رواية روايات رومانسية 21 أكتوبر 2026

رواية في كنف الشيخ الفصل الثالث: الحقيقة المرة ونظرات الغيرة الخفية

روز امين
مؤلف العمل
الخط:
رواية في كنف الشيخ الفصل الثالث: الحقيقة المرة ونظرات الغيرة الخفية
تكتشف البطلة أسرارًا خطيرة عن حياة زوجها الراحل وعلاقته بالشيخ، بينما تكشف تصرفات الشيخ عن غيرة غامضة خلف ستار الحماية. وبين رغبتها في الحرية وخوفها على ابنها ياسين، يظهر خطر جديد قادم من القاهرة، فهل يستطيع الشيخ حمايتهما من الماضي الذي يطاردهما؟

عدّت الأيام اللي بعدها ببطء، وكل يوم كان بيكشف لها جانب جديد من الحياة جوه الديرة. من ناحية، كانت لسه مش قادرة تنسى اللي شافته في نص الليل، والصناديق اللي اتنقلت وسط الصحراء، والرجالة اللي بيتحركوا في سرية كأنهم بيخفوا أمرًا خطيرًا. ومن ناحية تانية، كانت بتشوف الشيخ بيتعامل مع أهل القبيلة، وبتلاحظ إن الكل بيحترمه، وإنه رغم شدته كان بيتدخل لحل مشاكل الناس، ويساعد المحتاجين من غير ما يستنى منهم مقابل.

التناقض ده كان بيحيرها. إزاي راجل بالشكل ده يجمع بين الهيبة والرحمة؟ وإيه حقيقة الأسرار اللي مخبيها ورا نظراته الجامدة؟

في إحدى الليالي، كانت قاعدة جوه الخيمة بعد ما ياسين نام، وبدأت تفكر في حياتها القديمة. افتكرت جوزها، وافتكرت السنين اللي عاشوها سوا. عمرها ما كانت شايفة حياتهم مثالية، لكن كانت فاكرة إنها على الأقل عارفة الراجل اللي شاركته بيتها وعمرها.

كان هادي في أغلب الأوقات، قليل الكلام، وكثير السفر بحجة الشغل. كانت بتسأله أحيانًا عن طبيعة شغله، فيرد باختصار إنه بيتعامل مع رجال أعمال، وإن سفره ضروري عشان يضمن لهم حياة مستقرة.

كانت بتصدقه، أو يمكن كانت بتختار إنها تصدقه، لأنها ما كانتش تتخيل إن الراجل اللي بتنام جنبه ممكن يكون مخبي عنها كل ده.

لكن الحقيقة بدأت تظهر لما قعدت مع الجدة في إحدى الأمسيات، وسألتها عن علاقة زوجها القديمة بالشيخ.

قالت البطلة وهي بتحاول تخفي قلقها:

— يا أمي، أنا عايزة أفهم حاجة. إنتِ قلتي لي قبل كده إن جوزي الله يرحمه كان قريب من الشيخ، بس أنا ما فهمتش طبيعة العلاقة بينهم. هو كان بيشتغل معاه في إيه بالضبط؟

سكتت الجدة لحظات، وكأنها بتفكر في الطريقة المناسبة للكلام، ثم قالت:

— راچلك الله يرحمه كان له شأن كبير عند الشيخ. كان يعرف دروب المدن، ويتعامل مع ناس كثير، ويتولى أمورًا ما كان الشيخ يقدر يتابعها بنفسه من هالديرة.

عقدت البطلة حاجبيها.

— يعني إيه أمور؟ أنا عايزة كلام واضح. طول عمري فاكرة إن شغله تجارة عادية، وإن سفره كله بسبب الشغل.

نظرت إليها الجدة بأسف.

— ما كل شي كان يقوله لكِ، يا بنتي. كان بينه وبين الشيخ أسرار عمل، وبعضها ما كان يبي يدخل بيته فيها.

شعرت البطلة ببرودة تسري في أطرافها.

— أسرار إيه؟ هو كان بيعمل إيه يا أمي؟

أخذت الجدة نفسًا عميقًا قبل أن تجيب:

— كان يتولى بعض العلاقات والترتيبات خارج الديرة، ويساعد الشيخ في أمور تتعلق بتجارته ورجاله. لكن أني ما أعرف كل التفاصيل، ولا أقدر أقول لكِ شي ما عندي عليه يقين.

فضلت البطلة ساكتة، تحاول تجمع الكلام في دماغها.

افتكرت سفرات جوزها الطويلة، والمكالمات اللي كان بيخرج من البيت عشان يرد عليها، والمرات اللي كان بيقفل فيها التليفون فجأة لما تدخل عليه.

همست بصدمة:

— يعني أنا كنت عايشة معاه كل السنين دي، ومش عارفة عنه حاجة؟

ربتت الجدة على إيدها.

— لا تلومين نفسك يا بنتي. يمكن كان يظن إنه يحميكِ بإبعادك عن هالأمور، ويمكن كانت له أسباب ما نعرفها. لكن لا تحكمين على كل شي قبل ما تتضح لكِ الحقيقة.

سحبت البطلة إيدها برفق، وقامت من مكانها وهي مش قادرة تستوعب.

— أنا مش عارفة أصدق مين ولا أكذب مين. جوزي مات وساب لي ديون ومشاكل، ودلوقتي اكتشف إن حياته كان فيها حاجات عمري ما تخيلتها. وأنا هنا، لا عارفة أرجع بيتي، ولا عارفة أخرج ابني من وسط كل ده.

رجعت للخيمة، وقعدت جنب ياسين، وهي بتحاول تمنع دموعها من النزول. ما كانتش عارفة إذا كان زوجها قد أخفى عنها الحقيقة خوفًا عليها، أو لأنه كان عايش حياة مختلفة تمامًا عن اللي عرفتها. وكل اللي كانت متأكدة منه إنها محتاجة تعرف الحقيقة كاملة، حتى لو كانت موجعة.

لكن الأيام ما ادّتهاش فرصة طويلة للتفكير.

غيرة الشيخ

في صباح اليوم التالي، خرجت البطلة مع ياسين ناحية السوق الصغير اللي بيتجمع فيه أهل القبيلة وبعض الزوار من المناطق القريبة. كانت محتاجة تشتري حاجات بسيطة لابنها، وقررت تستغل وجودها وسط الناس بدل ما تفضل محبوسة في الخيمة.

ياسين كان سعيدًا، يمسك إيدها مرة ويتركها مرة تانية عشان يتفرج على الألعاب والأشياء اللي معروضة للبيع.

قال لها بحماس:

— ماما، بصي! الحصان الصغير ده شبه حصان عمو الشيخ!

ابتسمت رغم تعبها.

— أيوه يا حبيبي، بس تعالى جنبي وما تبعدش عني.

في الناحية التانية من السوق، كان الشيخ واقفًا مع عدد من كبار القبيلة، بيتناقش معاهم في بعض شؤون الديرة. وبينما كان بيتكلم، وقعت عينه على البطلة وهي ماشية مع ابنها.

في البداية، تابعها بنظرة عابرة، لكن انتباهه اتغير لما لاحظ أحد الزوار يطيل النظر إليها بطريقة ما ارتاحش لها.

كان الرجل واقفًا عند أحد الباعة، وكلما تحركت البطلة، تبعتها عيناه. ولما اقتربت من مكانه، حاول يفتح معاها حديثًا.

قال لها بابتسامة:

— يا أختي، أنتِ من أهل هالديرة، ولا ضيفة عندنا؟

ردت باقتضاب وهي بتشد إيد ياسين:

— أنا ضيفة، وجاية أشتري شوية حاجات لابني.

حاول الرجل يواصل الكلام، لكن قبل ما يقدر يقول حاجة تانية، سمع صوت الشيخ من خلفه.

— يا راچل، ما علّموك أصول الضيافة؟ الضيف له احترامه، والحرمة لها حرمتها. غضّ بصرك، وخلك في شأنك.

التفت الرجل بسرعة، ولما شاف الشيخ واقفًا قدامه، اتغيرت ملامحه.

— السموحة يا شيخ، ما قصدت إلا السؤال.

رد الشيخ بلهجة حازمة:

— والسؤال له حد، والنظر له أدب. لا تخليني أعيد كلامي.

طأطأ الرجل رأسه، وابتعد من غير ما ينطق بحرف آخر.

أما البطلة، فكانت واقفة تراقب الموقف بدهشة. ما كانتش متوقعة إن الشيخ هيتدخل بهذه السرعة، ولا إن غضبه هيكون واضحًا بالشكل ده.

التفت إليها، ونظر إلى ياسين أولًا، ثم عاد ببصره إليها.

— وش جابك للسوق من غير ما تعلمين الجدة؟

ردت بانزعاج:

— هو أنا لازم أستأذنك قبل ما أخرج أشتري حاجات لابني؟ أنا كنت ماشية معاه، ومفيش حاجة حصلت.

قال بصرامة:

— ما قلت إنك سويتي شي غلط، لكن هالديرة فيها زوار من كل مكان، وبعضهم ما يعرف حدود الأدب. كان المفروض تطلعين مع الجدة أو إحدى الحريم.

رفعت حاجبيها باعتراض.

— يعني حتى وأنا ماشية مع ابني، لازم يكون معايا حد يراقبني؟ إنت مش شايف إن الموضوع زاد عن حده؟

شد الشيخ على فكه، وكأنه بيحاول يسيطر على انفعاله.

— أني مسؤول عن سلامتك ما دمتِ في ديرتي، وما راح أترك أحد يتجاوز حدوده معكِ.

ردت بسرعة:

— سلامتي مش معناها إني أفقد حريتي. أنا مش ملك حد، ولا مجرد واحدة لازم تتنقل من مكان لمكان بأوامر.

ثبت عينيه عليها، ثم قال بصوت منخفض:

— ما قلت إنك ملك أحد، لكنك حرمة ابن عمي، وأنتِ وولدك لكم مكانة عندي. واللي يتعدى عليكم، كأنه تعدى عليّ.

توقفت الكلمات في حلقها للحظة. كان في كلامه شيء يشبه الحماية، لكنه في الوقت نفسه كان يذكرها دائمًا بأنها محاطة بسلطته، وأنها لم تحصل بعد على الحرية اللي بتطالب بيها.

قالت بنبرة أكثر هدوءًا، لكنها ما زالت غاضبة:

— طيب، لو إنت فعلًا عايز تحميني، ساعدني أرجع مصر وأرتب أموري. أنا مش عايزة أفضل هنا طول عمري.

تغيرت ملامحه، واختفت أي لمحة لين ظهرت قبل لحظات.

— هالموضوع تكلمنا فيه من قبل، وما راح نعيده كل يوم.

— لأنك مش بتديني فرصة أتكلم أصلًا!

نظر إلى ياسين الذي كان يتشبث بيد أمه، ثم قال:

— ارجعي مع ولدك للخيمة، وبنرسل لكم اللي تحتاجونه من السوق.

ردت بانفعال:

— أنا مش عايزة حد يبعت لي حاجة! أنا عايزة أتصرف بنفسي!

لكن الشيخ كان قد اتخذ قراره. أشار إلى إحدى النساء القريبات، فاقتربت منها ورافقتها باتجاه الخيام.

مشت البطلة وهي تغلي من الغضب، بينما كان ياسين ينظر إليها بحيرة.

سألها بصوته الصغير:

— ماما، إنتِ زعلانة من عمو الشيخ؟

نزلت لمستواه، وحاولت تبتسم.

— شوية يا حبيبي، بس إنت مالكش دعوة. أهم حاجة تفضل جنبي، ماشي؟

هز رأسه، ثم احتضنها حول خصرها.

وفي تلك اللحظة، شعرت البطلة إن كل ما يحدث أصبح أعقد من مجرد خلاف على الميراث. الشيخ كان يراقبها، ويتدخل في تفاصيل يومها، ويبدو عليه الغضب كلما اقترب منها رجل غريب، رغم إصراره على أن الأمر لا يتجاوز حماية ابنة عمه وولدها.

أما هي، فلم تكن تعرف إن كانت تخاف من سيطرته، أم بدأت ترى خلفها مشاعر لم يعترف بها حتى لنفسه.

بين الحماية والسيطرة

في المساء، كانت البطلة جالسة أمام الخيمة، وياسين يلعب بالقرب منها. اقتربت الجدة وجلست إلى جوارها، ثم سألتها:

— وش فيكِ يا بنتي؟ من رجعتي من السوق وأنتِ ساكتة.

تنهدت البطلة.

— أنا تعبت يا أمي. كل يوم أكتشف حاجة جديدة. جوزي طلع مخبي عني أسرار، والشيخ مش راضي يسيبني أرجع بيتي، وكل ما أحاول أتصرف لوحدي ألاقي حد واقف في طريقي.

قالت الجدة بحكمة:

— الشيخ طبعه شديد، وهذا ما نختلف عليه، لكنه ما يسمح لأحد يمسّك بسوء. يمكن طريقته ما تعجبكِ، لكن لا تخلطين بين شدته وبين نيته.

نظرت إليها البطلة باستغراب.

— وإنتِ عارفة نيته منين؟ هو نفسه مش بيقول حاجة واضحة! مرة يتكلم عن حماية ابنه عمه، ومرة يرفض يخليني أرجع مصر، ومرة يعامل ياسين بحنان كأنه ابنه. أنا مش فاهمة هو عايز إيه بالضبط.

ابتسمت الجدة ابتسامة صغيرة.

— بعض الرجال يا بنتي، ما يعرفون يعبرون عن اللي في صدورهم بالكلام. لكن هذا ما يعطيهم الحق يقررون عن غيرهم.

كانت الجملة الأخيرة مختلفة عما اعتادت البطلة سماعه منها، فالتفتت إليها باهتمام.

أكملت الجدة:

— اسمعي يا بنتي، أني ما أقدر أقول لكِ وافقي على زواج ما تبينه، ولا أقدر أجبركِ على البقاء. القرار لكِ، لكن أبيكِ تفكرين بعقلك، وتعرفين إن رجعتك لمصر لازم تكون بطريقة تحفظ حقك وحق ياسين، وتبعدكم عن كل خطر.

لأول مرة، شعرت البطلة إن الجدة لا تحاول إقناعها بالاستسلام، بل تحاول أن تجعلها ترى الصورة كاملة.

قالت بهدوء:

— أنا مش عايزة أهرب وخلاص. أنا عايزة أفهم إيه اللي حصل لجوزي، وليه ساب وراه كل الديون دي، وإيه علاقة الشيخ بكل ده. وبعدها هقرر أعمل إيه.

أومأت الجدة موافقة.

— هذا الكلام الزين. دوري على الحقيقة، لكن لا تتهورين، ولا تخلين الغضب يقودك لطريق ما تعرفين نهايته.

في تلك الليلة، نام ياسين مبكرًا، بينما ظلت أمه مستيقظة تفكر في كل ما سمعته. بدأت تدرك أن ميراث زوجها ربما يكون مرتبطًا بأمور أكبر مما كانت تتخيل، وأن الشيخ قد يعرف تفاصيل لم يخبرها بها أحد.

كانت تريد مواجهته، لكنها كانت تعرف أن أي مواجهة جديدة لن تكون سهلة.

عاصفة تقترب

في الجهة الأخرى من الديرة، كان الشيخ جالسًا في مجلسه مع اثنين من رجاله. أمامه أوراق ورسائل، وعلى وجهه علامات انشغال لم يستطع إخفاءها.

قال أحد الرجال:

— يا طويل العمر، وصلنا خبر من القاهرة. فيه رجال يسألون عن أم ياسين، ويبحثون عن مكانها.

رفع الشيخ رأسه بسرعة.

— وش نوع الرجال؟ وهل عرفوا إنها عندنا؟

أجاب الرجل:

— للحين ما عندنا علم أكيد، لكنهم يسألون عن زوجها وأمواله، ويقولون إن لهم حقوقًا عنده.

تبدلت ملامح الشيخ.

— راقبوا تحركاتهم، ولا أحد يتصرف من راسه. أبي أعرف من أرسلهم، وش يبون بالضبط.

ثم أضاف بنبرة صارمة:

— والأهم، لا يوصل لهم خبر عن وجودها هنا. ما أبيها ولا ولدها يدخلون في حسابات رجال ما يعرفون الرحمة.

قال الرجل:

— أبشر يا طويل العمر.

ظل الشيخ صامتًا بعد خروجهما، ثم نظر إلى الأوراق أمامه. كانت هناك أمور قديمة لم تُحسم بعد، وديون لم تكن مجرد أرقام، وأشخاص بدأوا يتحركون بعدما ظن الجميع أن موت ابن عمه أنهى كل شيء.

أما البطلة، فلم تكن تعرف أن الماضي الذي حاولت الهروب منه في القاهرة بدأ يقترب منها من جديد، وأن عاصفة حقيقية توشك أن تضرب الديرة.

في الصباح التالي، ستتغير الأمور، وستجد نفسها أمام حقيقة جديدة تخص زوجها الراحل، بينما سيضطر الشيخ إلى اتخاذ قرار قد يغيّر مستقبلهم جميعًا.

يتبع في الفصل الرابع والأخير...

شاركنا رأيك وانطباعك

0 تعليقات
اترك تعليقاً على هذا العمل
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يشارك برأيه!

أعمال أخرى قد تعجبك

تعليق 0