رواية اشباح المخابرات الفصل الخامس بقلم ايه محمد رفعت
تحكَّم بالقيادة ببراعةٍ لا تخص سواه. إن كنت ترى صعوده بالطائرة ببطءٍ على سفح العمارة كأنها إنسان يتسلق بمهارةٍ، ستفرك عينيك من هول ما تراه ولن تصدق الأمر في النهاية. وإذا به يختلس نظرة لمن تتجه للصندوق الموصود، تتسلح بأسلحتها المفضلة، وهي تشم عبيرها باشتياقٍ جعل "زين" يبتسم بسخريةٍ اتبعت نبرته: — على السادة الركاب التمسك بالمقاعد عشان متتقلبيش برة في ساحة العدو قبل ما نديله القلم!
منحته نظرة قوية وقالت بثباتٍ لا يليق إلا بالرجال: — متقلقش عليا، كمل طريقك يا شريك.
رفع المقبض وهو يهتف بسعة وترحاب: — لقد تم التحذير بنجاح!
عادت الطائرة لوضعها الطبيعي تحلق فوق سطح المبنى، ولم تلفت الانتباه لها في ظاهرة لا تحدث إلا على يد شبح محترف من فريق أشباح المخابرات! وكأنه جان اختفى بالطائرة ثم ظهر بها فجأة فوق سطح المبنى، بينما ينفتح بابها وتظهر "قدس" بأسلحتها المدببة، تستهدف المجموعة المحاصرة لحماية سطح البناية. تسقط واحداً تلو الآخر بسرعة متمرسة لدرجة جعلت زين يسترخي في جلسته وهو على أتم الثقة فيما ستتمكن من فعله.
ومع سقوط آخر جثمان قفزت على سطح المبنى، تلتقط إشارة "مرين" بابتسامة مستمتعة، فاتجهت لذلك التجويف الخاص بالتكييفات الحامل لبصمة أحمر الشفاه—والتي تتخذها كلتاهما كإشارة متبادلة بينهما لكرههما الشديد لمستحضرات التجميل.
كسرت الغطاء الخارجي وتطلعت للأنبوب الداخلي، فوجدت الصغير بالداخل مثلما توقعت. دست سلاحها الكبير للخلف حتى لا تخيفه ومدت ذراعيها تلتقطه وهي تخدعه بابتسامتها الرقيقة: — لا تخف يا صغير، لقد أرسلنا أبوك إليك.
تلك الفتاة ملامحها البريئة تخدع القديس؛ هيئتها الخارجية لا تربطها بأي صلة بإجرامية أفعالها. حملته وعادت للطائرة، تضعه على المقعد وتلف الحزام من حوله، ثم استدارت تسلط سلاحها على الباب الرئيسي الذي يعد المدخل الوحيد للسطح العلوي، متسائلة بجمود: — المفروض إنهم يخرجوا إمتى؟
أجابها ذلك المستند برأسه للخلف باسترخاء: — إديهم دقيقة يفضوا خناقتهم وهيشرفونا، وبعدها بـ ٣٠ ثانية هيشرفنا أربع أو خمس أوغاد من مجموعة الدور الخامس بسبب عناد مروان أشطا!
سحبت سلاحها الإضافي وقالت مبتسمة: — تعند براحتها، أنا جاهزة وفي استقبالهم!
فتح عينه الزيتونية وردد بتهكم: — محدش بيخلص الفينش الأخير من المشهد غير ياسين ومروان أشطا!
كل لفظ خرج عن لسانه تحقق بالنص؛ ثلاثون ثانية واكتظت الطوابق بعدد غفير من الرجال بعد أن كشفوا الفخ ولاحظوا اختفاء الصغير. هرولوا جميعاً لسطح البناية بينما تركض مرين ومن خلفها ياسين للأعلى.
دفعت مرين الباب بيدها المصابة وقد تناست أمرها، فضمتها لصدرها وهي تعتصر وجعها بصمت، ما زاد من غضب ياسين الذي اعتصر نواجذه بعصبية مفرطة. أطبق على الباب الخشبي المتهالك فدفعه عنها دفعة قوية أسقطته للخلف بقوة أفزعتها.
مرت مرين تسرع بخطواتها نحو الطائرة التي ارتفعت عن السطح فور أن رآهما زين، واستعد للإقلاع فور أن تلقى إشارة تنبيهية من ياسين بالقادم من خلفهما.
ركض كلاهما نحو باب الدخول، فانسحبت قدس لأن الأمر سيتطلب من كلاهما القفز عالياً. وبالفعل نجح ياسين بالقفز داخل باب الطائرة المفتوح على مصراعيه، واستدار يلتقف مرين. أمسك حزام أسلحتها جيداً وما زال جسدها يتدلى للخارج بينما وجهها في مقابله. رفع عينيه العسليتين عنها إلى مدخل الباب، ثم عاد يتعمق بعينيها يقدم إشارة سريعة لها في نفس وقت لفظه الخشن: — زيــن!
لحظة مصيرية اتخذ بها أعضاء الفريق طريقاً مشتركاً يحفه الانسجام الذي جعلهم من أفضل فرق المخابرات؛ فإذا بـ "مرين" تسحب سلاحي ياسين المحاطين بخصره وتستدير بجسدها للخلف في مواجهتهم وهي على ثقة بأنه لن يترك الحزام المتحكم بجسدها، تحقق إشارته وأمره الصامت في نفس لحظة تلقي زين إشارته. أدار زين الطائرة لتكون وجهتها الأمامية قبالة طلقات النيران التي أمطرت فجأة عليهم، يقدم وجهة آمنة عن جسد مرين ويسدد مدفعيته نحوهم.
نجح بأن يستهدف المدخل بينما تسدد مرين إصابات مباشرة تصيب منتصف الرأس دون رجعة. لم تحصد أي إصابة سطحية أبداً، بل تبدي كل مرة استحسان وتقدير مدربيها حتى تمكن زين من الارتقاء بهم والابتعاد عن المبنى كلياً، مسدداً قنبلة هبطت على سطح المبنى هدّمته. وقد تمكنت زرقاء عينيها من التقاط المشهد برمته وما زالت ترترنح خارج الطائرة، إلى أن سحب ياسين الحزام بقوة فتهاوى إليه جسدها وخصلاتها تتحرر من أسفل قبعة جاكيتها الأسود، تميل قبالته وأعينهما في اشتباك ضارٍ!
رأت فيه مرين فخراً بما فعلته منذ قليل، بل ومدحها بصوت منخفض بينما ينسحب لمقعده المخصص جوار رفيقه: — قناصة درجة أولى يا عنيدة هانم!
راقبته وهو ينسحب بهدوء بعدما أحدث فيها معركة بعثر فيها ثباتها، وكأنه يتعمد أن يؤدي بها لصورة مكتملة داخل إطارها طفيف من التفاهم اللحظي والسريع المتبادل بينهما!
أفاقت على ضمة قدس لها وهي تردد بشوق: — وحشتيني أوي يا ميري!
أحاطتها بقوة وابتسامة مشرقة تحتل ثغرها: — عرفت إنك حاضرة من أول ما بدأتي عزف بعد الإشارة.
ابتسمت بمكر ساخر: — طبعاً حضوري مميز!
وأضافت وهي تضحك رفقتها: — كان ورايا حفلة طبخ بس غيرت النية وعقدتها على حفلة أسلحة ورصاص!
جلست كلتاهما جوار الصغير، بينما في الأمام يهتف زين وعيناه لا تفارقان طريقه: — حمد الله على سلامتك يا شريك.. تصدق إني أفتقدتك الساعتين اللي عدوا دول!
لم يجبه ياسين، بل كان يتطلع أمامه بشرود، ومشهد ضرب هذا الرجل لها لا يفارقه؛ قبضة يده تئن ألماً من فرط اعتصارهما لبعضهما البعض.
راقب زين كل حركة صادرة عنه، ثم أشاح بصره عنه وتمتم ساخطاً: — عاملها مروان أشطا!
تقلب مراد في فراشه بانزعاج وهو يستدعي النوم إليه، فإذا به يبرق بدهشة حين وجد أخاه يجلس على المقعد المقابل له يتطلع إليه بصمت خبيث وهو يضع ساقاً فوق الأخرى. زم مراد شفتيه بحنق واعتدل في منامته يجذب قميص بيجامته يرتديه وما زال يقابله بنزق جعل رحيم يهدر بسخرية مضحكة: — في حد يقابل أخوه بنظرة الكراهية دي؟ إيه.. جاي أقبض روحك أنا؟!
زوى حاجبيه باستنكار وجابهه: — لا سمح الله! جاي بس تقلق منامي أكتر ما هو هربان.
ورسم ابتسامة مغتصبة: — سيادة الفريق جاي لحد هنا ليه؟
اتسعت ابتسامته وردد بتشفٍّ: — فريق أول لو سمحت!
احتقنت زرقاوتاه بغضب أتبع صوته المتعصب: — عايز إيه في يومك ده يا رحيم؟ وإنجز عشان مش فايقلك!
حل ساقيه وسحب مقعده يقربه من الفراش، ثم قال: — هو إنت هتفضل في الحالة دي كل ما مرين تطلع مهمة؟ إنت المفروض تكون واثق في زين وياسين؛ طول ما هي معاهم مستحيل حد يمسها بأي أذى!
تنهد بوجع فشل بإخفائه ونطق بحزن: — غصب عني.. مبتروحش من بالي لما بتبعد عني! هي بالذات بخاف عليها بشكل مرضي؛ يمكن لأني عارف دماغها ناشفة وعنيدة إزاي، وخصوصاً قدام زين وياسين.
وأبلغ أخاه بما يضيق به صدره: — مرين عايزة تثبت نفسها وعشان تعمل ده مستعدة تتخلى عن أي حاجة، حتى لو كان الحد ده اللي بسعى يكون شريك حياتها.
ابتسم رحيم وقال بنبرة لطيفة: — ده على كده بقى فاتني كتير.. هو إنت قبلت عرض ياسين باشا الجارحي ولا إيه؟
تبسم ساخطاً وهو يقول: — ما إنت عارف إني قابل بعرضه والأولاد صغيرين وبيدرسوا لسه.
وهدر بانزعاج: — وبعدين موافقتي مش هتقدم ولا هتأخر؛ للأسف الرأي الأول والأخير لمرين!
أجابه رحيم بثقة: — دي تسيبها لياسين نفسه.. دي حربه هو ومجبور يكسبها!
وأضاف رحيم بغرور: — بنتي مش زي أي بنت؛ لو هو بيحبها فعلاً لازم يقبل إنها تكون جنبه مش وراه زي ما هو اتعود جوه قصر الجارحي.
ارتخى رأس مراد وصفن قليلاً يحسب كلمات أخيه، ثم قال: — صعب حد يتقبل ده يا رحيم.. إنت نفسك بشخصيتك دي متقدرش تتقبل ده؛ إنت أخدت إنك تواجه الدنيا بصدرك وشجن متحامية في ضهرك، وأنا خوضت حروب كتيرة وحنين بتتحامى فيا، فمعتقدش إنه من السهل يقبل بكده وخصوصاً بشخصية زي شخصية ياسين.
واسترسل ضاحكاً بجاذبية لم يفقدها بعد: — ياسين يشبهك أكتر من زين نفسه، وده راجع إنه واخدك قدوة ليه.
استمع لما قاله بوضوح ثم أجابه بمنطقية بحتة: — وأنا قالب الدنيا على شجن وسيادتك خافيها عني مكنتش على علم بإيه اللي اتغير فيها، بس كنت مستعد أتقبلها بأي شكل كان.
كبت ضحكته بصعوبة على انعكاسات ملامحه وهو يسدد اتهامه المغتاظ منه، بينما يستطرد رحيم: — وإنت حبيت حنين على هذا الوضع، محاولتش تغير فيها حاجة بل بالعكس اتأقلمت عليها وهي كده.
واستكمل بجدية وحزم: — مرين مش مضطرة تتغير عشان حد يا مراد؛ لو هو حاببها ومتقبلها على هذا الوضع أهلاً بيه، عايز يغير فيها عشان تليق بيه فأعتقد إن الطبقة المخملية فيها ألف بنت تليق بيه، حتى لو اختار واحدة من عيلة زيدان أنا معنديش مانع لأني بالنهاية بعز ياسين وبتعامل معاه زي زين بالظبط.
ضحك رغماً عنه وهو يصحح له: — لا مفيش حد بيتعامل معاملة زين!
ضحك هو الآخر وقال وهو يطالعه بنظرة ماكرة: — بالعكس محدش بيعرف يتعامل معاه غيري؛ زين شارب منك الشكل الظاهري بس من جواه طالعلي أنا، ولعلمك عمره ما هاب حد حتى أنا!
ونهض يزرر جاكيته وهو يخبره بخبث: — والدليل إنه كسر كلامي وفي اللحظة اللي بكلمك فيها دي!
منذ عودتها من المشفى، اغتسلت وأدت فرضها، ثم جلست على فراشها وهي ترتدي بيجامتها الستان الوردي ذات الأكمام الطويلة، ترتشاف من مشروب أبيها المفضل الذي يساعدها على الاسترخاء بفضل النعناع المنعش الذي يذوب داخل محتوياته، بينما تقرأ كتابها الخاص قبل النوم.
فإذا بصوت طرقات خافتة تستحوذ على انتباهها. أبعدت مارال الغطاء ونهضت تتبع الصوت، فوجدته يأتي من شرفتها الخارجية. أبعدت الستائر وخرجت فإذا بها تراه يقف قبالتها بشموخ، وهو يدير لها ظهره حتى لا يثير غضبها أو إحراجها منه. نادته بخفوت وعدم تصديق: — زين!
قال وما زال يدير لها ظهره، رغم توقه لرؤيتها دون حجابها: — إلبسي إسدالك، معيش وقت كتير!
انتبهت جيداً لهيئتها، فعادت سريعاً إلى غرفتها ترتدي إسدال صلاتها الموضوع جوار سجادتها المخصصة بركن الصلاة. وحينما عادت وجدته يقف نفس وقفته، ولكن وهو يتطلع لها بعدما استدار بهدوء. طالعته بارتباك من وجوده في هذا الوقت وبتلك الطريقة، وهمت إليه تتساءل: — حد يعرف إنك هنا؟
ضيق عينيه ينفي، ورنا إليها مبتسمًا: — محبتش أمشي من غير ما أصلح غبائي اللي سقط مني بالمستشفى؛ جيت أمسحه كويس عشان متتكعبليش فيه وتوقعي.
وأضاف وزيتونية عينيه تطالعها بحب: — ولو وقعتي هتتوجعي وأنا مبيجيش من قلبي تتوجعي!
تلونت بشرتها بحمرة خجلها، ومع ذلك واجهت ما يعتريها وقالت على استحياء: — عمرك ما عملت اللي يوجعني يا زين.. أنا بس بخاف عليك إنت من غضبك، لكن أنا واثقة إنك عمرك ما هتأذيني؛ إنت بتهتم لأذية مشاعري فهتسبب أذى ليا إزاي؟!
وأضافت وهي تعقد ذراعيها أمام صدرها عسى أن تستلهم قوتها: — بس لو غيرتك تخف شوية هتبقى كيوت أوي!
ضحك بصوته الرجولي وهدر ساخراً: — الجملتين مش راكبين مع بعض يا مارال!
أشار لها أن تقترب من الطاولة البلاستيكية الموضوعة بالشرفة بعدما احتل أحد مقاعدها، فاقتربت بتردد برز بنبرتها: — زين، أنا مش حابة إنك موجود في أوضتي في وقت زي ده، ومش حابة أقعد.
طالعها بنظرات دافئة ووضع كفه على الطاولة يشير لها بوجع مصطنع: — أنا جاي عشان جرحي نزف تاني!
رق قلبها وتمعنت بالضماد الذي تلوث بالدماء، فهرعت إليه تتفحص كفه وتناظره بغضب: — عملت إيه تاني عشان ينزف بالشكل ده؟! ما أنت السبب فيه، كل ما تتنرفز مني تجرح نفسك!! بترتاح لما بتشوف الدم؟!
تعمق بعينيها وردد: — راحتي إنك إنتِ اللي داويتي جرحي.. ده هيساعدني أتخطى المشهد اللي المفروض يكون طبيعي بس بالنسبة لي مكنش كده خالص.
وغمز بمشاكسة جعلتها تطالعه بصدمة: — أنا آخر حالة عالجتيها من صنف الرجال بذمتك مش كده أحلى؟
نصبت عودها وهي تهز رأسها بصدمة لحقت قولها: — إنت مش طبيعي!!
قال وما زال يحتل الطاولة: — أنا طبيعي جداً بس مجنون في حبك، وغيرتي هتتسبب في قتلي في يوم من الأيام!
زفرت بغضب واستدارت تعود لغرفتها بينما يجلس هو مكانه يتطلع داخل الغرفة من موقعه القريب منها. ابتسم وهو يراقب صورهما معاً تحتل الحائط المقابل له؛ أكثر من ثلاثين صورة صغيرة موزعة على طول الحائط، جميعها تخص مراحل طفولتهما. عشقهما لم يكن بمرحلة المراهقة فقط، بل بُني أساسه منذ نعومة أظافرهما!
ظهرت فاتنته على باب الشرفة تعود حاملة حقيبتها السوداء، فأخفض بصره وقد شرد بكل ذكرى جمعتهما، بينما تجذب هي المقعد المقابل له وتضع الأغراض أمامه، ثم بدأت بتقطيب الجرح وما زال يشرد هو بصمت والحزن يتجول على ملامحه فيما يخص معركته.
انتهت مما تفعله، فلاحظت أنه ما زال يفرد كفه حتى بعدما انتهت؛ على ما يبدو أنه شارد كلياً عنها. نادته مارال بقلق: — زين!
رمش نحوها على الفور، فتساءلت بقلق: — وجعتك؟
جاهد ألا ترى سخريته في ابتسامته—على الأحرى لا تعلم بما يتعرض له في عمله—سحب كفه وقال: — أبداً، إيدك خفيفة جداً يا دكتورة.
أبصرت ما يخفيه داخل زيتونيته بوضوح فسألته مباشرة: — مالك؟!
تنهد بضيق ومال يستند على الطاولة بيديه، ثم قال بعدما سحب نفساً مسموعاً لها: — مارال، أنا شاطر أوي في قراية لغة العيون وفاهم كل إشارة بسيطة صادرة من الإنسان اللي قدامي، فأنا واثق مليون في المية إنك بتحبيني زي ما بحبك وأكتر كمان.
ارتبكت قبالته وخشيت أن تطرق الأمور بينهما فقالت: — عايز تقول إيه يا زين؟ ومن فضلك بلاش تلميحاتك دي.. بتكسفني!
أحب ما على قلبه رؤيتها بتلك الحالة، ولكنه لا يريد إلا الوصول إلى غايته، ففاه: — أنا مببالغش في غيرتي عليكِ، وده وصلت ليه بعد تفكير.
طالعته بتيهة فقال مبتسمًا: — أنا بسبب نظرة الضيق والحزن اللي كنت بشوفها بعيونك اعتزلت لمة عيلة زيدان، لأني كنت بلمح غيرتك عليا لو بنت من بنات أعمامي هزرت معايا أو حتى كان بينا حوار عادي.. ده السبب اللي مخليني مختفي عن أي تجمع، احتراماً لمشاعرك حتى لو كانت سطحية. فأنا ليا كل الحق في غيرتي عليكِ وواجبك تراعي النقطة دي زي ما أنا براعي اللي يضايقك ومبعملوش.
وطالعها بنظرة دافئة يسألها مبتسماً بثقة: — هل أنا مستحقش ده منك يا مارال؟!
ارتبكت قبالته فنهضت سريعاً تجمع أدواتها بالحقيبة وهي تردد: — أنا غيرتلك على الجرح وكده خلصت.
واستدارت تضع الحقيبة على المقعد وهي تستطرد: — كده هتتأخر على سفرك.
تقبل حياءها الشديد والذي اعتاد التعامل معه، نصب عوده وقال بخبث: — مع إني عارف إنك بترتاحي في قربي ومبتحبيش هجري بس تمام؛ أنا بحررك لحد ما أنقل دبلتي من الإيد دي للتانية، وقتها مفيش أي فعل أو قول هيخليني أرحل إلا بمزاجي!
ابتسمت رغماً عنها، وتابعته وهو يستعد للمغادرة. فإذا به يصعد على حافة الشرفة مما دفعها أن تهرول إليه وهي تصرخ بفزع: — زيـــــــن!!
استدار مبتسماً وقال: — قولتلك كذا مرة متخافيش عليا؛ زي ما طلعت هنزل.
هزت رأسها والدموع استحوذت عليها: — إنت عارف إحنا في الدور الكام؟! انزل من فضلك!
ضحك رغماً عنه وغمز لها: — إنتِ محتاجة تيجي معانا أسبوع في صالة التدريب هتعرفي تقيمي قدرات جوزك المستقبلي!
وسحب سهماً موضوعاً جواره ثم صوب طرفه على الشجرة القريبة منه والآخر للأسفل، ولف ذراعه من حوله. استدار يواجهها بابتسامته الجذابة وبحنان قال: — لما تشوفيني بعد كده متتفزعيش ولا تخافي مني؛ أنا عمري ما أعرضك لوضع إحراج قدام أي حد.. إنتِ عارفاني طايش آه بس عاقل، مجنون آه بس عاقل بردو، غيور بس عاقل عاشر ومليون لحد ما تسمعي كلامي وتعتزلي أي صنف رجالي اتولد على وجه الأرض إلا أنا!
واستطرد مبتسماً بشكل أضحكها: — اعتبريني الرجالة كلهم؛ اتعاملي معايا مرة على إني أخوكي ومرة على إني صديقك ومرة حبيبك، وفي شغلك هعملك مريض!
وغمز مجدداً وهو يضحك بصوت زاد من ضحكاتها: — وأنا وعد كل ما أتجرح هجيلك تداويني عشان يتكتب في شهادتك عالجت سيد الرجال كلهم!
وودعها بجدية تامة: — خدي بالك من نفسك.
وفرد كفه يستعد فأسرعت تطرح محاولتها الأخيرة: — ما تنزل من على السلم أحسن.. هتقع يا زين!
تعمق بالتطلع لها وابتسامته لا تفارقه. ابتعد عن حافة الشرفة وبسط جسده لأسفل ليهوى إلى الأسفل وقامته شامخة. ضمت بكفيها وجهها بفزع وخوف، وبتردد اقتربت من سور شرفتها وهي تعلم أنه كالعادة سيختفي مثلما يظهر فجأة. ولكنه تلك المرة بقى ليطمئن قلبها بأنه على ما يرام، ثم غادر من أمامها واختفى مع آخر لمحات بصرها، بعد أن بدد ذكرى يومها السيئ!
كان يستند على جذع الشجرة، وبين يديه دفتره الصغير وقلمه، يخطط بهيام ما التقطته عيناه لآخر مرة. وفجأة توقف عما يفعله وهو يشعر بالحزن للذنب الذي يرتكبه، فترك رسمة عينيها دون أن تكتمل ومضى يتفحص رسماته السابقة.
كانت تحتوي على رسمات عينيها، وتختلف عن سابقتها؛ لقد نجح في تجسيد نظرة عينيها الحزينة، السعيدة، المتحمسة، العاشقة، كل همسة صادرة منها.
أطبق ياسين على دفتره بغضب شديد؛ لا يقبل بتلك الذنوب الجارية التي يرتكبها ويده تتحرك في دفتره لترسم عينيها التي سقط غريقاً بها حد النخاع. أطبق على دفتره وكاد بتمزيقه ولكنه لم يتمكن من ذلك. شمَّر عن ساعديه يراقب ذلك السوار المعدني الذي يحمل بمنتصفه رسمة عينيها المرسومة بخط يديه والتي وضعها بعناية بإطار مثقوب لتظل جوار وريده؛ كان يود لو يرتديه بسلسال يوشم جوار قلبه، ولكنه كره أن يفعل كل المحرمات بسببها.
في تلك اللحظة لا ينتابه سوى السخط والغضب؛ كل مرة يحاول التقرب إليها تدفعه بكل ما فيها ليظل بعيداً عنها. وليكن صريحاً مع نفسه: لن يحتمل أن تكون نقطة ضعف في حياته؛ كان سيحميها وهي بعيدة عن هلاك مهماته، ولكنه لن يحتمل أن تكون جواره في ساحة المعركة، فإن خدشت سينخلع قلبه هو.
خرجت من الطائرة ويدها ملفوفة برباط ضاغط قد وضعته لها قدس قبل رحيلها رفقة زين بالصغير. قفزت للخارج ورنت إليه فوجدته يطوي دفتره الصغير الذي لا يفارقه ويضعه بجيب جاكيته الأسود ثم ينصب عوده بجمود تام، فإذا بها تسأله: — هو زين اتأخر ليه؟ مش معقول كل ده بيوصل الولد؟
أجابها وعسليتاه منحرفتان عنها: — زمانه على وصول.
وأضاف بسخرية لاذعة عسى أن تنطفئ نيران غضبه: — إيه.. خايفة؟! المفروض بعد اللي عملتيه النهاردة تكوني أكثر ثقة في نفسك.
عبثت بعدم فهم: — عملت إيه؟
قال وما زالت عيناه تتحاشيانها: — ضربك للرجالة!
أطبقت على أسنانها غيظاً من نبرته وقالت تستفزه: — تقصد دفاعي عنك؟
ضحك بسخرية ونهض يدس يديه بجيب جاكيته بينما يطالعها بنظرة ثاقبة: — دفاعي عنك أو دفاعك عني مش هتفرق كتير؛ المهم إنك لما هترجعي هتعترضي على أي مهمة أنا أكون فيها!
وأضاف بفحيح غاضب: — زين ممكن يستحمل دلعك وعنادك بالنهاية هو ابن عمك، لكن أنا لا!
قالها وانطلق نحو الطائرة، فلحقت به تخبره باندفاع: — مش إنت اللي تقرر أطلع ولا لأ.. الظاهر إنك نسيت إني عضو أساسي في الفريق!
رفع رأسه يطبق على أسنانه بغيظ وما زال يوليها ظهره، بينما تستطرد هي بوخزة انتابتها فجأة: — عموماً أنا هعمل بنصيحتك ومش هطلع غير مع زين!
قالتها وغادرت من أمامه تنزوي بعيداً عن عينيه. ركل ياسين الحجر الصغير بغضب جعله كالذي جن جنونه، وخاصة حين وجدها تجلس أمام المياه بصمت وكبرياء.
رأسها مرفوع للأعلى بشموخ وهي تقابل أمواج المياه الثائرة. ما حاجتها بوجود رجل في حياتها يريد أن يراها بصورة النساء التقليدية: ترتدي الفساتين وتتحدث بنعومة، تظهر ضعفها في كل مواقف حياتها وتلجأ للبكاء أكثر من الحديث؟! لا، ليست تلك الفتاة الهزيلة؛ ربما جسدها ليس بقوامة الرجال وليست تتشبه بهم، بل صنعت لذاتها شخصية مستقلة. تلك التي كان رحيم زيدان معلمها ومدربها الأول لن تخضع لحب يشدد قيوده حول معصميها، بل ستظل كما هي: شامخة لا ينكسر لها أنف ولن تنحني، إن أرادها بحق عليه تقبلها كما تكون!
قتلت مرين حزنها الشديد وتركت الهواء البارد يحرك خصلاتها الناعمة من حولها بينما تقابله بابتسامة دافئة وجملته تُعاد لها: «أهون عندي من إن الحقير ده يمد إيده القذرة عليـــــــــكِ!»
أفاقت من شرودها حين التقطت أذناها صوت خطوات هادئة ترنو من خلفها؛ اعتادت أن تستقبل أذناها أقل صوت من حولها مثلما علمها أبوها. اتسعت ابتسامتها حين استشفت من هدوئها بأن عصبيته قد غادرته الآن.
جلس ياسين على الحجر المقابل لها يمد يده لها بكوب من القهوة البلاستيكي. منحته نظرة شرسة قابلها بابتسامة هادئة وقال يشاكسها: — مسؤولة مني طول ما أنا لسه مسلمتكيش للجوكر!
هاتفته بنزق: — عيلة صغيرة أنا؟!
بنفس الابتسامة الثابتة قال بمكر أضحكها: — لا.. بنوتة شطورة وعاقلة وبتسمعي الكلام جداً!
تعالى صوت ضحكاتها وابتسامته تتسع وهو يراقبها. سحبت منه الكوب وهي تردد بتلقائية لم تخسرها مهما التزمت بدورها الحازم: — كنت هموت من البرد.. ميرسي!
راقبها بقلق وقال: — العفو..
وسألها بجدية تامة: — تاخدي جاكيتي؟
طالعته بغرابة لقليل من الوقت، ثم شاكسته ضاحكة: — لا مش للدرجادي، القهوة هتدفيني!
وارتشفت رشفة منها، فتوسعت حدقتاها دهشة حين وجدتها دون سكر وطالعته، فارتشف من كوبه وقال بغرور: — تركيزي في تفاصيلك مبهر.. مش كده؟!
عادت تتطلع أمامها وهي تخفي ابتسامتها، فإذا به يتطلع ليدها بحزن لم يتمكن من إخفائه بسؤاله: — إيدك بقت أحسن؟
تطلعت إلى يدها وأجابته: — سطحية جداً.
هز رأسه بخفة وعاد يتطلع أمامه بصمت حتى انتهت من كوبها وفاهت بانزعاج: — على فكرة أنا عارفة زين فين، ومش حابة اللي بيعمله ده خالص.
تطلع نحوها وردد بخبث: — طبيعي إنك متحبيش اللي بيعمله؛ إنتِ آخرك عزومة في صالة التدريب مع الجوكر أو الأسطورة، لكن حب وغرام والكلام ده معتقدش إنه واصلك!
احتقنت حدقتاها غضباً وهدرت بانفعال وهي تقف مكانها: — أنا مش ضد الحب ولا عندي مشكلة تجاهه؛ أنا بتكلم عن الطريقة نفسها، وياريت متستغلش كل ثغرة عشان تتكلم عننا!
نهض قبالتها يقابلها بهدوء: — عننا؟! عننا مين؟! أنا وإنتِ متجمعناش في جملة صريحة عشان أتكلم!
ضحكت مستهزئة: — ولا عمرنا هنتجمع طول ما نظرتك ليا كلها أنانية وعنصرية مريضة!
وألقت الكوب الفارغ أرضاً قائلة بشجاعة جعلته مندهشاً من قوتها: — طلعني من دماغك يا ياسين؛ اتجوز بنت من بنات أعمامك تكون رقيقة وزي كل البنات بالنسبة لك متعرفش تعمل حاجة من غير مساعدتك.. يمكن وقتها تحس برجولتك وأد إيه إن وجودك مهم وفارق معاها، مع إني أشك إنك هتكون مرتاح أصلًا!
ألقى كوبه غضباً وصاح بعنفوان: — أنا مش محتاج لواحدة تتحامى فيا عشان أحس إني راجل! أنا الرجولة اتعملت واتفصلت على مقاسي، لبستها ومش هقلعها أبداً ولا هسمح لأي شيء يلوثها زي أفعالك وتهورك اللي يستحمله أشباه الرجال اللي ممكن يقبل يبقى معاكي في يوم من الأيام!
— إنهوا الحــــــرب دي واطلعوا عشان نتحرك قبل ما النهار يطلع!
قالها زين الذي يتابعهما من الأعلى بملل، يراهما يتجادلان للمرة المليون ولكن لا يسمع شيئاً مما يُقال بينهما. طعنته مرين بنظرة حارقة وصعدت تتحاشاه، بينما ينظم هو أنفاسه الهادرة يود لو يقتلع أظافرها الحادة.
اتبعهما وصعد جوار زين في الأمام وهو يتجاهل وجودها تماماً كأن لم يكن لها وجود. راقبهما زين وهمس بسخط: — العداوة اللي ما بين الهند وباكستان هتخلص، وعداوتكم عمرها ما هتخلص أبداً!
بالقاهرة.
انفتح باب مكتبه وولج أحد رجاله للداخل يؤدي تحيته بكل وقار يليق به، ثم نطق بما حصده من معلومات خطيرة: — ابن السفير رجع يا باشا، فريق الأشباح رجعوه!
برق "عدي" بدهشة مما استمع إليه، وتساءل بذهول: — مين من الأشباح بالظبط؟
أجابه بما أكد به شكوكه: — سيادة الرائد ياسين وزين يا فندم!
اترك تعليقاً على هذا العمل