رواية عروس الهواري ناصيف واسما الفصل الأول: اتجوزت كبير العيلة بدل أختي
قبل فرح أختي بيوم واحد، صحيت على صوت أمي وهي بتصرخ من أوضة العروسة:
— لين هربت! يا فضيحتنا! يا اسما، الحقيني!
جريت عليها وأنا حافية، ومكنتش مستوعبة كلامها. افتكرتها بتقول أي كلام من الصدمة، لكن أول ما دخلت الأوضة وشفت الدولاب مفتوح، وشنطة أختي الكبيرة مش موجودة، وفستان فرحها متعلق لوحده على باب الدولاب، عرفت إن المصيبة حقيقية، وإن اللي حصل مش مجرد كابوس.
أبويا كان واقف في نص الصالة، وشه أصفر من الصدمة، وفي إيده ورقة صغيرة كان لاقيها فوق السرير.
عمي حسان خطف الورقة منه، وبدأ يقراها بصوت مخنوق:
«سامحوني… مقدرش أتجوز واحد عمري ما حبيته. متدوروش عليا… أنا استاهل إنكم تنسوني فعلًا».
أبويا حط إيده على صدره وقعد على أقرب كرسي، كأنه مش قادر يشيل جسمه من الصدمة، أما عمي فضرب كف على كف، وهو بيقول:
— لا حول ولا قوة إلا بالله! اللهم أجرنا في مصيبتنا واخلف لنا خيرًا منها. يا فضيحتنا وسط البلد يا وهدان! بكرة الفرح، والناس كلها عارفة إن بنتك داخلة بيت الهوارية! هنعمل إيه دلوقتي؟
وأنا؟
كنت واقفة ساكتة، مش عارفة أقول إيه ولا أتصرف إزاي.
لأن الموضوع ماكانش مجرد عريس وعروسة، والعروسة قررت تهرب قبل فرحها. لأ، دي حكاية أكبر من كده بكتير. دي عيلة الهواري، والعرق الصعيدي اللي لو فار، مش هيسيب حد في حاله.
والعريس مش أي عريس…
ده ناصيف الهواري!
كبير عيلة الهواري، الراجل اللي رغم إن سنه ماعداش خمسة وتلاتين سنة، إلا إن كلمته مسموعة، والكل بيحسب له ألف حساب. راجل معروف بالشدة والهيبة، ومحدش بيقدر يقف قدامه أو يعارضه بسهولة.
وأختي لين كانت مخطوبة له من ست شهور.
خطوبة عائلية أكتر ما كانت قصة حب، لأنها من البداية ماكانتش عايزاه، لكن محدش فينا كان يتخيل إنها ممكن توصل للدرجة دي وتهرب قبل الفرح بيوم واحد.
أمي كانت منهارة من العياط، وبتردد بخوف:
— هنعمل إيه لما الهوارية يعرفوا؟ أبوكي مش هيقدر يرفع راسه قدام حد تاني!
قربت منها، وحاولت أهديها رغم إن قلبي كان بيرتعش من الخوف:
— اهدي يا ماما، يمكن لين ترجع. ادعي بس إنها ترجع.
عمي بصلي بعصبية وقال:
— ترجع إيه يا بنتي؟! دي لو كانت ناوية ترجع، ما كانتش سابت الورقة دي! أختك الله يسامحها فضحتنا. ولو كبار العيلة عرفوا اللي حصل، محدش عارف ممكن يعملوا إيه!
سكتنا كلنا، وكل واحد فينا غرقان في خوفه.
وفجأة، سمعنا صوت عربيات بتقف قدام البيت.
الكل سكت مرة واحدة.
عمي حسان قرب من الشباك وبص منه، وبعدها رجع لنا وملامحه اتغيرت تمامًا.
— الهوارية وصلوا… جم علشان عوايد ليلة الحنة! هنتصرف إزاي يا وهدان؟
قلبي وقع بين رجليا من الخوف.
من يوم ما ناصيف مسك كبير عيلته، والكل بيحلف بشدته وجبروته، وكنت متأكدة إن خوف أختي منه كان واحد من الأسباب اللي خلتها تهرب.
خصوصًا إن لين كان ليها موقف قديم مع أخته مهيرة.
ما قلتلكوش إن لين ومهيرة كانوا زمايل في المدرسة الثانوية؟ وفي يوم حصلت بينهم خناقة كبيرة، وكل واحدة فيهم غلطت في التانية وفي أهلها بألفاظ قاسية. وقتها كبار العيلة تدخلوا علشان ينهوا المشكلة، لكن واضح إن اللي حصل ساعتها ما اتنسيش بسهولة.
ومع مرور الأيام، الدنيا لفت، وبقت أختي هي العروسة اللي المفروض تدخل بيتهم!
لين كانت قالتلي قبل كده إنها مش هتستحمل الجوازة دي، وإنها مش قادرة تكمل، لكن أنا كعادتي ماخدتش كلامها على محمل الجد، ولا تخيلت إنها ممكن تعملها فعلًا.
وأهي عملتها…
وهربت وسبتنا نواجه الفضيحة لوحدنا!
بعد ثواني، باب البيت اتفتح، ودخل كبار عيلة الهواري، وعلى رأسهم ناصيف.
كان لابس جلابية صعيدي غامقة، ودي كانت أول مرة أشوفه فيها عن قرب.
وبصراحة، رغم كل خوفي منه، ماقدرتش أنكر إنه كان وسيم بشكل يخلي الواحد يقف للحظة مش مستوعب ملامحه. لكن وسامته ما كانتش كفاية تخفي الجمود اللي في وشه؛ ملامحه جامدة لدرجة إنك ما تعرفيش هو غضبان ولا هادي، ولا حتى إيه اللي بيدور في دماغه.
دخل وراه أبوه واتنين من أعمامه، ووقفوا وسط الصالة.
ناصيف بص للوجوه اللي حواليه، وبعدها سأل بصوته الهادي:
— مالكم؟ في إيه؟
الرجالة سكتوا، فكرر سؤاله:
— أحوالكم فيها حاجة؟
أبويا رد بسرعة، محاولًا يخفي ارتباكه:
— خير يا ولدي، خير إن شاء الله! كله تمام.
ناصيف بص له بتركيز، وقال:
— وشك ما يقولش خير يا عم وهدان.
الصمت اللي نزل على المكان بعدها كان مرعبًا.
عمي حسان تدخل بسرعة وقال:
— تعب بسيط بس، ضغطه علي الصبح.
ناصيف هز راسه وقال:
— سلامتك يا عم وهدان.
أبويا رد بصوت ضعيف:
— الله يسلمك يا ولدي.
ناصيف سأله:
— نجيب حكيم؟
— لا يا ابني، الحمد لله. بقيت زين.
الغريب في الموضوع كله إنه ما سألش عن لين.
ولا طلب يشوفها.
ولا حتى بان عليه إنه عريس داخل على فرحه بكرة ومستني يشوف عروسته.
كان هادي بشكل غريب، كأن الموضوع كله ما يخصوش.
وبعد شوية، أبوه ضحك وقال:
— بكرة يا ناصيف نقول لك مبروك يا عريس! الظاهر إن أبو عروستنا حاسس بالفراق من دلوقتي.
ضحك الرجالة، لكن ناصيف رد بمنتهى البرود:
— قولوا اللي يعجبكم.
واحد من أعمامه ضحك وقال:
— ده لو داخل صفقة أرض كان فرح أكتر من كده!
ناصيف بص له ورد بهدوء:
— الجواز مش محتاج دوشة يا عمي.
عمه سأله:
— أمال محتاج إيه؟
رد ناصيف من غير ما يتردد:
— اتفاق وراحة بال.
مش عارفة ليه الجملة دي فضلت ترن في ودني.
اتفاق وراحة بال!
هو ده مفهومه عن الجواز؟ مجرد اتفاق بين عيلتين، وراحة بال وخلاص؟
يمكن علشان كده لين هربت. يمكن لأنها حست إنه راجل مش بيعرف يعبر عن مشاعره، وإنه داخل على الجوازة كأنها صفقة، مش بيت وأسرة وحياة بين اتنين.
لكن مهما كان السبب، ده ما يبررش اللي عملته، ولا يغير حقيقة إنها سابتنا في مواجهة مصيبة محدش فينا كان مستعد لها.
بعد حوالي نص ساعة، الهوارية مشيوا.
وأول ما صوت العربيات اختفى من الشارع، البيت انفجر من جديد.
أمي رجعت تعيط، وعمي حسان قفل الباب وبص لأبويا بقلق.
— عدت على خير المرة دي، لكن بكرة هنعمل إيه؟
أبويا فضل قاعد ساكت، وعينيه ثابتة في الأرض، وكأنه فقد القدرة على التفكير.
ماقدرتش أستحمل الصمت أكتر من كده، فتكلمت وأنا بحاول أتمالك أعصابي:
— بابا، أنا قلتلكم لازم نقول لهم الحقيقة. الصراحة في السر أحسن من الخداع اللي هينكشف قدام الناس بكرة.
التلاتة بصوا لي، فكمّلت كلامي:
— مهما كانت النتيجة، لازم ناصيف يعرف إن لين هربت. ما ينفعش نفضل مخبيين عليه، وبعدين يكتشف الحقيقة بنفسه.
أمي صرخت في وشي:
— ونقول له قبل الفرح بساعات؟! إنتِ اتخبلتي في عقلك يا أسما؟! عايزانا نفضح نفسنا بإيدينا؟
رديت عليها بهدوء حاولت أتمسك بيه:
— أحسن ما يعرف من الناس، وساعتها الفضيحة هتبقى أكبر.
عمي حسان هز راسه، وقال بنبرة يملؤها القلق:
— الموضوع مش بالسهولة دي يا بتي.
بصيت لهم واحد واحد، وسألت:
— طب إيه الحل؟ هنعمل إيه يعني؟
محدش رد.
كل واحد كان مستني التاني يطلع بحل ينقذنا من الورطة اللي وقعت فيها العيلة.
سيبتهم ودخلت ناحية أوضتي، لكن قبل ما أخطو أول خطوة، سمعت صوت عمي حسان وهو بيتكلم مع أبويا بنبرة مختلفة، وكأنه أخيرًا لقى الحل اللي هينقذ كرامتنا.
قال له:
— اسمع يا وهدان، ناصيف أصلًا لا شاف لين ولا يعرف شكلها، وكل اللي يهم الهوارية هو النسب النضيف. إحنا ممكن نجوزه أسما بدل لين، وبكده نكون حفظنا كرامتنا وكرامتك، والفرح يتم في معاده من غير ما حد يعرف اللي حصل.
وقفت مكاني، وحسيت إن الأرض بتنسحب من تحت رجليا.
يجوزوني أنا بدل أختي؟!
أنا اللي ماليش ذنب في أي حاجة حصلت، أبقى أنا الحل اللي هيستروا بيه الفضيحة؟
بصيت ناحية أبويا، ولما شفت ملامحه بدأت ترتاح لمجرد إنه سمع الاقتراح، حسيت إن قلبي وقع في رجلي.
ماكانش محتاج يتكلم علشان أفهم.
ملامحه وحدها كانت كفاية تقول لي إن الفكرة دخلت دماغه، وإنه ممكن يوافق عليها فعلًا.
جريت عليه، والدموع اتجمعت في عيني، ومسكت إيده وأنا بترجاه:
— لا يا بابا! أرجوك، لأ!
نزلت أبوس إيده، وأنا بهز راسي برفض وخوف:
— أوعى يا بابا… أوعى تعمل فيا كده! أنا ماليش ذنب في اللي حصل! ليه أنا اللي أدفع التمن بدل لين؟!
لكن السؤال اللي كان بيصرخ جوايا، ومش قادرة أنطقه، كان أكبر من كل الكلام:
هل هقدر أهرب من مصير أختي… ولا هلاقي نفسي بكرة عروسة لكبير الهواري بدلها؟