رواية روايات رومانسية 21 أكتوبر 2026

رواية ارتواء الروح الفصل الخامس: اعتراف أنس بالحب

سارة فتحي
مؤلف العمل
الخط:
رواية ارتواء الروح الفصل الخامس: اعتراف أنس بالحب
في الفصل الخامس من رواية «ارتواء الروح»، يعترف أنس بحبه لونس ويطلب الزواج منها، مانحًا إياها فرصة جديدة للحياة بعد الألم والخذلان. وبين لحظات الرومانسية والمواقف الكوميدية، تشتعل الغيرة بينهما، قبل أن تنقلب الأجواء فجأة مع وصول أنس مصابًا والدماء تغطي يده. فماذا حدث له؟ وهل يحمل الفصل السادس مفاجآت جديدة؟

تجمّدت ونس في مكانها، واتسعت عيناها في ذهول، بينما راحت ترمش عدة مرات، وكأنها تحاول التأكد من أنها سمعت الكلمة بصورة صحيحة. خطيبته؟! هل قال أنس حقًا إنها خطيبته؟ أم أن الصدمة جعلت عقلها يتوهّم ما لم يحدث؟

وقبل أن تستوعب الأمر، انتشلها صوته الغاضب من شرودها، وهو يهتف بانفعال:

— إنتِ لسه واقفة مكانك ليه؟! اطلعي فوق يلا!

التزمت ونس الصمت، ولم تحاول الرد. اكتفت بخفض عينيها، ثم تحركت بخطوات مثقلة، وصعدت إلى الأعلى، تحمل في صدرها خليطًا من الحزن والارتباك، بينما كانت كلمته تتردد في رأسها بلا توقف.


بعد مرور عدة ساعات

جلست الحاجة نوال إلى جوار ابنها على الفراش، وقد اغرورقت عيناها بالدموع، وارتسم القلق على ملامحها وهي تقول بعتاب امتزج بالبكاء:

— بقى كده يا أنس؟! تخضّني عليك بالشكل ده؟! كده برضه يا ابني؟

ضحك أنس بخفة، محاولًا التخفيف عنها، ثم داعبها قائلًا:

— أيوه كده! طلّعي طقم معاملة الأم بقى، وكفاية معاملة مرات الأب دي!

رفعت نوال إصبعها في وجهه محذرة، وقالت:

— طب دي آخر مرة يا أنس! إنت عارف أنا كنت عاملة إزاي لما عرفت اللي حصل لك؟!

وفي تلك اللحظة، كانت ونس تقف بعيدًا تراقب المشهد بصمت. لم تستطع منع دمعة من الفرار من عينيها، فمسحتها سريعًا بظهر كفها، ثم ألقت على أنس نظرة تختبئ خلفها مشاعر لم تعد قادرة على إنكارها.

كانت تحبه، وربما أكثر مما ينبغي، لكنها كانت مقتنعة بأن وجودها في حياته لن يجلب له سوى المتاعب. لذلك قررت الرحيل، قبل أن تتسبب في مصيبة جديدة تصيب من احتضنوها ومنحوها الأمان الذي افتقدته طويلًا.

تنهد أنس بحرارة وهو يتابع انصرافها، مدركًا حجم الصراع الذي يدور داخلها، وكيف تلوم نفسها على كل ما حدث، وكأنها مسؤولة عن مصائب لم ترتكبها.

عادت نوال إلى الحديث، وقالت لابنها بجدية:

— طب ذنب البنت إيه إنك توقف حالها بكلمة زي دي؟! تقول خطيبتي قدام الناس، وتعلّقها بيك، وبعدين نرجع بعد شهرين نقول فسخنا الخطوبة! أهو الشارع كله مفيهوش حاجة بتستخبى.

أمسك أنس بيد أمه، ونظر إليها برجاء واضح، ثم قال مبتسمًا:

— طب وليه بس يا ست الكل؟! ما نخليها كتب كتاب بعد شهرين وخلاص!

اتسعت عينا نوال، وظلت تنظر إليه للحظات وكأنها تحاول التأكد من أنه يتحدث بجدية، ثم هتفت باستنكار:

— كتب كتاب على مين يا واد؟! على ونس؟! إنت بتخرف، ولا دي من آثار الضربة اللي أخدتها؟!

ابتسم أنس ابتسامة عذبة، وظهر العشق جليًا في عينيه، قبل أن يجيبها:

— هو إنتِ كمان بتفكري زيهم؟! هو إنتِ مصدقة حكاية وش النحس والكلام الفارغ ده؟!

تنهدت نوال وقالت:

— لا يا حبيبي، الموضوع مش كده. دي مطلقة يا أنس، ليه تاخد واحدة مطلقة؟

تبدلت ملامحه قليلًا، لكنه حافظ على هدوئه، وسألها:

— أيوه، يعني إيه مطلقة؟! هو عشان اتطلقت حياتها تقف؟! ربنا حلل الطلاق، وإحنا هنحرّمه على نفسنا؟!

ثم تابع بجدية أكبر:

— طب لو عندي أخت واتجوزت، وطلع جوزها مش كويس، أسيبها تكمل معاه عشان الناس مش هترضى بيها بعد كده؟! المطلقة إنسانة، ومن حقها تعيش وتحب وتبدأ من جديد. ويمكن تكون أكتر واحدة محتاجة فرصة تداوي بيها الجرح اللي جواها.

صمت للحظة، ثم أضاف بنبرة دافئة:

— ونس مش عيب فيها إنها مطلقة، ولا هي مسؤولة عن كلام الناس. ونس محتاجة لونس في حياتها... قولتي إيه؟

مالت شفتا نوال قليلًا، ثم انفجرت ضاحكة وهي تقول:

— يخرب بيتك يا واد يا أنس! ده إنت واقع على عينك وأنا مش واخدة بالي!

ضحك أنس، ثم قال بمشاكسة:

— أيوه، وهرتّيني حكاية أختك وأخوكي دي! المهم بقى، استري عليّ وجوّزيني، بدل ما كل يوم نتخانق على نفس الموضوع!

قال جملته بنبرة تحذيرية مازحة، فابتسمت نوال بحنان وأجابته:

— هي غلبانة يا ابني، وأنا كل اللي يهمني إنك تكون مبسوط.

تهللت ملامحه، وأمسك بيدها يحثها على النهوض:

— طب يلا، اخرجي كلميها. أكيد حطت في نفسها، وأنا جاي وراكي. يلا يا نونا، بسرعة!

ابتسمت نوال وهي تتجه إلى الخارج، بينما لم يستطع أنس إخفاء سعادته؛ فقد حان الوقت ليخبر ونس بالحقيقة كاملة.


بين الخوف والأمل

في الجانب الآخر، وصلت ونس إلى غرفتها، وألقت بجسدها فوق الفراش، تاركة دموعها تنساب بحرية على وجنتيها.

كيف لها أن تهرب من سوء الحظ الذي يلاحقها أينما ذهبت؟!

ظنت أنها حين ابتعدت عن ماضيها ستتمكن من بدء حياة جديدة، لكنها اكتشفت أن الماضي لا يتركها وشأنها، وأن كل خطوة تخطوها نحو الأمان يعقبها خوف جديد.

لقد وجدت في بيت نوال ما افتقدته طويلًا؛ الحنان والاحتواء والشعور بأنها ليست وحدها في هذا العالم. لكن الأمر لم يعد مجرد أمان، فقد تسلل الحب إلى قلبها للمرة الأولى، ودق أنس بابًا ظنت أنها أغلقته إلى الأبد.

ومع ذلك، كان الخوف أكبر من قدرتها على الاستسلام للسعادة.

انفتح الباب، ودخلت نوال، فوجدتها جالسة على الفراش، ودموعها تبلل وجهها. أسرعت ونس تمسح عينيها، ثم قالت بصوت مبحوح من شدة البكاء:

— أنا السبب، أنا عارفة. أنا همشي ومش هستنى لحد ما أعمل لكم مشاكل أكتر من كده.

عقدت نوال ذراعيها أمام صدرها، ونظرت إليها باستغراب، ثم قالت:

— استهدي بالله يا بنتي! إيه حكاية أمشي وأمشي دي؟! هو إنتِ مالك بس؟! لو على أنس، فهو طول عمره كده، بيخضّني ومغلبني معاه. إنتِ ذنبك إيه في كل ده؟!

وقبل أن تتمكن ونس من الرد، سُمع طرق على الباب.

التفتت نوال نحو الخارج، ثم تمتمت:

— أهو ده اللي مغلبني! شكله عايزنا. يلا، قومي حطي حاجة على راسك وتعالي نشوفه عايز إيه.


خرجت ونس برفقة نوال، فوجدت أنس جالسًا على الأريكة، يتابعها بابتسامة هادئة.

أما هي، فكانت تحاول جاهدة السيطرة على دموعها، وشدت أصابعها بعضها إلى بعض، ثم رسمت ابتسامة باهتة على شفتيها وهي تنظر إلى جرحه.

لقد تأذى بسببها، أو هكذا كانت تظن. ومع ذلك، لم تستطع إنكار أنه كان من أجمل الصدف التي عرفتها في حياتها. لكنها كانت تخشى أن يتحول وجودها إلى عبء عليه وعلى والدته.

كانت مقتنعة بأن الرحيل هو الحل الأكثر عقلانية، حتى لو كان ثمنه فقدان الأمان الذي وجدته بينهما، وكبح مشاعرها التي أخذت تنمو تجاه أنس يومًا بعد يوم.

قطع شرودها صوته الخشن وهو يسألها:

— بالنسبة للي أنا قولته تحت يا ونس...

قاطعته سريعًا، وقد تجمعت الدموع في عينيها من جديد:

— عارفة، عارفة. إنت قولت كده عشان محدش يتكلم، وعشان الناس ما تفهمش غلط، ولأني بالنسبة لك زي أختك.

رمق أنس والدته بنظرة عتاب، ثم قال ساخرًا:

— أدي آخرتها قعدتك معاها يا ست الكل! عجبك كده؟!

حاولت نوال تدارك خطئها، وارتسمت ابتسامة خفيفة على وجهها وهي تراقب حال ابنها، بينما استدار أنس نحو ونس، وتغيرت نبرة صوته إلى الهدوء والدفء.

قال بوضوح:

— لأ، أنا عايز أقولك إني فعلًا بطلب إيدك، وعايزك تكوني مراتي. إيه رأيك؟

تجمدت ونس في مكانها، وشعرت بأن مشاعر متناقضة تتصارع داخلها؛ خوف وحزن وفرح وسعادة، كلها اجتمعت في لحظة واحدة.

نظرت إليه بعدم تصديق، وهمست:

— تتجوز مين؟! أنا؟! أنا أكون مراتك؟!

ثم هزت رأسها بسرعة، وكأنها تحاول إبعاد الفكرة عن عقلها:

— لأ، لأ... لو عشان اللي قولته تحت، ما تاخدش بالك. أنا ممكن أمشي من هنا وأدور على أي حتة تانية.

انتفض أنس من مكانه، وأمسك بذراعها، ثم قال من بين أسنانه بانفعال:

— تاني أمشي؟! عايزة تروحي فين، ها؟! المرة الأولى ربنا سترها، وأمير جابك هنا. إنتِ مفيش عندك مخ؟! بقولك عايزك مراتي، وأنا مش عيل صغير عشان أقول الكلام ده تحت وأنا مش عارف أنا أقصد إيه!

انهمرت دموعها، وهمست بحرقة:

— وإنت إيه اللي يجبرك على واحدة زيي؟! واحدة الناس كلها بتقول عليها نحس، وغير كده مطلقة!

هدأت ثورة أنس على غير المتوقع، وترك ذراعها، ثم عاد إلى الأريكة وجلس بهدوء، وقال:

— أولًا، مفيش حاجة اسمها نحس. دي كلها حاجات بتحصل في الحياة، وإنتِ اللي مكبرة الموضوع بسبب كلام الناس.

ثم تابع بنبرة أكثر جدية:

— وثانيًا، يعني إيه مطلقة؟! هو إنتِ ارتكبتي جريمة؟! ربنا حلل الطلاق، وإحنا هنخترع دين جديد؟! وبعدين، لو إنتِ مش موافقة، ده حقك، وأنا مش هضغط عليكي. لكن طول ما إنتِ هنا، فإنتِ في بيتك، ومحدش له عندك حاجة.

أنهى حديثه، وظل يتأملها بعينين يملؤهما الترقب والأمل.

لم تتمالك ونس نفسها، وانفجرت في نوبة بكاء عنيفة. اقتربت منها نوال، وضمتها إلى صدرها بحنان أمومي، تحاول تهدئتها، ثم سألتها برفق:

— طب ليه العياط يا بنتي؟!

أسرع أنس بالرد، محاولًا كسر حدة الموقف:

— مش بيقولوا إن الدموع علامة الرضا؟! بلاش تضغطي عليها أكتر من كده، هي كده وافقت خلاص!

رفعت ونس وجهها نحوه، وسط دموعها، فضحك أنس وأضاف بمشاكسة:

— أهو كمان ضحكت! يبقى قلبها مال، والموضوع معروف!

انفجر الثلاثة في الضحك، وتحولت لحظة التوتر إلى دفء لم تعهده ونس منذ زمن طويل.

لكن نوال لم تترك الأمر يمر بهذه البساطة، فعقدت ذراعيها وقالت بمكر:

— لا يا حبيبي، الكلام ده ما ينفعنيش. إنت تيجي وتجيب أهلك، وتطلب إيدها مني هنا زي الأصول.

اختفت ابتسامة أنس تدريجيًا، ورفع حاجبه ساخرًا:

— أهلي؟! أهلي دول مين؟! هو أنا ليا أهل غيرك؟! إنتِ كده طرف محايد، عاملة زي خط الوسط! اقبلوا بيا بقى، ده أنا لسه مجروح كمان!

حاولت ونس كتم ضحكتها، بينما نظرت إليه نوال بجدية مصطنعة، وقالت:

— قوم امشي يا واد من هنا! لما تلاقي حد ييجي معاك ابقى تعالى. قال مجروح، وقال خط وسط!

وقف أنس وهو يهز رأسه باستنكار، ثم قال:

— يا شيخة، احلفي إن أنا ابنك وإنتِ أمي!

غادر المكان وهو يتمتم بكلمات غير مفهومة، بينما تبادلت نوال وونس النظرات والابتسامات، وقد بدأت الغيوم تنقشع عن قلب ونس قليلًا.


عريس على الأصول!

وقف أنس أمام أمير، يتفحص مظهره في المرآة، ثم سأله بثقة:

— إنت يا زفت، شكلي كده حلو؟

تنهد أمير بضيق، وأجابه:

— فخامة يا زعامة! بقالنا نص ساعة واقفين كده، ما تخبط بقى!

رمقه أنس بنظرة تحذيرية، ثم طرق الباب.

ما إن فتحت نوال الباب ورأته أمامها، حتى حاولت إخفاء ابتسامتها، وانحنت جانبًا لتسمح لهما بالدخول، ثم أغلقت الباب خلفهما وجلست على الأريكة، وقد قررت أن تؤدي دور أم العروسة بكل جدارة.

هتفت بترحاب مبالغ فيه:

— نورتونا يا جماعة، والله! البيت نور بيكم.

ثم التفتت نحو الغرفة ونادت:

— ونس! تعالي يا حبيبتي، قدمي حاجة للضيوف وسلمي عليهم!

رفع أنس حاجبيه في بلاهة.

ضيوف؟!

أما أمير، فلم يستطع كتم ضحكته على تصرفات نوال.

وبعد لحظات، ظهرت ونس وهي تحمل صينية المشروبات. كانت ترتدي فستانًا وردي اللون وحجابًا أبيض، زادها إشراقًا ورقة.

توقفت أنفاس أنس للحظة وهو يتأملها، وشعر بأنه غارق في عالم آخر. وضعَت الصينية أمامه، ثم مدت يدها لتحيته، فارتجف جسدها من شدة الخجل.

لاحظ أنس ارتباكها، فقرر أن يزيده قليلًا، وهمس لها ببعض كلمات الغزل بصوته الهادئ، فكادت أن تذوب خجلًا.

تنحنحت نوال لتنبهها إلى التعليمات التي أوصتها بها، فسحبت ونس يدها سريعًا، ثم جلست إلى جوارها وهي تحاول إخفاء احمرار وجنتيها.

اعتدل أنس في جلسته، محاولًا الحفاظ على هدوئه، ثم قال:

— أنا جاي النهارده عشان أتقدم، على حسب الميعاد اللي اتفقنا عليه.

نظرت إليه نوال ببراءة مصطنعة، وسألته:

— أيوه، جاي تتقدم لإيه؟! مش فاهمة. فهمني كده، وظيفة يعني ولا إيه؟!

رفع أنس حاجبه، وحاول التمسك بأعصابه، ثم أجابها بغيظ:

— وظيفة إيه بس؟! هو أنا جاي من القوى العاملة؟! أنا بطلب إيد ونس!

تظاهرت نوال بالتفكير، ثم قالت:

— امممم... بس إنت سمعتك مش قد كده!

انفجر أمير ضاحكًا، وصفق بكفيه من شدة المرح، بينما رمقه أنس بنظرة نارية وقال:

— مخصوم منك يومين يا أمير!

ثم عاد إلى نوال، وتحدث بجدية:

— أنا طالب إيد ونس على سنة الله ورسوله، وأنا بقيت بني آدم ملتزم، والله! ممكن توافقي يا ست نوال؟!

تدخل أمير بعفوية، وقال مازحًا:

— بس يا زعامة، حلوة أوي! أنس وونس... دول من سجل الأسماء اللي شبه بعض!

ضحكت ونس ونوال، وقالت الأخيرة وهي تضحك:

— حلوة يا واد يا أمير! دمك عسل، وعشان كده بحبك!

أما أنس، فلم يتحمل مزيدًا من المزاح، فانقض على أمير، وأمسك بتلابيبه، ثم سحبه نحو الباب وفتحه ودفعه إلى الخارج، وهو يقول:

— مخصوم منك أسبوع! أنا غلطان إني جبتك معايا! امشي يلا من هنا!

أغلق الباب خلفه، ثم عاد بخطوات سريعة وجلس بجوار ونس، وقد علت أنفاسه من شدة التوتر.

نظر إليها مباشرة وسألها:

— موافقة بيا ولا لأ؟! قولي!

خفضت ونس عينيها، وشعرت بأن قلبها يكاد يقفز من صدرها، ثم أجابته بصوت خافت بالكاد يُسمع:

— موافقة.

لم ينتظر أنس لحظة أخرى. أخرج من جيبه علبة مخملية حمراء، وفتحها ليظهر خاتم الخطوبة، ثم ألبسها إياه بسعادة لم يستطع إخفاءها.

التفت نحو والدته وهتف:

— بتعرفي تزغرطي؟! زغرطي يا نونا!

ثم نظر إليها بمكر وأضاف:

— أنا عرفت ليه ربنا ما كرمنيش بأخت بنت! ده إنتِ كنتِ هتعنسيها جنبك!

تعالت زغرودة نوال في أرجاء المكان، بينما كانت ونس تعيش لحظات لم تتخيل يومًا أنها ستعيشها.

هل يُعقل أن يمنحها القدر فرصة أخرى للحياة؟! أن تعود إليها السعادة بعد كل ما عانته من وحدة وفقد وخذلان؟

شعرت بأن شيئًا جديدًا ينبض داخل صدرها، وأن الأيام التي قضتها وحيدة قد تفسح الطريق لحياة مختلفة، حياة تجد فيها الحب والسند والأمان.

كانت تنظر إلى أنس، فترى في عينيه وعدًا ببداية جديدة، وعوضًا عن كثير من الألم الذي حملته وحدها.


اعتراف من القلب

بعد أن انصرفت نوال لبعض الوقت، جلس أنس في المقعد المقابل لونس، وظل يتأمل ملامحها، وكأنه يحاول حفظ كل تفصيلة في وجهها.

توقفت عيناه عند عينيها الرماديتين، وشعر بأن العالم من حوله قد اختفى، ولم يعد يرى سوى تلك النظرة التي أسرته منذ اللحظة الأولى.

لاحظت ونس اهتمامه، فاشتعلت وجنتاها بحمرة الخجل، وأخذت تفرك أصابعها بتوتر.

قطع أنس الصمت قائلًا:

— ممكن تبصيلي يا ونس؟! في حاجات لازم نتكلم فيها.

أجابته وهي تنظر إلى الأرض:

— اتفضل، اتكلم.

ابتسم على خجلها، ثم قال:

— لا، ارفعي وشك وإنتِ بتكلميني.

رفعت عينيها إليه للمرة الأولى بهذه الجرأة، فتلاقت نظراتهما، وشعرت بدفء غريب يسري داخل قلبها.

كان في عينيه حنان افتقدته منذ وفاة والدها، فوجدت نفسها تتساءل في صمت: هل يمكن أن يكون أنس هو العوض عن كل ما عاشته من قهر؟ وهل تستطيع أن تمنحه قلبها دون أن تخشى خسارته كما خسرت كل من أحبّتهم؟

ظل سؤال واحد يشغل عقلها، فلم تستطع كتمانه، وسألته بتردد:

— هو إنت طلبت تتجوزني ليه؟!

رفع أنس حاجبيه باستغراب مصطنع وقال:

— هو إيه اللي طلبت أتجوزك ليه؟!

أجابته وهي تحاول فهم ما يدور داخله:

— أيوه، أنا مستغربة. ليه أنا بالذات؟!

اعتدل أنس في جلسته، ثم بدأ حديثه بهدوء:

— بصي يا ونس، أبويا مات وأنا لسه عيل صغير، وأمي ما كانش ليها غيري. دفنت شبابها عشاني، وفضلت طول عمرها تحاول تعوضني عن كل حاجة فقدتها.

ثم نظر إليها بجدية، وتابع:

— تفتكري هي كانت نحس على أبويا؟! أكيد لأ. في ناس بتؤمن بربنا، وبتصبر وتقول الحمد لله على كل حال، وفي ناس بتفسر كل حاجة بتحصل لها على إنها نحس وسوء حظ. وده رد على السؤال اللي شاغل دماغك.

سكت للحظة، ثم رقّت نبرة صوته وهو يتابع:

— أما بالنسبة ليا، فمن أول يوم شوفت عينيكي والحزن اللي جواهم، وأنا مش قادر أبعد عنك. ربنا بيخلق لكل بني آدم روح تشبهه، وأنا حاسس إن روحك من روحي يا ونس. وجودك بقى فارق في حياتي، وبقيتِ جزء منها من غير ما أحس.

ابتسم بمشاكسة، ثم أضاف:

— وبعدين، على رأي نبع الحنان، أنا وقعت على بوزي وحبيتك! بحبك يا ونس. عايزك تنسي اللي فات، وتعيشي معايا من جديد. عايزك تكوني ونس ليا، وتنسي حكاية النحس دي، وتدي لنفسك فرصة تعيشي اللي جاي من غير خوف.

تسارعت دقات قلبها، وشعرت بأن كلماته تلامس جروحًا حاولت طويلًا إخفاءها. للمرة الأولى، لم يطلب منها أحد أن تبرر ماضيها أو تعتذر عن كونها مطلقة، بل أخبرها أن لها الحق في الحب والحياة من جديد.

عقد أنس حاجبيه بمكر، ثم سألها:

— طب وإنتِ وافقتي ليه؟!

عضت ونس على شفتيها بخجل، وحاولت التهرب من الاعتراف بمشاعرها، ثم قالت:

— إنت مفيش حاجة تخلي أي بنت ترفضك... هرفضك أنا ليه؟!

ابتسم أنس، لكنه لم يقتنع بإجابتها، وظل يتأملها وهي تحاول إخفاء ارتباكها.

همس بصوت خافت:

— بس كده؟! أنا أقولك حبيتك وعشقتك، وده يبقى ردك؟!

تنفست ونس بعمق، ثم أجابته:

— وطبعًا جدعنتك ورجولتك معايا من أول يوم قابلتني فيه، إنت وماما نوال. إنتوا وقفتوا جنبي في وقت ما كانش عندي فيه حد.

اتسعت عينا أنس، وسألها باستنكار:

— يعني إيه بتحبيني أنا وماما نوال؟! قصدك إيه؟! ما تنطقي يا بنت الناس! هو أنا ليه قلبت شحات الغرام؟!

وقبل أن تتمكن ونس من الرد، ظهرت نوال فجأة، ونظرت إلى ابنها بريبة وهي تقول:

— مالك يا واد؟! إنت لازق فيها كده ليه؟!

تجمد أنس في مكانه، ثم نظر إليها بصدمة وقال:

— لازق فيها إيه؟! ده هي قاعدة على كرسي وأنا على كرسي، وبينا متر كامل! اتقي الله يا ست!

كادت ونس تتمنى لو تنشق الأرض وتبتلعها من شدة الإحراج، بينما مصمصت نوال شفتيها وردت بتهكم:

— طب إيه؟! مش لبست دبلتك وقعدت ترغي، واتعشيت كمان؟! يلا بقى، إحنا بننام بدري.

التفت أنس نحو ونس وقال باحتجاج:

— أنا كده بتطرد، صح؟! ها؟! ونس، مالكيش كلمة في الليلة دي!

أخذت ونس نفسًا عميقًا، ثم أجابته بصعوبة وهي تحاول إخفاء ابتسامتها:

— ماليش كلام بعد كلامها.

رفعت نوال ذقنها بانتصار وقالت:

— سمعت؟! يلا يا حبيبي، اتكل على الله!

نهض أنس وهو يوليها ظهره، وأخذ يتمتم بكلمات غير مفهومة، بينما لم تستطع ونس منع نفسها من الابتسام. لم تكن تتخيل أن يأتي يوم تشعر فيه بهذا القدر من الراحة والفرح، حتى وسط مشاحنات أنس ووالدته.


بعد مرور أسبوعين

مر أسبوعان على خطوبة أنس وونس، وخلالهما بدأت ملامح حياتهما تتغير تدريجيًا.

كانت ونس تقف داخل المكتبة، تتحدث مع فتاة تقاربها في العمر، وترسم على وجهها ابتسامة عذبة.

وفي الجهة الأخرى، كان أنس منشغلًا بإصلاح إحدى السيارات، لكنه لم يكن يغفل عن مراقبتها بين الحين والآخر.

وفجأة، لمح أمير يقف أمام ونس، بينما كانت الفتاة التي تتحدث معها تستعد للمغادرة. ازدادت ابتسامة ونس، وتعالت ضحكتها قليلًا، فاشتعلت عينا أنس بالغيرة، واحتقن وجهه وهو يتجه نحوهما بخطوات سريعة.

توقف أمامهما، ثم قال بلهجة ساخرة:

— الهانم صوت ضحكتها جايب آخر الشارع! والبيه إيه اللي جابه هنا؟!

نظر أمير إليه بامتعاض، ثم أجابه:

— مفيش، ماشي أهو!

رفع أنس حاجبه باستنكار، وقال:

— مالك يا برميل النكد؟! هو كل مرة نفس الحوار؟!

رد أمير بعفوية:

— طب ما تعرفني إنت يا زعامة!

وضع أنس يده على كتفه، وتحدث بنبرة الواثق الذي يظن نفسه خبيرًا في كل شيء:

— بص يا ابني، جو التسبيل ده انتهى من زمان. دلوقتي البنات عايزين حد... حد كده... أقولك إيه؟! إنت تعرف إبراهيم الأبيض؟!

عقد أمير حاجبيه محاولًا فهم مقصده، ثم سأله:

— إنت قصدك آخد بلطجية في وشي، زي إبراهيم الأبيض كده؟!

اتسعت عينا أنس في ذهول، ثم قال:

— تصدق بالله، إنت كار الارتباط والحب ده مش كارك خالص!

جاءه صوت ونس من الجانب الآخر، وهي تعقد ذراعيها أمام صدرها:

— بس كارك إنت، صح؟!

حك أنس مؤخرة رأسه، محاولًا التهرب من الموقف، ثم التفت إلى أمير وقال:

— هوبّا! مخصوم منك يومين يا أمير، عشان النكد اللي داخلين عليه ده. امشي على شغلك يلا!

غادر أمير، تاركًا أنس يلتفت نحو ونس ويرفع حاجبه بمكر.

قال لها:

— كل الكلام ده كان قبل ما أشوف العيون دي، والضحكة اللي بتنور قلبي من جوه. وبعدين، هو إحنا بنغير؟!

أشاحت ونس بوجهها إلى الجانب الآخر، محاولة السيطرة على ارتباكها، ثم أجابته:

— لأ، مش غيرة... بس يعني كرامتي!

ابتسم أنس بانتصار، وقال:

— لا، سلامة كرامتك! الله، وإحنا نقدر على كرامتك؟! بس برضه اسمها غيرة. ما تعترفي بقى وتقوليها!

خفضت ونس عينيها، ثم همست:

— طب بغير! وعلى فكرة، أنا مش كيوت زي ما إنت فاكر. ده أنا ممكن أطلع جناني عليك، فبلاش بقى! كفاية ماما نوال، كل يوم تحكيلي مغامرة ليك مع واحدة من اللي كنت بتكلمهم!

اتسعت عينا أنس بدهشة، ثم غرس أسنانه في شفته السفلى وقال:

— طب بذمتك، إنتِ مصدقة إنها أمي؟! والله أنا بدأت أشك إنها أمي فعلًا! دي أخلاق مرات الأب يا جدعان!

ضحكت ونس، لكن أنس سرعان ما تبدلت ملامحه، وعادت الغيرة لتسيطر عليه.

قال بحدة:

— صحيح، ضحكتك بقى! ضحكتك اللي بترن في الشارع كله! تصدقي بالله، أنا غلطان إني وافقت إنك تنزلي! وبالمناسبة، أنا بغير، وحطي تحتها مية خط، عشان غيرتي وحشة!

أنهى حديثه بنبرة تحذيرية، ثم أرسل إليها قبلة في الهواء قبل أن يستدير ويبتعد.

اتسعت عينا ونس في صدمة، ووضعت يدها على فمها وهي تهمس:

— ده طلع قليل الأدب فعلًا! أهو كلام ماما نوال طلع صح!


مفاجأة غير متوقعة

بعد مرور أكثر من ساعة، كان أنس قد عاد إلى عمله، بينما وقفت ونس داخل المكتبة ترتب الكتب على الرفوف.

كانت منشغلة بعملها حين وصل إلى مسامعها صراخ وضجيج في الخارج.

توقفت عن ترتيب الكتب، والتفتت نحو مصدر الأصوات بقلق، ثم أسرعت إلى المدخل وأطلت برأسها لتعرف ما الذي يحدث.

لكن المشهد الذي رأته جعل قلبها ينتفض من الخوف.

كان هناك عدد من الرجال يحملون أنس، بينما كانت الدماء تغطي يده.

تجمدت ونس في مكانها، واتسعت عيناها في ذهول، وهي تحاول استيعاب ما تراه أمامها.

يتبع في الفصل السادس...

شاركنا رأيك وانطباعك

0 تعليقات
اترك تعليقاً على هذا العمل
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يشارك برأيه!

أعمال أخرى قد تعجبك

تعليق 0