيده على مضض:

— هدنة لحد ما نرجع.


صافحه معاذ بابتسامة مستفزة:

— لحد ما نرجع بس... ما تتعودش.


في الإسكندرية، كانت سيلا قاعدة في الجنينة بتقلب في موبايلها بملل. عدى محمد، ابن طه، من جنبها وهو شايل شنطة سفر صغيرة، فسألته بفضول:

— رايح فين يا حمو؟


رد وهو بيحاول يعدّي بسرعة:

— ولا حتة. دي شنطة معاذ نسيها، وعمي حسن قالّي أبعتها له مع السواق. هيقعد في الصعيد يومين قبل ما يسافروا.


وقفت صوابع سيلا عن الحركة، ورفعت راسها ببطء، وقالت بنبرة هادية تخوّف:

— يسافروا فين؟


عرف محمد في اللحظة دي إنه وقع في مصيبة، فحاول يتدارك كلامه:

— هو أنا قلت يسافروا؟ قصدي... يرجعوا!


وقفت قدامه وسدّت عليه الطريق:

— محمد، قول الحقيقة، وإلا هقول لطه إنك إنت اللي كسرت العربية الشهر اللي فات، وإن كان معاك مزّة وقتها.


تنهد باستسلام وقال:

— الله يحرقك يا شيخة! مسافرين أمريكا يا ستي في مهمة، ومعاه تميم. وأنا ماليش دعوة، ولو عرف إن أنا اللي قلتلك هينفخني!


ما استنتش سيلا أي كلمة تانية. اتصلت بمعاذ، وردّ عليها بعد رنتين بصوت مرهق:

— أيوه يا حبيبي.


قالت بحدة:

— حبيبك؟ ماشي. إنت فين؟


— في الصعيد يا سيلا، ما أنا قايلك.


— وبعد الصعيد؟


سكت لحظة، ففهمت من سكوته كل حاجة. قالت وصوتها بيرتعش بين الغضب والخوف:

— أمريكا يا معاذ؟ وكنت ناوي تقولي إمتى؟ وإنت في الطيارة؟ ولا لما ترجع؟ ولا ماكنتش هتقولي خالص؟


— يا سيلا، اسمعيني...


قاطعته:

— لأ، إنت اللي تسمعني. أنا جاية معاك!


— نعم يا روح أمك؟!


— زي ما سمعت! فاكرني هسيبك تروح بلد مليانة بنات شعرهم أصفر، وأنا قاعدة هنا أغلي؟ انسى الموضوع ده، بُعدك!


حاول يكتم ضحكته، رغم القلق اللي كان مالي قلبه عليها، وقال بحنان:

— هو ده اللي مزعلك؟ البنات الشُقر؟


سكتت شوية، وبعدها قالت بصوت واطي، لأول مرة من غير عصبية:

— لأ... أنا خايفة عليك.


غمّض عينيه وتنهد، وقال بنبرة نادرة ما كانتش بتسمعها منه كتير:

— هرجعلك يا سيلا، وعد. بس أوعي تعملي حاجة مجنونة وأنا مش موجود.


— حاضر، اطمن، مش هعمل حاجة. معاذ... أنا بعشقك. خلي بالك من نفسك.


ردّ عليها بعشق واضح:

— وأنا بموت في التراب اللي بتمشي عليه يا قلب معاذ.


قفلت المكالمة، وبعدها لفتت لمحمد اللي كان بيحاول يتسلل بعيدًا، وابتسمت ابتسامة شريرة:

— حمو، إنت تعرف تحجز تذاكر طيران؟


في المساء، وقف تميم في شرفة دار فاروق بيتكلم في التليفون، وصوته بقى أهدى وأحن:

— أيوه يا حبيبي، أكلتي؟ لأ، مش هتأخر. يومين بالكتير.


جاله صوت سما غاضب من الطرف التاني:

— يومين؟ وأنا هنام لوحدي يومين؟ وبعدين إنت قاعد مع معاذ ولا لأ؟ عشان لو قاعد معاه، مش هترجع خالص. هتقتلوا بعض... بعيد الشر عنك يعني!


ضحك تميم رغمًا عنه:

— لا، اطمني يا حبيبتي. عملنا هدنة.


— هدنة؟ ده إنت مسافر أمريكا وسايبني! أنا عرفت كل حاجة من عدي، على فكرة.


غمّض تميم عينيه بغيظ وتمتم:

— عدي ابن الـ...


— بتقول إيه يا تيمو؟


غيّر نبرته بسرعة:

— بقول ربنا يخليكي ليا يا قلبي.


كان معاذ واقف وراه، مستند على الحيطة وسمع المكالمة كلها، فقال بشماتة:

— يا قلبي! ده إنت طلعت غلبان أوي يا تميم.


لف له تميم ببرود:

— الهدنة لسه ما بدأتش رسمي على فكرة. وخفة دم أهلك دي وفّرها شوية.


قفلت سما التليفون، وفضلت تبص للشاشة المطفية بشرود. دخلت عليها ضي وهي شايلة كوبايتين شاي بلبن، وحطت واحدة قدامها:

— مالك يا سما؟ من ساعة ما قفلتي مع تميم وإنتِ ساكتة.


رفعت سما عينيها وقالت بصوت مخنوق:

— هما رايحين أمريكا يا ضي.


قعدت ضي جنبها بهدوء:

— عارفة، عدي قالّي امبارح.


قالت سما بسرعة:

— وياسر هناك.


سكتت ضي، لأنها فهمت اللي بيدور في دماغ أختها، لكن سما كملت بانفعال:

— تميم عمره ما بيسافر لحد إلا لو فيه مصيبة. وأمريكا فيها ياسر بس... يبقى الموضوع له علاقة بيه. أنا حاسة يا ضي، حاسة إن ياسر في خطر، وهما مخبيين علينا.


مسكت ضي إيدها وقالت بهدوء حاولت تتمسك بيه:

— يمكن تكون مهمة تانية خالص. إنتِ عارفة شغلهم.


ردت سما بمرارة:

— لأ، أنا مش عارفة، وده اللي مجنني. أنا متجوزة واحد ما أعرفش هو رايح فين ولا جاي منين، وأخويا الوحيد عايش لوحده في بلد غريبة بسبب اللي حصل لأبويا وأمي...


وقفت فجأة، وما قدرتش تكمل. الجرح لسه مفتوح، مهما عدّى عليه وقت.


ضمتها ضي لصدرها وقالت بصوت مرتعش:

— خلاص يا حبيبتي، ما تعمليش في نفسك كده. إنتِ حامل، والدكتورة قالت ممنوع الزعل.


تنهدت سما بحزن:

— أنا مش زعلانة... أنا خايفة. فاكرة ياسر وهو صغير؟ كان بيخاف من الضلمة، وكان ييجي ينام جنبي أنا وإنتِ. ودلوقتي عايش لوحده في آخر الدنيا.


في اللحظة دي دخل عدي الأوضة، ووقف لما شافهم بالحالة دي. بص لمراته بقلق، فأشارت له بعينيها إنه يساعدها يهدّي سما.


تنحنح وقعد قدامهم على الأرض وقال بمزاح:

— إيه يا جماعة؟ هو إنتوا بتخونوني أنا وأخويا في العلن كده؟ طب استروا على نفسكم شوية!


ضحكت ضي غصب عنها، لكن سما بصت له بغيظ:

— عدي، هتقولّي الحقيقة ولا أقول لأبوك إنك إنت اللي قلتلي على السفر؟


وشه شحب وقال بسرعة:

— لأ، كله إلا دي! البوب ممكن يعمل من فخادي شاورما. يرضيكي؟


— يبقى قول.


بص عدي لمراته، وبعدها رجع لسما وقال بجدية نادرة:

— اسمعيني يا سما. اللي أقدر أقوله إن تميم رايح هناك عشان ياسر، بس مش عشان أخوكي في خطر... هو رايح يحميه ويطمن عليه. وأنا أعرف أخويا كويس؛ لو يقدر يحط روحه قدام ياسر، هيعملها عشان خاطرك إنتِ.


دمعت عينا سما، وما عرفتش إذا كانت دموع راحة ولا خوف أكبر:

— يعني هيشوفه؟


— هيشوفه أكيد، بإذن الله.


— طب ممكن أبعتله حاجة معاه؟


ابتسم عدي:

— ابعتي اللي إنتِ عايزاه، بس بلاش المحشي. الطيارة مش هتستحمل!


ضحكت الأختان أخيرًا. بصت ضي لزوجها بامتنان، لكنها كانت عارفة من نظرته إنه ما قالش الحقيقة كلها، وإن اللي مخبيه أخطر بكتير من الكلام اللي قاله.


في أوضة داخلية في دار راغب، كانت أميرة، مراته، بتطوي هدومه وتحطها في شنطة قديمة، وإيديها بتترعش من غير ما تتكلم.


دخل راغب ووقف عند الباب يتأملها، وبعدها قال بصوته الأجش:

— سيبي الخلجات دي يا أميرة، وتعالي اجعدي وياي شوية.


ما رفعتش راسها، وقالت:

— سنين وأنا بصلي كل ليلة إنك ترجعلي سالم، وإنّي أشوفك وأملّي عيني منك، رغم إني ماكنتش متأكدة إنك لسه فاكرني أصلًا. ولما لقيتك، قلت الحمد لله، ربنا استجاب دعائي، رغم كل الوساخة اللي لقيتك غرقان فيها يا راغب. بس قلبي كان واثق إنك هتنضف. وبعد ما ربنا كرمنا ونجّانا، هترجع تاني؟


قرب منها وقعد على طرف السرير، ومسك إيديها بين كفوفه الخشنة:

— دي آخر مرة، وعهد الله آخر مرة.


رفعت عينيها له بوجع:

— ما إنت قلت كده قبل كده، فاكر؟ المرة اللي فاتت كنت رايح تقفل الشغل. والمرة دي رايح تقفل باب النار ده بإيدك، عشان محدش يفتحه علينا تاني. بس لو الباب فضل مفتوح، هييجي يوم يعرفوا مكاني ويعرفوا مكانك.


امتلأت عيناها بالدموع وهي تسأله:

— ولو كشفوك؟ ولو ما عرفتش ترجع يا راغب، أعمل إيه؟


سكت لحظات، ثم قال بهدوء:

— فاروق أخوي، ومش هيخليكي تحتاجي لحد واصل.


سحبت إيديها منه بغضب:

— مش عايزة فاروق! أنا عايزاك إنت!


انهارت بالبكاء على صدره، فضمّها بقوة وأغمض عينيه. ولأول مرة من سنين طويلة، حسّ «الدبابة» بالخوف الحقيقي.


في ساحة الدار، وتحت ضوء القمر، كان حسن وسالم قاعدين لوحدهم بيشربوا الشاي الصعيدي التقيل. بص حسن للسما وقال:

— فاكر يا سالم لما كنا قدهم؟


ضحك سالم:

— فاكر إنك كنت أنيل منهم. ابنك واخد منك كل حاجة، حتى لسانك.


اعترض حسن:

— لسانه ده متبرّي منه، أنا كنت محترم!


قهقه سالم:

— محترم؟ ده إنت كنت بتشتم الوزير نفسه في وشه!


ضحكوا سوا، لكن الضحك اختفى فجأة، وقال حسن بجدية:

— أنا خايف يا سالم. دي أول مرة من سنين أحس بالخوف بالشكل ده.


هز سالم راسه:

— وأنا كمان. بس عارف إيه اللي مطمّني؟ إن الاتنين مش بيطيقوا بعض.


بص له حسن باستغراب، فكمل سالم:

— اللي مش بيطيق حد، بيفضل مراقبه طول الوقت ومستني منه غلطة. وده بالظبط اللي ممكن ينجيهم هناك. كل واحد فيهم هيبقى عين على التاني، حتى من غير ما ياخد باله.


ابتسم حسن ابتسامة جانبية:

— ده إنت طلعت داهية يا معالي الوزير.


رد سالم بثقة:

— ما هو عشان كده كنت وزير يا حسن!


في شقته الصغيرة على أطراف المدينة، كان ياسر قاعد على طرف السرير، ماسك موبايله وبيتأمل صورة قديمة ما قدرش يمسحها، رغم تحذيرات تميم. كانت الصورة ليه وهو واقف بين سما وضي في شرفة بيتهم القديم، والتلاتة بيضحكوا، ووراهم أبوهم شعبان وأمهم صباح.


خرجت منه ضحكة مُرّة وهو بيمرر صباعه على وش أبوه في الصورة. كانوا بيضحكوا يومها، وهو ما كانش يعرف إن الفلوس اللي بتأكلهم والبيت اللي عايشين فيه تمنهم دم ناس ما يعرفهمش.


سنين طويلة عاش وهو فاكر إن أبوه وأمه ناس بسطاء، لحد ما الحقيقة اتكشفت، ودخلوا السجن، وبقى هو وأختاه هدف لرجالة ما عندهمش رحمة.


رجعت له ذكرى الليلة اللي تميم قاله فيها خطته، كأنها حصلت امبارح. كان تميم واقف قدامه، وحط في إيده جواز السفر والتذكرة وقال بحزم:

— هتسافر، ومش هترجع غير لما أقولك. هنا محدش هيقدر يحميك منهم، وهناك محدش يعرفك.


سأله ياسر بقلق:

— وأخواتي يا تميم؟


رد تميم من غير تردد:

— أخواتك في رقبتي أنا وعدي. دول نور عنينا يا ياسر، ومش محتاج أحلّفلك إني هحافظ عليهم.


ما كانش ياسر يعرف إن الغربة هتبقى أهون بكتير من اللي مستنيه.


اهتز الموبايل في إيده، وظهرت رسالة من ضي، معاها صورة لسما وهي حاطة إيدها على بطنها المنتفخ، وتحتها كلام:

«خالو ياسر، هيبقى عنده توأم. ارجع بقى، وحشتنا».


ابتسم رغم الغصة اللي خنقته. كتب رسالة، ومسحها، وكتب غيرها، لحد ما استقر على:

«مبروك يا حبايبي. قريب أوي هرجع».


كان عارف إنها كذبة.


قبل أسبوع، اتصل بيه تميم وقال الجملة اللي ما فارقتش دماغه:

— المافيا اللي ضيّعت أبوك وأمك، واللي كانت عايزة تخلّص عليك إنت وأخواتك... عايزك تدخلها يا ياسر. مش عشان تشتغل معاهم، لأ. إنت داخل تهدّها من جوه.


ما ترددش ياسر لحظة. مش بس عشان يحمي سما وضي من الخطر اللي لسه بيلاحقهم، لكن كمان لأنه عايز يغسل اسم أبوه بإيده.


قفل شاشة الموبايل، ووقف قدام المراية يبص للرجل اللي هيبقى عليه، وهمس:

— ابن شعبان هيدخلكم برجليه... بس المرة دي عشان يخلّص عليكم كلكم.


في الولايات المتحدة، صحيت جودي على خبطات قوية على باب أوضتها. فتحت وهي وشها منفخ من العياط، فلاقَت أسر واقف قدامها والغضب مكتوم في عينيه:

— رجعتي الساعة كام امبارح يا جودي؟


قالت بتعب:

— أسر، من فضلك، مش دلوقتي.


ردّ بحزم:

— لأ، دلوقتي. أنا شايف عينيكي وارمة من العياط. حبيب عمل إيه؟


لفت وشها بعيد وقالت بعناد:

— ما عملش حاجة. اتخانقنا واتصالحنا عادي.


لكنها ما كانتش بخير. طول الليل، صورة الشاب العربي اللي وقف قدام حبيب من غير خوف ما فارقتش خيالها، ولا نظرته الغاضبة وهو بيبعد عنها، ولا كلماته الأخيرة اللي فضلت ترنّ في ودنها.


قفلت الباب في وش أخوها، وقعدت على السرير تسأل نفسها ليه حاسة بالخجل قدام شاب ما تعرفش حتى اسمه.


على مائدة العشاء في بيت سفيان الجبري، كان منصور، أخوه الأصغر، قاعد جنب ابنه حبيب، اللي كان بيبتسم لجودي وكأن اللي حصل امبارح ما حصلش أصلًا.


قال منصور وهو بيقطع قطعة اللحم:

— بقولك إيه يا سفيان، الولاد بقالهم سنة مخطوبين. مفيش داعي للتأخير ده. إيه رأيك نخلي الفرح بعد شهرين؟


وقفت الشوكة في إيد أسر قبل ما توصل لفمه، لكن فهد ردّ بهدوء قبل ما أبوه يتكلم:

— ليه الاستعجال يا عمي؟ جودي لسه في أول سنة جامعة.


مد حبيب إيده ومسك إيد جودي فوق الترابيزة، وقال:

— عشان بحبها ومش قادر أستنى أكتر من كده. فيها حاجة دي؟


بص أسر لإيد حبيب وهي ماسكة إيد أخته، بنظرة خلت حبيب يسحب إيده ببطء. بعدها قال أسر بابتسامة باردة:

— لأ، مفيهاش حاجة. بس اللي بيحب ما يسيبش حبيبته تعيط وهي قاعدة لوحدها في ركن بعيد الساعة اتنين الفجر، وهو بيرقص مع واحدة غيرها.


ساد صمت تقيل حوالين المائدة، واحمرّ وش جودي من الإحراج، بينما قال منصور بحدة:

— إيه الكلام ده يا أسر؟


ردّ أسر بثبات:

— اسأل ابنك يا عمي.


ضرب سفيان المائدة بكفه وقال بحزم:

— كفاية! الموضوع ده نتكلم فيه بعدين.


وبعدها التفت لأخوه وقال بهدوء:

— وبالنسبة للفرح يا منصور، جودي هي اللي تقرر. هي اللي تقول إذا كانت موافقة تتجوز دلوقتي، ولا عايزة تستنى شوية.


بعد العشاء، وقف منصور وحبيب جنب عربيتهم. قال الأب بصوت واطي مليان غضب:

— أنا قلتلك ألف مرة ما تزعلهاش. الكبار مستعجلين، ولو الجوازة دي اتأخرت شهر كمان، لا أنا ولا إنت هنلحق نندم.


رد حبيب بعصبية:

— هتحصل يا بابا. جودي في إيدي، ما تقلقش.


ما كانش يعرف إن أسر واقف ورا شباك الدور العلوي، شاف كل حاجة. ما سمعش الكلام، لكنه حسّ إن فيه حاجة مش مظبوطة.


كان ياسر قاعد قدام الكمبيوتر، بيقرأ رسالة مشفّرة وصلته في اللحظة دي:

«الدبابة جاي بنفسه. جهّز نفسك. اللي فات كله كان لعب عيال».


مسح وشه بكفوفه، وزفر ببطء، وبعدها قفل الكمبيوتر ونزل للملهى في معاده. وبمجرد ما دخل، وقف مكانه فجأة.


في الركن نفسه، كان حبيب قاعد، لكن المرة دي ما كانش مع جودي. كان مع راجل في الخمسينات، ضخم الجسم، وياسر عرف وشه كويس من الصور اللي تميم بعتهاله؛ واحد من أهم رجالة «العيلة».


ضيّق ياسر عينيه وهمس لنفسه:

— ده إنتِ طلعتي واقعة في داهية يا بنت الناس... إيه اللي ودّاكِ للورطة دي، وإنتِ شكلك هبلة؟

شاركنا رأيك وانطباعك

0 تعليقات
اترك تعليقاً على هذا العمل
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يشارك برأيه!

أعمال أخرى قد تعجبك

تعليق 0