رواية عروس الهواري ناصيف واسما - الفصل الرابع
— إنتوا اتجننتوا؟!
صوت ناصيف دوّى في الجناح، لدرجة إن النسوان اللي كانوا لسه متجمعين حواليا اتراجعوا خطوة لورا، وساد الصمت المكان للحظات، كأن صوته القوي قدر يخرس كل الألسنة مرة واحدة.
كنت واقفة وراه، قابضة على طرف حجابي بإيد بتترعش، وقلبي بيدق بعنف من اللي بيحصل حواليا. لسه من شوية كنت بحاول أستوعب إني بقيت مرات ناصيف الهواري، وإن حياتي اتغيرت في ساعات قليلة، ودلوقتي لقيت نفسي وسط محاكمة محدش استأذنني قبل ما يحكم عليّا فيها!
ناصيف فرد كتافه، ووقف قدامي كأنه حائط سد، وبص للنسوان بنظرة حادة.
— اللي كانت لسه مادّة إيدها على مراتي، تتفضل تقول لي كانت فاكرة نفسها بتعمل إيه بالظبط!
الست اللي كانت ماسكة دراعي سحبت إيدها بسرعة، لكنها ما بانش عليها أي إحراج، بالعكس، رفعت دقنها وردت بلهجة صعيدية متحدية:
— وإنت زعلان ليه يا ناصيف؟! إحنا مش داخلين على غريبة من الشارع! دي بنت وهدان، وأخت العروسة اللي سابتك وهربت في ليلة فرحك! ومن حقنا نعرفوا إنت دخلت بيتك مين!
عينيه ضاقت، ورد ببرود أخطر من صوته العالي:
— وإنتِ مالك يا سيلين؟! هو أنا سألتك أوافق على مين في بيتي؟!
سيلين رفعت حاجبها، وبصت ناحيتي من فوق لتحت، وكأنها بتدور على حاجة تدينني بيها.
— يعني إيه ماليش دعوة؟! دي مش أي جوازة يا ابن عمي! دي فضيحة هزّت البلد كلها، والناس مش هتسكت غير لما تعرف الحقيقة!
من وراها، اتكلمت الحاجة بخيتة وهي بتخبط بعصايتها على الأرض:
— عندها حق يا ناصيف! إحنا مش بنقول حاجة غلط. طول النهار البلد كلها كانت بتبارك لك جوازك من بنت وهدان الكبيرة، وفجأة نعرف إن أختها هي اللي دخلت بيتك! أمال إحنا نقول إيه للناس؟!
ناصيف ضحك ضحكة قصيرة، خالية من أي مرح.
— تقولوا لهم اللي حصل، من غير ما تزودوا حرف واحد! العروسة اللي كانت مكتوب كتابي عليها هربت، وأهلها عرضوا عليّا أختها، وأنا وافقت. والجوازة تمت قدام الكل، وعلى سنة الله ورسوله. فين بقى الغلط اللي مستنيين تلاقوه؟!
أمه، اللي كانت واقفة من أول الموقف وملامحها مليانة قلق، قربت منه وحاولت تهدي الأمور.
— يا ولدي، محدش بيقول إنك عملت حرام، ربنا يعلم إننا كلنا عايزين لك الخير. بس إنت عارف طبع الناس، والكلام اللي بيتقال، وإحنا خايفين تكون اتسرعت في قرارك.
لف ناصيف ناحيتها، ونبرته هديت درجة، لكنه فضل حازم.
— يمّا، لو كنت اتسرعت، كنت أنا اللي هتحمل نتيجة قراري. إنما محدش له حق يحوّل مراتي لمتهمة علشان الناس بتحب الكلام.
الكلمة الأخيرة خرجت منه وهو بيبص ناحية سيلين تحديدًا.
أما أنا، فكنت واقفة مش عارفة أرفع عيني من الأرض. جزء مني كان ممتن إنه واقف في صفي، وجزء تاني كان موجوع من نظرات الشك اللي بتلاحقني من أول ما دخلت البيت.
أنا ما هربتش من جوازة أختي علشان أتحط مكانها، ولا جيت هنا علشان أتحمل ذنب قرار ماخدتوش. كل اللي حصل إني لقيت نفسي في موقف أكبر مني، وحاولت أعمل الصح على قد ما قدرت.
لكن الظاهر إن محدش هنا كان مستعد يسمعني أصلًا.
فجأة، سيلين اتحركت من مكانها، ومدت إيدها ناحية دراعي تاني.
— طيب ما دام مفيش حاجة تخبيها، خلّي البنت تتكلم! عايزين نفهم منها هي وافقت على الجوازة دي ليه، وإيه اللي حصل بينها وبين أختها قبل ما تهرب!
ناصيف سبقها بخطوة، ومسك إيدها قبل ما توصل لي، وأبعدها عني بحركة حاسمة.
— قلت محدش يمد إيده عليها!
سيلين سحبت إيدها منه بعصبية، ووشها احمر من الغضب.
— إنت بتعاملني كأني واحدة غريبة يا ناصيف؟!
— لما تتعدّي حدودك، هعاملك على قد تصرفاتك، سواء كنتِ بنت عمي أو غيرك!
شهقت واحدة من الستات، والحاجة بخيتة رفعت عصايتها وهي بتتمتم بكلام غاضب، بينما مهيرة، أخت ناصيف، كانت واقفة ساكتة، وعينيها بتتنقل بين أخوها وبيني.
أخيرًا، مهيرة اتكلمت:
— يا أخوي، محدش عايز يضايق مراتك، بس إنت كمان حط نفسك مكاننا. إحنا اتفاجئنا زي ما إنت اتفاجئت، ويمكن أكتر. إنت على الأقل كنت عارف إنك هتتجوز، إنما إحنا صحينا على حكاية جديدة كل ساعة!
ناصيف بص لها شوية، وبعدين رد:
— وأنا مقدّر إنكم اتفاجئتم. بس المفاجأة مش مبرر إنكم تدخلوا أوضتي بالطريقة دي، ولا إنكم تهينوا مراتي، ولا إن حد فيكم يفكر إنه من حقه يفتش وراها!
كلمة «يفتش» خلت الستات يبصوا لبعض، ووش سيلين اتغير للحظة، قبل ما ترجع تتكلم بعناد.
— محدش قال نفتش وراها! إحنا بس عايزين نطمن إنها مش مخبية علينا مصيبة جديدة!
المرة دي، ما قدرتش أسكت.
رفعت راسي من ورا كتف ناصيف، وبصيت لها، رغم إن صوتي كان بيرتعش من الغضب والكسوف.
— مصيبة جديدة؟! هو أنا عملت لكم إيه علشان تتكلموا معايا بالطريقة دي؟!
كل العيون اتجهت ناحيتي.
بلعت ريقي، وحاولت أسيطر على رعشة صوتي.
— أنا دخلت البيت ده مرات ناصيف، مش متهمة جاية تدافع عن نفسها قدامكم! أختي هي اللي أخدت قرارها ومشيت، وأنا ماليش ذنب في اللي عملته. ولو عندكم سؤال، ممكن تسألوني باحترام، وأنا هرد على اللي أقدر أرد عليه. إنما محدش له حق يمسكني أو يهينني أو يشكك في شرفي!
آخر كلمة خرجت مني أقوى مما توقعت.
يمكن علشان كنت بكتم وجعي من ساعة ما دخلوا، ويمكن علشان حسيت إن سكوتي هيتفهم ضعف، وإنهم لو لقوني ساكتة النهارده، مش هيسيبوني في حالي بكرة.
ساد صمت قصير.
حتى سيلين نفسها ما لقتش رد سريع، لكن الحاجة بخيتة سرعان ما هزت رأسها باستنكار.
— أهو ده اللي إحنا خايفين منه! لسانها طويل من أول ليلة، أمال بعد شهر هتعمل فينا إيه؟!
كنت هرد عليها، لكن ناصيف سبقني.
— اللي هتعمله معاكم، هيكون على قد معاملتكم ليها. واللي مش عاجبه وجودها في بيتي، الباب مفتوح قدامه!
أمه شهقت بخفة.
— يا ناصيف! دي عماتك ونسوان عيلتك!
رد من غير ما يرفع صوته المرة دي:
— وأنا ما قللتش من احترام حد فيكم. لكن احترام الكبير مش معناه إني أسمح لحد يهين مراتي قدامي.
بص ناحية الباب، وأشار بإيده.
— اتفضلوا، اللي عنده كلام يقوله بكرة في الصالون، قدام أبوي والرجالة. إنما دلوقتي، مراتي محتاجة ترتاح، وأنا مش هسمح لحد يزعجها أكتر من كده.
الحاجة بخيتة فضلت مكانها، وكأنها مش مصدقة إنه بيطلب منها تمشي.
— إنت بتطردنا يا ناصيف؟!
— أنا بطلب منكم تسيبوا أوضتي، وده حقي في بيتي.
سيلين بصت لي نظرة طويلة، مليانة غيظ ووعيد، وبعدين قالت وهي بتتحرك ناحية الباب:
— ماشي يا ابن عمي. الليلة خلصت، لكن الحكاية لسه ما خلصتش. والحقايق مهما استخبت، لازم تظهر في يوم.
ناصيف رد عليها ببرود:
— وأنا أول واحد مستني الحقيقة تظهر. بس لحد ما تظهر، محدش هيظلم مراتي علشان يرضي فضوله.
خرجت سيلين، ووراها معظم الستات، وكل واحدة فيهم بتتمتم بكلام مش مفهوم. أما مهيرة، ففضلت واقفة عند الباب للحظات، وبصت لي نظرة غريبة، لا هي عداء واضح ولا هي قبول.
وبعدين قربت من أمها وقالت بهدوء:
— تعالي يا أمي، سيبي أخويا يرتاح دلوقتي. بكرة لكل حادث حديث.
أم ناصيف بصت لي قبل ما تخرج، وكان في عينيها قلق واضح.
— ربنا يهدي النفوس يا بنتي.
ما عرفتش أرد عليها غير بهزة بسيطة من راسي.
وأخيرًا، الباب اتقفل.
رجع الهدوء للجناح، لكن قلبي ما هديش معاه.
فضلت واقفة مكاني، باصة للباب المقفول، وكأني مستنية حد يرجع يفتحه ويكمل التحقيق اللي بدأوه من شوية.
ناصيف لف ناحيتي، ولما شاف وشي، ملامحه اتغيرت.
— أسما؟
ما رديتش.
قرب مني خطوة، وسألني بصوت أهدى:
— إنتِ كويسة؟
ضحكت ضحكة صغيرة مكسورة، ورفعت عيني له.
— هو حضرتك شايفني كويسة؟!
سكت، فحسيت إن الكلام اللي كنت حابساه جوايا لازم يخرج، حتى لو مرة واحدة.
— أنا مش فاهمة! هو أنا عملت إيه علشان أتحط في الموقف ده؟! أنا من ساعة ما دخلت البيت، وكل اللي حواليا بيبصوا لي كأني سرقت حاجة مش من حقي! واحدة تشدني من دراعي، والتانية تتهمني، والتالتة بتشكك في شرفي! وأنا حتى مش عارفة إيه اللي مستنيني هنا!
نزلت دمعة غصب عني، فمسحتها بسرعة قبل ما يشوفها، لكن واضح إنه لاحظها.
ناصيف فضل ساكت لحظات، وبعدين قال:
— إنتِ ما عملتيش حاجة غلط.
بصيت له بمرارة.
— طب ليه حاسة إني لازم أفضل أدافع عن نفسي؟! ليه محدش فيهم سألني إذا كنت أنا أصلًا عايزة الجوازة دي ولا لأ؟!
السؤال خرج مني قبل ما أفكر فيه.
ولما استوعبت معناه، سكتُّ فجأة.
ناصيف ثبت عينيه عليّا، واختفت من ملامحه كل علامات الهدوء.
— وإنتِ… كنتِ رافضة الجوازة يا أسما؟
اتوترت، وحسيت إن السؤال فتح باب كنت بحاول أقفله من أول النهار.
وطيت عيني، وقلت بصوت خافت:
— أنا ما كانش عندي وقت أفكر. كل حاجة حصلت بسرعة، وأهلي كانوا في موقف صعب، وإنت كنت…
سكتُّ قبل ما أكمل.
— كنت إيه؟!
رفعت عيني له، وقلت بصراحة:
— كنت راجل محدش بيقدر يقول له لأ بسهولة يا ناصيف بيه.
فضل باصص لي، وكأن إجابتي ما كانتش هي اللي متوقعها.
وبعد لحظات، سحب نفس طويل، وقال:
— عندك حق.
اتصدمت من رده، وفضلت باصة له من غير كلام.
هو كمان لاحظ ده، فابتسم ابتسامة خفيفة ما وصلتش لعينيه.
— مستغربة إني اعترفت؟
هزيت راسي ببطء.
— شوية.
— يبقى استعدي تستغربي أكتر. أنا مش ملاك يا أسما، وعارف إن طريقتي ممكن تخوف اللي قدامي. لكن في حاجة لازم تعرفيها من دلوقتي.
سكت لحظة، وبعدين كمل بنبرة جادة:
— جوازنا حصل، وإنتِ بقيتي مراتي، وده واقع لازم نتعامل معاه. لكن ده مش معناه إنك مطالبة تستحملي إهانة من أي حد، حتى لو كان من دمي. ومش هسمح لحد يجبرك على حاجة إنتِ مش عايزاها.
كلامه هداني شوية، لكن ما قدرش يمسح الخوف اللي اتزرع جوايا من أول الليلة.
بصيت ناحية الباب، وسألته:
— وهما هيسيبوني في حالي؟
رد من غير تردد:
— طول ما أنا موجود، محدش هيقرب منك بسوء.
كان المفروض أحس بالأمان من كلامه، ويمكن جزء مني فعلًا ارتاح. لكن جزء تاني كان لسه بيسأل نفسه: هو ناصيف الهواري نفسه، اللي حياته اتقلبت بسبب هروب أختي، هيقدر يفضل واقف في صفي لحد إمتى؟
ابتعد عني قليلًا، واتجه ناحية الطاولة اللي عليها إبريق المياه، وصب لنفسه كوبًا. وبعدها بص لي وسأل:
— تشربي مياه؟
هزيت راسي بالرفض.
حط الكوب مكانه، وبعدين قال:
— طيب، حاولي ترتاحي. الليلة كانت طويلة، وبكرة غالبًا هيكون أطول.
رفعت عيني له بقلق.
— ليه؟ إيه اللي ممكن يحصل بكرة؟
ملامحه اتغيرت، وبان عليه إنه بيفكر في حاجة مش عايز يقولها.
— لأن أبوي أكيد هيسأل عن اللي حصل، ولأن حكاية هروب أختك مش هتتقفل لمجرد إننا اتجوزنا.
حسيت بقبضة باردة بتضغط على قلبي.
أختي…
من ساعة ما هربت، وأنا بحاول أقنع نفسي إن غيابها مش معناه إنها اختارت تسيبني أواجه كل ده لوحدي. لكن دلوقتي، وسط بيت الهواري، بدأت أدرك إن هروبها مش مجرد حكاية انتهت عند باب الفرح؛ ده سر ممكن يفضل يطاردني كل يوم.
همست:
— تفتكر هيرجعوا يلاقوها؟
ناصيف بص لي طويلًا، وبعدين قال:
— لو كانت عايزة ترجع، كانت رجعت من أول يوم. لكن السؤال الأهم يا أسما…
قرب خطوة، وثبّت عينيه في عينيّ.
— هي هربت من الجوازة ليه؟ وإيه اللي كانت خايفة منه للدرجة دي؟
اتسعت عيني، وحسيت إن نفسي وقف للحظة.
كان في حاجات كتير ما كنتش أعرفها عن أختي، وحاجات تانية كنت أعرفها لكن عمري ما تخيلت إنها ممكن توصل بيها للهروب ليلة فرحها.
ومع ذلك، ما كنتش مستعدة أحكي كل حاجة.
مش دلوقتي.
وطّيت عيني، وقلت:
— معرفش يا ناصيف.
فضل ساكت، وكأنه بيحاول يقرأ ملامحي ويعرف إذا كنت بقول الحقيقة ولا بخبي عنه حاجة.
وبعد لحظات، قال بهدوء:
— ماشي يا أسما. مش هضغط عليكِ دلوقتي. لكن في يوم، لازم أعرف الحقيقة كاملة.
ثم اتجه ناحية الباب الداخلي للجناح، قبل ما يلتفت لي مرة أخيرة.
— نامي وارتاحي. وإوعي تسمحي لحد يخليكِ تحسي إنك أقل من أي واحدة في البيت ده. إنتِ مرات ناصيف الهواري، وده لوحده كفاية علشان الكل يعرف حدودك.
خرجت منه الكلمات بثقة، لكني ما قدرتش أمنع نفسي من التفكير في حاجة واحدة:
هل كوني مرات ناصيف الهواري هيحميني فعلًا، ولا هيكون السبب في إن حياتي تتحول لمعركة أكبر من قدرتي على الاحتمال؟
بصيت للمراية اللي كنت واقفة قدامها من شوية، ولمحت انعكاس صورتي بطرحة الفرح الحمراء، وعيوني اللي لسه فيها أثر الدموع.
من كام ساعة بس، كنت بنت وهدان اللي بتحاول تنقذ عيلتها من الفضيحة.
ودلوقتي بقيت أسما الهواري.
اسم جديد، وبيت جديد، وراجل لسه مش قادرة أفهمه، وعيلة يبدو إن وجودي فيها مش مرحب بيه زي ما كنت أتمنى.
لكن أكتر حاجة كانت مخوفاني، إن إحساسي بيقول لي إن اللي حصل الليلة دي مش غير البداية.
وإن سيلين، بنظرتها الأخيرة، ما كانتش بتهددني وخلاص.
كانت عارفة حاجة.
حاجة تخص أختي… ويمكن تخصني أنا كمان.
يتبع في الفصل الخامس…