رواية قصص رعب وإثارة 25 أكتوبر 2026

رواية اشباح المخابرات الفصل الاول بقلم ايه محمد رفعت

ايه محمد رفعت
مؤلف العمل
الخط:
رواية اشباح المخابرات الفصل الاول بقلم ايه محمد رفعت
تتردد أضواء الشمس فوق المزرعة الهادئة لتغطي على أجواء مشحونة بالترقب والتدريب القاسي، حيث يمارس الفريق «رحيم» (الأسطورة) طقوسه الأمنية العنيفة واختباراته المباغتة لرجال أمنه، وصولاً إلى تدبير مفاجأة خطيرة تتضمن زرع قنبلة وهمية في السيارة للضغط على ابنه الرائد «زين» واختبار سرعة بديهته وجاهزيته.

في المقابل، تدور حوارات طريفة ومشحونة بالدعم الأسري والرومانسية الخفية بين «مراد» (الجوكر) وابنته «مرين» وابنه «زين»، بينما يتلقى الرائد «ياسين» تشجيعاً خاصاً ودعماً مطلقاً من جده «ياسين الجارحي» لخوض هذه التجربة العسكرية الصعبة، لتنتهي الأحداث باجتماع الأبطال عند مقر التدريب السري تحت أنظار المراقبة والمواجهة المرتقبة.

أسكبت الشمس أشعتها الدافئة، وتسللت بخفةٍ ودلال لتخترق أغصان الأشجار الثابتة رغم تمرد تيار الهواء. كانت الأوراق الجافة تتساقط وتتلوى على الأرض كأنها تنازع رمقها الأخير، على عكس ذاك الذي يخطو فوقها بثبات ونشاط ينافي عمره الفعلي.

تطايرت الأوراق من حوله وهو يركض براحة وخفة، بينما أذناه تلتقطان الحركة الخافتة من خلفه. فجأة، قطع طريقه ومال بذراعيه يمارس بعض التمارين—هكذا ظنّ من يراقبه! لكنه باغتهم حين استدار في لحظة خاطفة مصوبًا سلاحه نحو الرجلين خلفه. ارتبك الحارسان ورفعا أيديهما بدهشة، إذ لم يدرِ أحد كيف أو متى استلّ سلاحه.

عبث بزيتونيّة عينيه التي تنقلت بينهما بملل، ثم أعاد السلاح إلى جيب جاكيته الرياضي وهتف بجمود: — هو أنت مش هتبطل لعب العيال ده أنت والسفيه اللي معاك؟!

تطلع الحارسان لبعضهما بوجل، وتنحنح أحدهما متلعثمًا: — ملقناش حضرتك في أوضتك فـ...

قاطعه ساخرًا: — فنزلت تدور عليا؟ عيل صغير خايف عليه أنت؟!

أسرع الآخر ينفي باضطراب: — العفو يا باشا، بس...

هدر "رحيم" بعنفوان يقطع حديثه: — خاف على نفسك أنت وهو، أنا ميتخافش عليا! بالعكس، وجودكم هنا بيحملني مسؤولية إنقاذكم، وأنا بصراحة مبقتش طايق أشوف خلقتكم.

ثم استدار ليواصل طريقه وهو يلقي إنذاره الأخير: — سلاحي نفسه يسلم على حد، حصلوني لو عايزين تناموا في أجواء شاعرية ممتازة زي دي!

تراجع الحارسان سريعًا وركضا في الاتجاه المعاكس، بينما واصل هو طريقه نحو المزرعة. دخل للداخل والتقط المنشفة وزجاجة المياه من أحد الحراس، فاقترب منه حارس آخر مسلح وهمس بتذكير: — العربية بانتظار سعادتك بره يا سيادة الفريق، تحب حضرتك أخليهم ينتظروك جوه المزرعة؟

ترك رحيم ما بيده ورد دون أن تفارق عيناه الأبواب الخشبية الخلفية: — لا، أنا هخرج.

ثم أضاف بخبث امتلأت به عيناه الزيتونية: — جبت اللي طلبته منك؟

أومأ الحارس مؤكدًا وهو يشير إلى أحد الصناديق جانبًا: — بنفس المواصفات اللي طلبتا، والطريق قدام المزرعة متأمن تمامًا.

انبلجت ابتسامة ماكرة على وجه رحيم، وأشار بعينيه نحو الصندوق: — فرجني!

رمش الحارس بدهشة من هذا الطلب الخطير، وتساءل بارتباك: — مش خطر يا باشا؟

شمله رحيم بنظرة حادة من رأسه حتى أخمص قدميه، فسحب الحارس الصندوق وفتحه على الفور وهو يلعن حماقته؛ فمن غير رحيم يعلم كيف يتعامل مع هذا النوع الفتاك من القنابل؟

اتسعت ابتسامة رحيم وسأله وهو يتطلع للقنبلة بنظرات شيطانية: — الباشا بتاعك فين؟

قطب الحارس جبينه عدم فهم: — مراد باشا؟

كان صمته كافيًا لإجابته، فتنحنح الحارس بتوتر وأسرع قائلاً: — لسه منزلش من أوضته يا باشا، مفيش غير سيادة الرائد اللي نزل من شوية لأوضة التدريب، في نفس معاده زي كل يوم.

استل رحيم هاتفه من جيب بنطاله، وانتظر حتى جاءه الصوت الناعس المتهدج عبر الخط: — خير؟

حافظ رحيم على ثباته وهدر برزانة صادمة: — صباحك بصوت الرصاص يا شريك!

وتابع وهو يراقب شرفة الغرفة العلوية: — في قنبلة تحت في انتظارك، عايزك تركبها في عربيتي، ويا ريت تحطها في الكنبة اللي ورا تحت الكرسي بتاعي بالتحديد، عشان أسيطر على الموضوع لو خرج عن السيطرة.

أنهى كلماته وأغلق الخط دون انتظار رد، ثم اتجه نحو الصالة الرياضية بابتسامة انتشاء يفوح منها المكر.

في الطابق العلوي، وتحديدًا في غرفة "الجوكر"، أزاح مراد الغطاء عنه وهو يتمتم بغيظ: — أنا كنت عارف إن السفرية دي وراها مصيبة!

تبدد غضبه فورًا وهو يلقي نظرة حنونة على ابنته التي تغفو على كتفه، وشعرها البني يتناثر بنعومة. ابتسم مراد برفق؛ فهذه الفتاة لم ترث منه ملامحه فحسب، بل شاركته قوة الشخصية وكل تفاصيل مفضلاته.

طبع قبلة حانية على جبينها وسحب كتفه بمهارة وحذر ليدثرها، لكن قبل أن تصل يده بالغطاء، قبضت هي على كفه وواجهته بشراسة فطريّة ما لبثت أن ارتخت وهي تتعرف على ملامحه. مالت على الوسادة وأردفت بابتسامة جذابة: — صباح الخير على أجمل بابي في الدنيا كلها.

صدرت عنه ضحكة مسموعة وجلس جوارها يداعبها: — بابي إيه بقى! من شوية كنتي ماسكاني مسكة المخبر للحرامي! مرين، افصلي ما بين شغلك وحياتك، أي مكان أكون معاكي فيه فهو أمان.

طالعته بزُرقة عينيها الساحرة، وقالت بثقة: — واثقة من ده، الجوكر عمره ما يأمن مكان ويخترقه حد! وبعدين مين اللي مامته دعياله ده اللي يفكر يدخل مكان فيه الجوكر والأسطورة؟!

تلاشت ابتسامته وهدر بنزق: — لا، أي مكان فيه عمك لازم تخافي وتنامي قلقانة يا حبيبتي!

نهض نحو الخزانة وأضاف وهو يستخرج معطفه: — أهو جايب قنبلة تحت وشكله ناوي يفجر البيت على دماغنا، والله أعلم هنزل ألاقيه عمل إيه في زين.. أنا بترعب عليه معاه أكتر من رعبي عليه وسط المجرمين!

جلجلت ضحكتها الرقيقة ومالت تستند على كف يدها: — بالعكس، أنكل رحيم لذيذ جداً، ومظنش إنه بالقسوة اللي حضرتك شايفه بيها يا جوكر.

ارتدى معطفه الأسود واتجه للمرآة يصفف شعره وهو يرد بسخرية: — هو معاكي أنتِ بس بيبقى لذيذ! من كرم ربنا ورأفته بيا إني مجاليش أولاد صبيان...

ثم أضاف بحزن مفتعل مضحك: — بس للأسف مضطر كل ٥ دقايق أنقذ زين من تحت إيده!

استدار نحوها يحذرها: — أنا هنزل أشوف الدنيا فيها إيه، وأنتِ كملي نومك عشان أكون مطمن عليكِ تمامًا من جنان عمك.

وتابع من بين أسنانه: — أنا من الأول وأنا شاكك في السفرية الغريبة دي، لا ومصر يطلع مع زين لوحده.. كويس إني صممت أطلع معاهم!

اتسعت ابتسامة مرين وقالت بعنجهية: — وأنا كمان مبسوطة إني أصريت وطلعت معاكم يا سيادة الفريق.

ضحك مستهزئًا: — بمناسبة إن الأنكل بتاعك إترقى وبقى فريق أول، سيادته شايف نفسه عليا عشان سبقني مرة في الترقية! ومن أولها منزلني أركبله قنبلة في عربيته.. بيأمرني جنابه!

استقامت في جلستها وربعت ذراعيها فوق الوسادة وقالت بإمعان: — بابي.. أنا حاسة إن المقصود من حوار القنبلة دي زين مش أنكل!

توقفت يده عن تمشيط شعره بصدمة. ألقى مراد ما بيده وهرع إلى الأسفل قاصدًا الصالة الرياضية عبر الدرج الداخلي، يفتش عنه والقلق يكتسح ملامحه الوسيمة، حتى عثر عليه. وما إن رآه واستمع لما يقوله، حتى ابتسم رغمًا عنه.

كان زين يميل على حافة الجهاز صعودًا وهبوطًا بجسده العضلي المفتول، يحمل بيده وزنًا ثقيلاً ويضع الهاتف على أذنه. كانت ابتسامته الرجولية تزيد من جاذبيته، ونبرته الحنونة تناقض تمارينه العنيفة: — حبيبتي، أنا عارف إني عصبي، بس هعمل إيه؟ بغير عليكِ غصب عني! وبعدين أنا مش فاهم أنتِ زعلانة ليه؟ يعني كنتِ هتبقي سعيدة لو ضغطت على نفسي وجاتلي جلطة؟ كان لازم أهدي نفسي بأقصى سرعة، وهدوئي مبينزلش إلا بالضرب.. وطبعًا مستحيل أعملها معاكي بتاتًا، ولا أنا مجنون عشان أضرب نفسي مثلاً! يبقى العقل والمنطق بيقولوا إيه؟

سكت قليلاً يستمع لرئيسة الخط، ثم قال بمكر: — هجاوبك بقلبي يا روح قلبي.. العقل والمنطق بيقولوا إن الدكتور ده هو اللي يتربى، عشان بعد كده يبقى يسأل كويس قبل ما يفكر يتقدم لأي واحدة!

ترك ما بيده ومال على ظهره يتطلع للفراغ بهيام استقر في عينيه الزيتونية: — طيب لعلمك بقى، أنا بسبب زعلك ده بعارض تعليمات الأسطورة.. سلمته موبايلي أول ما وصلنا وخبيت الاحتياطي عشان صوتك لو غاب عني روحي هتروح، وهي على طول رايحة وجاية معاكي وليكي.

ثم اعتدل جالسًا وأضاف: — يكفي إني مستحمل أختك ناصفة حقوق المرأة دي والله عشانك! فيها شبه منك فمبقدرش أخد معاها أي رد فعل.. شوفتي عشقك عامل فيا إيه يا ميري؟

— شوفت وسمعت كل حاجة يا حبيبي! بس لو مش هقاطع رومانسياتك، تخبي الموبايل ده فورًا وتخرجلي هنا حالاً!

كانت هذه الكلمات للجوكر الذي كان يستند على جهاز الركض يتابعه باستهزاء. أخفى زين هاتفه سريعًا ووقف أمامه يؤدي التحية العسكرية، فأشار له مراد بضيق: — نزل إيدك، وافصلوا ما بين تعاملكم في البيت وفي الجهاز!

ارتسمت ابتسامة ساخرة على وجه زين وقال: — إزاي والباشا أخوك لو مضربتش التحية العسكرية ليه ٦ مرات في اليوم بيخليني ألعب ٦٠ ضغط في أي مكان؟!

ثم مازحه بضحكة رجولية أركبت مراد الابتسام: — هموت وأعرف أنتوا أخوات إزاي؟ مفيش فيكم شبه من بعض، حضرتك أزرق وهو زيتوني!

هدر فيه مراد بجدية تقطع مزاحه: — اليومين الدلع اللي اتدلعتم انسحبوا منك.. رحيم توابيت—قصدي رحيم قنابل—محضرلك مفاجأة بره!

نزع زين القفازات عن يديه وقال بضيق: — كنت عارف إن دوره جاي! ما إحنا ما شاء الله الفريق الوحيد اللي لف على أكفأ قادة الجهاز، وكنت فاكر إن الختام مع ليل العربي.. لا، لسه للأسطورة دور!

دس مراد يديه في جيب بنطاله وقال بمكر: — المهم إنك في وسط التوابيت والقنابل والأسلحة متنساش تربيتي الناعمة ليك.

ضحك زين بصوت مسموع: — هبقى جنتلمان حتى وأنا بموت، عنيا يا قائد!

ثم استطرد وهو ينزع ملابسه المبتلة بالعرق: — لعلمك، أخوك لو فكر يجرب رصاص سلاحه وملقاش اللي يجرب فيه هيستخدمني عادي.. أنا ساعات بحس إنه على وشك يضربني بأر بي جي!

اقترب الجوكر منه وسحب الهاتف من يده ليخفيه في جيب سترته قائلاً: — طيب هات ده، عشان لو لقاه معاك هيريحك في أقرب تابوت!

تجهمت ملامح زين وقال بدرامية: — حضرتك كده بتمنع عني روحي، من فضلك رجعهالي حالاً!

زوى مراد حاجبيه بسخرية: — خليك جنبها وأنت متفترقش عنها! وبعدين أنا علمتك تكون جنتلمان مش كذاب.. بتتخابث على البنت وبتستغل براءتها؟

سحب زين قميصه الأسود ليرتديه وقال بشرود: — هي بريئة بس؟! دي الرقة والدلال اتقسموا ليها.. دي المهدئ اللي بيخفف عني ضغوطات اليوم كله.

طرق مراد على كتفه ليستعيد وعيه وأخبره بحزم: — أنت بتتجاوز حدودك في الكلام عنها في وجودي لعلمك!

رد زين بنفس أسلوبه: — سبق وقولت لحضرتك نكتب الكتاب وتأخد المهر اللي أنت عايزه، أنا مستعد لكل حاجة!

واستكمل ضاحكًا: — أنا بقول تركز مع مرين شوية وتسيبك مننا.. دي طالعة شبهك جداً يا عمي، إلا في حتة العقل! مندفعة ومتسرعة بشكل يخنق، وكل ما يحصل حاجة تفتح في محاضرات مفيش فرق بين الست والراجل.. حرفيًا فلقت دماغي بفارق الكام شهر اللي بينا!

وتابع وابتسامة خبيثة تجوب وجهه: — من نعم ربنا عليا إنها تكون قصادي كده عشان أحمد ربنا ألف مرة على مارال، حبيبتي الهادية الرقيقة.. مش عارف بصراحة إزاي الاتنين أخوات!

قطب مراد جبينه باستنكار: — لسه في حاجة تانية عايز تقولها عن بناتي؟

هز زين رأسه وهو يداري ضحكاته بصعوبة: — عايز أقولك إني على وشك أتيقن إن في شعلة خيط بدأت ما بين الأخ مرين وما بين أكتر شخص مؤهل يعملها كنترول!

قطع حديثهما دخول الحارس وهو يقول بقلق جلي: — الباشا عايز حضرتك بره يا سيادة الرائد.

ضم زين شفتيه بنزق وتطلع نحو مراد الذي تنهد بملل وسبقه للخارج.

كان رحيم بانتظارهما بعدما أبدل ثيابه لبذلة سوداء أنيقة. حياه زين بثبات: — صباح الخير يا فندم.

حرك رحيم رأسه والمكر يملأ وجهه، خاصة وهو ينظر لمراد الذي يتابع الموقف بإمعان. ألقى رحيم المفتاح لنحو زين وقال بجفاف: — دور العربية وهاتها قدام باب المزرعة.

التقط زين المفتاح وغادر ليفعل ما أُمر به. وقف الشقيقان قبالة بعضهما، فاتسعت ابتسامة رحيم وهتف: — أتمنى تكون أحلامك كانت سعيدة يا شريك، خصوصًا في أجواء المزرعة الرائعة دي!

منحه مراد ابتسامة ساخرة وقال بخشونة: — ما تجيب نهايتك يا رحيم وتقولي الليلة دي وراها إيه؟

اختلس رحيم نظرة نحو زين الذي يصف السيارة بالخارج، وقال هامسًا: — الأمانة اتزرعت في العربية.. عايزك تلفت انتباهه بهدوء للعربية، ومن غير ما تبينله أو تكشفله حاجة.

وغمز بخبث: — من حقنا نقيم شغل ليل العربي ولا إيه؟

كز مراد على أسنانه وهدر بحنق: — أنت اتجننت يا رحيم؟! أمانة إيه دي اللي جوه العربية، لا وخلته يجيبهالك كمان!!

تجاهل رحيم كلامه واستدار نحو زين الذي عاد يخبره: — العربية بره بانتظار معاليك يا سيادة الفريق.

حافظ رحيم على نظراته التحدية لأخيه، وصحح بانتشاء: — فريق أول.. عمك هو اللي فريق!

ثم غمز لزين بخبث وهو يغادر: — لينا كلام له بقية.

اتجه رحيم نحو سيارته، تاركًا مراد يستشيط غضبًا وصدمة. لاحظ زين اضطراب مراد، فناداه بقلق: — عمي، حضرتك كويس؟

احتقنت عينا مراد الزرقاوان وصاح بعصبية: — أنت إزاي جبت العربية ومحستش إن فيها حاجة مش طبيعية؟! أنا قولتلك اتعامل هنا بطبيعتك بس مش معناها إنك تنساها!

بدا الحديث غامضًا لزين، لكنه بدأ يستعيد لقطات تحركاته السابقة رويدًا رويدًا حتى التقط المغزى! خفق قلبه وهرع راكضًا بمهارة وخفة خلف سيارة أبيه وهو يصرخ لينبهه: — باشـــــا! العربية فيها قنبلة.. وقف العربيـــــة!

انسحب القلق من صدره وتحول إلى رعب حقيقي حين انحرفت السيارة في أحد الطرق الجانبية، ثم تهاوت وانفجرت مدوية وسط اشتعال النيران فيها! تعالت صيحة زين المذعورة بهلع: — بــــــابـــــــا!!

لكن من خلف إحدى التلال الصخرية، خرج رحيم هادئًا يرتشف كوب قهوته الذي قدمه له أحد الحراس. أنهى رشفته ونظر لساعته مرسلًا نظرة خاطفة لزين: — ٦٠ ثانية كانوا قادرين يخلوك يتيم اللي باقي من عمرك يا قلب أبوك!

راقب زين الموقف وهو يلتقط أنفاسه بصعوبة بالغة، غير مصدق أن الجنون وصل بأبيه إلى هذا الحد! أعاد رحيم الكوب للحارس، ومر من جوار زين المصدوم، ثم نزع نظارته السوداء وقال: — حضر شنطتك واطلع على اللوكيشن اللي في تاب عربيتك.. هتلاقي شريكك مستنيك. استنى مني رسالة هحدد فيها اللوكيشن اللي هتكونوا فيه بعد ساعة.

استدار ليركب سيارته الأخرى، ثم أردف بخبث: — يا ريت تهدي سواقتك المجنونة، عشان بنت عمك متوهش وراك وهي بتراقبك!

في مكان آخر، كان الخيل يتهادى في خطاه بتناغم وخضوع لسيطرة فارسه الذي يحكم قبضته عليه منذ خروجه من الإسطبل. وفي لحظة صفاء، اتخذ الفارس قرارًا مفاجئًا؛ وقف على ظهر الخيل المسرع بجسده الممشوق بثبات عجيب! قد يبدو الأمر تهورًا، لكنه لم يكن سوى انعكاس لمدى سيطرته وثقته العالية بنفسه.

تطايرت أطراف قميصه الأبيض من خلفه، بينما تبرز ذراعاه المفتولتان. كان يغلق عينيه العسليتين تارة ويفتحهما تارة مستمتعًا بالأجواء. ومن بين لحظات اندماجه، أبصر شخصًا يراقبه من الطابق العلوي للمزرعة ويرفع يده بالتحية.

تهللت أسارير "ياسين"، وققز عن ظهر الخيل بهبوط سلس، ثم هرع صاعدًا وهو يهتف بعدم تصديق: — حضرتك هنا؟ معقول؟!

انحنى يقبل يد ورأس جده بفرحة، بينما قابله الجد بابتسامة حنونة وهو يتأمله بحب: — محبتش أسيبك لوحدك هنا، خصوصًا إن وجودك بالمزرعة كان اقتراحي.

جذب ياسين مقعدًا وقربه بلطف: — وجودك أحلى ما في السفرية كلها! أنا حقيقي مش مستوعب إني هقضي مع حضرتك كام يوم هنا.

نزع الجد نظارته السوداء عن عينيه العسليتين—اللتين ورثهما عنه حفيده—وقال بنبرة رزينة: — أنت مش هتفضل هنا عشان تكون معايا يا ياسين.

بدا ياسين غير مستوعب، فمال بجسده للأمام يستند على الطاولة الفاصلة بينهما: — مش معقول إنك مفهمتش إني كنت بهربك من حصار عدي بموافقتي على سفرك لهنا؟

سأله ياسين بفضول: — طيب ليه؟

ارتسمت ابتسامة مكر على وجه الجد الجذاب رغم علامات تقدم العمر: — لأني متحمس أسمع منك مغامرة جديدة من مغامراتك.. والمرادي القادة ناس اتمنيت كتير تشتغل معاهم.

واستطرد وابتسامته تتسع: — ومفيش أمنية يتمناها حفيد ياسين الجارحي ومتكونش بين إيديه!

اتسعت عينا الحفيد بدهشة: — الجوكر والأسطورة؟!

طرق الجد بإصْبعه على الطاولة، فتقدم الخادم يحمل حقيبة صغيرة لياسين، بينما قدم له "ياسين الجارحي" حقيبة أدوات رسم صغيرة، قائلاً بثباته المعهود: — مهما كبرت فوق العمر عمر، مش هبطل أشتريلك كراسات رسم وأقلام.

وأضاف برزانة: — زمان وأنت في الكلية كنت بتقول إن الرسم بالنسبة لشغلك مش حاجة مفيدة، بس ده مش صحيح.. مفيش موهبة الإنسان بيمتلكها إلا ويقدر يستفاد منها. وزي ما تابعت معاك كل رحلة وكل فترة عديت بيها، رجوعك من الرحلة دي هيكون من إيجابياتها استغلالك لكل موهبة بتمتلكها يا ياسين.

أدمعت عينا الشاب تأثرًا، فنهض وقبل يد جده مجددًا. احتضنه الجد بحنان وقال: — يلا عشان متتأخرش يا سيادة الرائد.

مسح دموعه وقال بتوتر: — بس بابا مش هيسكت المرادي لو عرف...

قاطعه الجد بصرامة: — ده قراري أنا، ولو يقدر يعارضني كان نجح في ده من زمان! أنا اللي أقوله هيمشي غصب عنه.

ثم عادت ابتسامته الدفيئة وقال: — المهم إنك تكون سعيد ومرتاح.

رد ياسين بحب: — طبعًا سعيد جداً! كفاية إني عندي صديق وأخ وأب وجد.. وكل ده في شخص واحد. حضرتك بالنسبة لي كمالة كل شيء.

ربت الجد على يده مبتسمًا: — طيب يلا، زين بيستناك!

كان زين يميل مستندًا على حافة سيارته والغضب يلتهم ملامحه؛ كم يتمنى لو يترك كل شيء ليحصل على قليل من الهدوء!

ظهر صديقه ياسين يعبر بوابة المزرعة مترافقًا مع حقائبه. فتح زين صندوق السيارة وهدر بسخط: — الظاهر إننا مش مكتوب علينا نفارق بعض حتى لو لأسبوع!

دفع ياسين الحقيبة للداخل واستند على طرف السيارة ضاحكًا: — أنا حاسس إني حفظت خلقتك أكتر من عيلتي نفسها! كفاية إنك بتفكرني بكل الصعاب اللي عدينا بيها مع بعض.

وتابع بحماس: — والمرادي الرحلة مختلفة وتشد، خصوصًا مع قائد عظيم زي الأسطورة!

منحه زين ابتسامة ساخطة: — نص ثقتك دي وهأمن أنام معاه في بيت واحد من غير ما أحط مسدسي تحت مخدتي! عمومًا، جايز الرحلة السودة دي تعرفك إنك مخدوع فيه.

اعتدل ياسين واتجه للسيارة بخطوات واثقة: — أنت صح.. أنا محتاج أكون تجربتي الخاصة.

ركب زين مقعد القيادة وانطلق بتمهل يتبع الخريطة، حتى وصلا لموقع سري مخصص للتدريب. هبطا ومعهما الحقائب.

تحرك ياسين أولاً وانتظر أن يلحق به زين، لكن الأخير ظل واثقًا يراقب الطريق بضيق. عاد إليه ياسين وسأله باستغراب: — واقف عندك ليه؟

أشار زين بعينيه نحو الفتاة التي تهبط من فوق دراجتها النارية: — بستنى سيادتها تشرف هي كمان! بقالها ساعة بتراقبني.. مش عارف هتقتنع امتى إن مش كل التمارين تنفع للبنات!

استدار ياسين نحوها ينظر إليها بنظرة غموض، بينما قابلته هي بنظرة هادئة تخفي الكثير خلف ستائرها المغلقة التي لن تدوم هكذا طويلاً...


شاركنا رأيك وانطباعك

0 تعليقات
اترك تعليقاً على هذا العمل
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يشارك برأيه!

أعمال أخرى قد تعجبك

تعليق 0