رواية اشباح المخابرات الفصل الثاني بقلم ايه محمد رفعت
شقت خطواته سكون الليل، فكان لحذائه إيقاع مسموع فوق أرضية الرخام الفخمة، كأنه ينبه كل من بالمكان بهيبة حضوره. استخدم الدرج المعدني رغم وجود سلسلة من المصاعد؛ بجسده الرياضي الذي اعتاد المشقة ولم يتنعم يوماً برخاء المصاعد.
استهدف بعينيه الزيتونيتين إحدى الغرف المنزوية بنهاية الطابق الرابع، ومضى بطريقه الصارم نحوها. مرر البطاقة الإلكترونية في المقبض فانفتح الباب على الفور، ليدخل ويبصر قاطني الغرفة بنظرة خبيثة غلبت عليها التسلية وحب المغامرة. وزع نظراته بينهما ببرود، ورغم أن كلاً منهما كان يختبئ تحت أغطية أخفت رأسيهما، إلا أنه تعرف على ابنه بسرعة الريح، رغم تماثلهما في الطول وعرض الجسد.
اتجه نحو غايته يتأمله بابتسامة غريبة، ثم حرك ذراعيه الملتفتين للأعلى من تحت الغطاء، فانتفض من تحته فزعاً! وتلقائياً سحبت يده السلاح من أسفل وسادته، وقبل أن يوجهه نحو الدخيل، كانت يد الآخر قد حادت السلاح عن كفه بحركة خاطفة قبل أن يُرفع في وجهه، وهمس له بسخرية: — من كل عقلك عندك نية تفكر إن في حد يقدر يدخل مركز التدريب السري ولأوضة نومك غيري؟!
تنهد "زين" وهو يسترد أنفاسه الاضطرابية، واستقام في جلسته يستند بظهره على الوسادة متسائلاً: — خير يا بابا؟ في حاجة ولا إيه؟
مرر رحيم بصره عليه ببطء وهو يوجه له إنذاراً مبطناً فهمه شبيهه فوراً، فرد بنزق: — أنا أديت كل التحيات العسكرية لسيادتك النهاردة، وحالياً تعبان وبردان ومحتاج أريح شوية.
قالها ومال على جانبه الأيسر جاذباً الغطاء عليه، بينما لم يهتز للآخر جفن، بل أردف بهدوء قاتل: — عشر دقايق تكون قدامي تحت أنت وصاحبك.
كان صوته الهادئ كفيلاً بإرهاب من يفهم طبيعة عاصفته الدفينة، فنصب زين قامته الطويلة وأدى التحية العسكرية بحزم وهو يجيبه: — علم وينفذ يا باشا!
منحه "رحيم" ابتسامة نبعت من الرضا، وهتف قبل أن ينسحب ببرود: — صحي شريكك.
انصرف تاركاً خلفه زوجاً من الأعيُن الشبيهة له تطالعه بضيق ونفور، فدمدم زين بسخط: — أيامي اللي جاية كلها كوابيس أنا عارف!
ثم مال نحو فراش رفيقه، ونزع الغطاء عنه يناديه بملل: — قوم حقق أمانيك بتدريب الملاك اللي منتظر خروجه من بين توابيت الموت.. قوم يا حبيبي!
أتاه رد حماسي من ذي العينين المغلقتين: — صاحي من أول ما الباشا حط رجله في الأوضة!
ثم أفرج عن عينيه العسليتين الساحرتين، واستقام في جلسته مبتسماً بمكر: — بس حبيت أديكم خصوصية التعامل، على أساس إني هشوف أب وابنه بيحبوا في بعض قبل النوم! بس الظاهر إن اختيار ياسين الجارحي كان صح بكل المقاييس.. رحيم زيدان مبيهزرش.
برق زين بعينيه الزيتونيتين باستغراب لسعادة رفيقه التي لم تكن في محلها، وقال ساخراً: — أنا ببذل مجهود خرافي عشان تأخد حذرك منه وأنت دايب فيه! هو سيادتك فكرتك عن علاقة الأب بابنه إيه؟
نهض ياسين يجذب ملابسه من الخزانة، وشرع في تبديلها وهو يجيبه: — لو أب بمواصفات الأسطورة، فأكيد فكرتي عنه هتكون المثالية اللي هيحب يلاحظها في ابنه.
وأضاف وهو يرتدي قميصه الصوفي فوق صدره العضلي: — المعروف عن الأسطورة إنه بيفصل علاقاته الخاصة تماماً عن شغله، ودي الميزة اللي تفرقه عن أي حد في الجهاز.
ثم انحنى ليعقد حذاءه ومضى قائلاً: — أنا سمعت كتير عن الوحش، وكنت أتمنى أشتغل معاه أو على الأقل يشرف على تدريبي بشكل شخصي على سبيل إنه أبويا وكده، بس مع أول وقعة ليا في أول يوم تدريب معاه سحب إيده عني.. قلبه مجابوش يشوفني بتجرح أو بعافر عشان أوصل.
ربع زين يديه أمام صدره العريض وهتف بنزق: — ده الطبيعي يا جارحي، أنت اللي مش طبيعي! لذا أنا شايف إننا نستبدل الأدوار؛ تقيم في الجحيم مع رحيم زيدان وتسبني أنا في جنة عدي الجارحي.. إيه رأيك يا شريك؟
تحررت ضحكاتهما الرجولية معاً، فقال ياسين بإعجاب شديد: — شريك!! زيد من الكلمة دي عسى أننا نورث من الجوكر والأسطورة تاريخهم المشرف!
رد عليه زين بغرور يليق به: — ومين غيرنا هيكون أحق بالورث ده؟ أنت ناسي إحنا مين ونقدر نعمل إيه؟!
وأضاف وهو يشير إليه يستحضر سنوات التدريب الشاقة: — إحنا من خفتنا وسرعتنا اتسمينا أشباح! فقولي يا شريك.. حابب تتكوم في أي تابوت النهاردة بحيث شبحك ميلفش ويحتار عليك كتير؟
سحب ياسين جاكيته يرتديه وهو يجيبه بعزم وفخر: — لا يا قلب شريكك، مش ناوي أتشبح النهاردة! أنا ناويها اجتهاد وكلي نية إني أعدي في كل اختبارات الأسطورة.
شمله زين بنظرة ساخرة من عينيه الزيتونيتين الجذابتين، وتمتم ساخطاً وهو يتجه للجانب الآخر من الخزانة: — حماسك معلي طموحاتك!
تقلب مراد في فراشه بانزعاج، وفتح عينيه الزرقاوين يتأمل فراش أخيه المقابل له، فطار النوم من جفنيه. أبعد مراد الغطاء وأسرع نحو الحمام يتفقده، وحين لم يجده هناك، ضم قبضته وصاح بحنق من بين أسنانه المغتاظة: — رحيـم!!
سحب معطفه ليرتديه فوق بنطاله وقميصه الأسود، واتجه نحو باب الغرفة يحاول فتحه. زحفت ابتسامة ساخرة على شفتيه حين وجده قد أغلق عليه الباب من الخارج. عبث يبحث بين الأغراض عن شيء حاد، وحين لم يجد شيئاً، علم أن رحيم تعمد ذلك ليرضخه ويبعده عن مخططاته.
لم تهتز ثقته بل زادت غروراً حين وجد بضعة أوراق وقلم موضوعين فوقها، فسحبهما واتجه نحو الباب يحرره بمهارة وسهولة، مدمدماً بنزق: — ده أنا اللي معلمك فتح الأبواب!
توقف ياسين واستدار نحو زين باستغراب من بطء خطواته، فصاح يعاتبه: — ما تنجز يا زين! ماشي مشية عيل بيزحف ليه؟
سدد له زين نظرة محتقنة وهو يدس يديه في جيبي جاكيته: — أنا ماشي بعقل ورزانة، أنت اللي شوقك للتوابيت قتلك يا جارحي!
استدار ياسين قبالته وقال يمازحه: — عارف لو أنا مش واثق من قدراتك كنت فكرتك دخلتها بوسطة!
زوى زين حاجبيه باستنكار وحاذاه في الخطوة: — كنت هعمل كده لو رفضوني! ما هو أنا مبحطش حاجة في دماغي وتطلع منه من غير ما أجيب الناهية فيها.
ثم مال نحوه يغمز له بمشاكسة: — ماشي بطيء عشان اللي بتراقبنا متتلخبطش في الممرات.. هاتها وتعالى أنت!
قالها وتخطاه مكملاً طريقه، بينما وقف ياسين في مكانه متخبطاً؛ لا يريد اللقاء بها في هذه اللحظة التي يستعد فيها لاجتياز أي اختبار يضعه "رحيم" له، لكنه في الوقت ذاته لا يستطيع أن يمر مرور الكرام.
لطالما كانت ماهرة في تتبع خصمها دون أن يشعر بوجودها، ولولا أن ابن عمها يعلم تفكيرها جيداً لما شعر بها أحد.
استشفت مرين من وقفة ياسين أن أمرها قد كُشف، وأنه يقف بانتظارها، فخرجت من مخبئها تقترب منه بضيق، خاصة حين كسر صمته بأكثر الأشياء التي تثير غضبها: — مينفعش تكوني موجودة هنا.. لا دلوقتي ولا بعدين. التدريبات دي مخصصة لينا كشباب ومش هتفيدك في شيء!
شملته بنظرة ساخرة من عينيها الزرقاوين، وأنهتها بحديث متهكم: — وحضرتك تقرر إيه ينفعني وإيه لأ بناءً على إيه؟! أنا مش عيلة صغيرة محتاجة اللي يفكر عنها!
ومضت خطوتين حتى باتت جواره، وقالت قبل أن تتخطاه: — شكراً على النصيحة اللي مطلبتهاش ولا هعمل بيها!
تخطته بينما ظل هو في مكانه مبتسماً رغم ضيقه الشديد من أسلوبها الهجومي، والذي يحاول دائماً أن يمرره كنسمة هواء باردة تحيطه للحظة ثم تفر.
حرك رأسه بخفة واتبعها بثبات واتزان قاتل، كأنها لم تحاول استفزازه منذ قليل. ولج إلى الصالة الضخمة الفارغة، متخذاً مكانه جوار "زين" الذي كان يقف باستقامة وهيبة عاقداً ذراعيه للخلف، ونظراته القوية تحيط بباب غرفة أبيه منتظراً خروجه ليواجهه في كل ما سيفرضه عليه. ولجوارهما وقفت "مرين" على بعد مسافة محدودة تنتظر انضمام الأسطورة.
شقت خطوات حذاء رحيم المميزة الأرجاء، وانتهت بوقوفه قبالتهم. وزع نظراته البطيئة عليهم، ثم علقها بابنة أخيه فمنحها ابتسامة فخورة أتبعها بقوله: — كنت واثق إن الليلة مش هتفوتك من أولها.. دايمًا صاحية ومركزة لكل حركة بتحصل حواليكي، حتى من غير ما هما ياخدوا بالهم!
منحته ابتسامة صغيرة شكلتها بالكاد وسحبتها وهي تقف بثبات مثلهما. أتى من خلفه أحد العساكر يضع له مقعداً حديدياً أسود، فجلس رحيم ووضع ساقاً فوق الأخرى، يتنقل بنظراته بينهم ثم إلى ساعة يده بفتور، وكأنه بانتظار انضمام أحدهم.
تمتم رحيم ساخطاً: — شريكي لسه بيخمن مكان وجودنا! وعلى ما يوصل للصالة في كلمتين مهمين عايز أقولهم لكم في أول يوم هتخضعوا فيه للتدريب تحت إيدي بشكل شخصي.
وتابع ليبين لهم أهمية هذا الموقف: — وده حدث مهم جداً، لأني طول فترة شغلي مكنش ليا دور مذكور في تدريب الظباط إلا اللي كنت بختارهم أحياناً وعددهم ميتخطاش صوابع الإيد. كنت برفض التدريب بشكل صريح، ومهما كانت الأوامر تلزمني بده كانت القيادة بتعفيني من المهمات دي.
وأضاف وزيتونيتاه تحيطان بزين المندهش مما يسمعه، كأنما أراد إرضاء فضوله: — مكنتش بحب أهدر وقتي على تدريب حد في حين إني أولى بكل الوقت أشتغل بيه على نفسي. وصولي لمستوى أعلى في كل مرة مكنش بيرضيني، كنت حاسس إن في أعلى من أعلى أي شيء بوصله!
نهض عن المقعد يرنو إليهم، مستهدفاً "ياسين" بحديثه ونظراته: — آلاف الظباط بيدخلوا وبيخرجوا من الأجهزة.. منهم اللي محققش شيء ومترقاش إلا في الكام يوم اللي فاضلين من عمره، ومنهم اللي كان متوسط ماشي بتوازن معقول ناجح بس مش مبهر، وده بالنسبة لي نوع غير معترف بيه! والمبهر واللي يسيب بصمة وراه برده مش هعترف بيه.. أنا اللي يرضيني هو الاختلاف! إنك تكون مختلف وميكونش ليك بديل.. هيبة شخصيتك قبل ما توصل للعناصر بره تمس اللي حواليك جوه الجهاز نفسه، يعملولك كلمة وحساب جوه قبل بره! كلامي مفهوم؟
أدى ياسين التحية وهو يجيبه: — مفهوم يا فندم!
ارتسمت ابتسامة جانبية على وجه رحيم، تلاشت فور أن استمع لصوت يأتي من خلفه: — كنت مشتاقلي وجيتلك ألبي!
تنهد رحيم بضيق شديد وقال: — المرة الجاية هأمر بحبسك جوه زنزانة عشان أضمن إنك هتتأخر في الوصول!
اتسعت ابتسامة الجوكر وقال بثقة: — ولو حبستني في برمودا هختفي وهظهرلك برده.. إحنا ملناش غير بعض يا شريك!
ثم تجاهله ورنا إليهم مردداً بابتسامة واسعة: — مساء الخير يا شباب.. أو صباح الخير بما إن الباشا مغفلنا الساعة ٣ بالليل!
وشمل بنظراته ابنته التي تطالعه بثبات كالروبوت، تفصل بين وجودها معه في العمل وبين خارج العمل حيث تعود لنعومتها. نصب مراد قامته بشموخ وأجلى صوته الخشن بحزم: — المرحلة اللي فاتت من تدريباتكم جنت ثمارها في الكام مهمة الأخيرة اللي طلعتوها، وطبعاً كانت تليق بالمستوى اللي وصلتوله. وحالياً إحنا حابين نرفع المستوى ده، وعشان يحصل لازمكم تدريبات مكثفة، عشان كده أنا وسيادة الفريق موجودين هنا معاكم.
هتف رحيم بنزق متعمداً إظهار غيظه: — سيادة الفريق الأول! بتقع منك كتير دي يا شريك!
تجاهله مراد وأشار إلى إحدى الغرف المنزوية خلف الحائط السري: — اتفضلوا وأنا شوية وهحصلكم.
ولج الثلاثة إلى الغرفة، بينما وقف الجوكر قبالة أخيه يناظره بنظرة ساخطة أتمها بقوله: — ولو بقيت رئيس أركان مالكش مني غير اللي خارج على لساني! ولو متضايق على نطقي المهين لمرتبتك، خد المرتبة اللي فوق في حضنك ونام بعد ما تصلي العشا على طول.. سلام يا شريك!
قالها وغادر، والابتسامة الخبيثة تزداد على وجه رحيم الذي دس يديه في جيبي جاكيته الرياضي الأسود ولحق به.
في الداخل، راقب الثلاثة المكان بدهشة. كانت تبدو لهم من الخارج مجرد غرفة، لكنها كالسرداب المؤدي لباطن الأرض؛ تتشكل فيها عدة غرف أغلبها محاط بالزجاج المتين العازل للصوت، وكل غرفة تحوي أجهزة تبعث الرعب في النفوس.
مال ياسين نحو زين يسحبه بعيداً عن مرين التي كانت تتطلع للغرف بدقة، وهمس زين له: — حاول تطلعها من هنا! هي بنت عمك دي ملهاش آخر في العناد؟!
أحاطه ياسين بنظرة ساخرة وقال: — عمها وأبوها ساكتين ومشجعين الحوار، أقوم أنا أعترض؟! وبعدين دي خبيثة.. أي خلاف بيحصل بينا بتروح تولع الدنيا بيني وبين مارال، وأنا قايلك قبل كده إن مارال طيبة زيادة عن اللزوم والاستاذة بتقدر تسيطر عليها وبتعملها غسيل مخ!
وأضاف وهو يراقب باب الدخول بملل: — أنا مش في مود يساعد أدخل معاها في صدام، كفاية الحرب اللي داخل عليها مع رحيم توابيت!
واستدار نحوه يربت على كتفه بابتسامة ساخرة: — فكك منها بدل ما تفتحلنا في مرافعات حقوق المرأة وإن الست زي الراجل والكلام اللي مش هنخلص منه ده.
احتقنت عين ياسين العسليتان وتلاشت جاذبيتهما، محاولاً كبت ما يعتريه بقوله الرزين الثابت: — زين، اعقلها! إحنا تقريباً اتدربنا على كل حاجة، مش فاضل غير قدرة التحمل تجاه العنصر النسائي، وبعض الرتوش اللي مينفعش تدخلها واحدة ست وقت التدريب.. أنت مش واخد بالك ولا إيه؟
زوى زين حاجبيه بضيق وشمل مرين بنظرة منزعجة ثم قال: — أكيد عمي وبابا مش هيفوتهم تفصيلة زي دي يعني.
رد ياسين بحدة رغم ثبات نبرته: — عنادها ده آخرته وحشة! هي من وقت ما ليل العربي رفض يدربها معانا وهي بتعاند بتهور، وده باين عليها في طريقة التعامل بينها وبيننا.
وعلى ذكر سيرته، تبسم زين وهو يؤكد له بمزاح: — أهو ده عدو المرأة اللي يستحق إنها تحاربه هي وكل النساء! كل السنين اللي عرفناه فيها وعمري ما لمحته مع واحدة ست.. ده بيتلاشى التعامل معاهم بشكل زارع عندي الفضول أعرف قصته إيه بالظبط!
نجح في جذب انتباهه، فشاركه ياسين الحديث: — مش أنت بس، ليل العربي هيفضل لغز محير الجهاز كله! ده داخل على ٤٥ سنة ولسه مرتبطش، وبينقي مهماته بشكل غريب.. ولو المهمة فيها واحدة ست بيرفضها رفض قاطع، إلا لو اتجبر بيطلع، بس كل اللي بيتعامل معاه بينتقد طريقته في التعامل رغم إنه بيتمم مهمته على أعلى مستوى.
تحررت ضحكات زين ومازح رفيق طفولته قائلاً: — أهي مرين تستحق واحد زي ده! يدخلوا الاتنين في حرب إثبات ذات ما بين حروب العصور الأولى بين العنصر النسائي والرجالي، واللي ينتصر فيهم يعلن إبادة الطرف الآخر!
اكفهرت معالم ياسين غضباً، وما كاد ينازعه حتى اقتحم الجوكر المجلس واستدعى انتباه الجميع. اقترب ياسين ليقف في مكانه المجاور على بعد مسافة من مرين، فشملته بنظرة غاضبة جعلته يبتسم بمكر وتسلية؛ فهرته الصغيرة تجيد قراءة الشفاه وقد علمت يقيناً بحوارهما! سحبت عينيها عنه ومالت تتطلع نحو زين الذي تمتم بسخط: — ركزي مع بابي الجوكر يا ميري!
قرأ ما تود قوله في تلك اللحظة، فتنهد بتعب: — حبيبتي، الست شهور اللي فلقتيني معايرة بيهم مش مبلوعين بينا! قارني شكلنا ببعض هتلاقيني قالب على بابي.. بصي قدامك وادي التحية بحماس عشان اللي جاي شكله نهايته هباب!
قطع مراد محادثتهما الجانبية بصرامة: — زيــــن!
ردد زين من بين أسنانه: — كالعادة.. صوتي اللي مسموع لكن نظراتها مش بتتشاف!
منحه مراد نظرة حازمة جعلته يؤدي التحية العسكرية ويقف شامخاً بجدية لا تحتمل الهزل. مر الجوكر من بينهم وقال بصوته الرخيم: — المهمات اللي سبق وطلعتوها كانت هزار خفيف.. حالياً التأهيل هيكون على مستوى أعلى، عشان كده فترة التدريب اللي هتقضوها هنا هتكون من أهم التدريبات اللي هتهيئكم أنكم تمسكوا قضايا دولية خطيرة. عشان كده أنا ورحيم عملنا خطط وترتيبات بخصوصكم وهنبدأ بيها من النهاردة.
وقف قبالتهم مستكملاً وعيناه تحيطان بابنته: — بس أغلب التدريبات هتكونوا منفصلين فيها، وبالأخص أنتِ يا مرين.
تحررت مرين عن صمتها تطالع أباها بعينيها الزرقاوين الغاضبتين، وأزاحت خصلاتها البنية القصيرة للخلف وقالت بتذمر: — حضرتك متعمد تعمل ده! دايمًا بحس إنكم عايزينهم يكونوا الأفضل بأي شكل من الأشكال، بس أنا مش هسمح بده! أنا زيي زيهم مفيش أي فرق بينا، زي ما هما هينزلوا مهمات هيحتاجوا فيها اللي اتدربوه أنا كمان هنزل ومحتاجة التدريبات دي وقادرة أستحمل أي شيء وحضرتك عارف كده كويس، فمن فضلك بطل تتعامل معايا على إني صغيرة أو ضعيفة!
يا الله! كم تشبه هذه الفتاة أباها بملامح وجهها الفاتنة، لكنها لم تترك من والدتها شيئاً إلا وورثته حتى العناد القاتل! تنهد مراد وقال بنبرة لينة: — مرين، أنا مابفضلش زين وياسين عنك ولا شايفك ضعيفة أو صغيرة زي ما بتقولي، بس في تدريبات هتختلف عنك لأنهم شباب يا حبيبتي.
ضمت شفتيها معاً بغضب تحرر في نبرتها المنفعلة: — شباب؟! بابي مفيش فرق بين راجل وست، من فضلك متكونش من مؤيدي الهبل ده!
— مفيش حد في ذكائك وخفتك يا ميري، كفاية إنك بتراقبي الباشوات من فترة طويلة وهما مش ملاحظين ده!
كانت هذه الكلمات للأسطورة الذي يتابع حوارهم مبتسماً بخبث كأن القدر أفسح له فرصة المرور. استطرد وهو يرنو إليها ويضمها بذراعه، بينما تحتد نظراته نحو مراد المندهش مما يفعله ويقوله: — بابي في سكة فاضية لوحده.. عمك في ضهرك وشايفك ناجحة وقوية، وإثباتاً لكلامي، بما إنه قرر يبدأ معاهم النهاردة أنا اللي هدربك بنفسي!
سحبها نحو إحدى الغرف وهو يرسل للجوكر إشارة بأنه سيتولى أمرها وليبدأ هو بأول دروسه. عض مراد على شفته السفلى من شدة غضبه؛ فذلك الشيطان يكتسب نقطة ود في قلب ابنته بالمكر والحيالة!
تغاضى مراد عن كل شيء وأشار للولدين باتباعه، ثم خلع جاكيته وشمر عن ساعديه، واستدار بوجهيهما بابتسامة ماكرة وسؤال أثار دهشتهما الكبيرة: — إزاي تلفتوا نظر بنت جميلة ليكم، مع العلم إن مفيش واحد منكم جذب انتباهها نهائياً؟!
جذب رحيم المقعد ليضعه قبالة مرين، يتأمل حمرة وجنتيها الصارخة من شدة الغضب. جلس أمامها مبتسماً ثم ناداها بحنان: — مرين.. ممكن تفكي التكشيرة دي؟ مبحبش أشوفك زعلانة كده، خطر على اللي مزعلك! أكتِره معايا قنبلة وتابوت!
ارتخت تعابيرها المشدودة ومنحته ابتسامة صغيرة، ثم اعتدلت في جلستها تسأله باهتمام: — أنكل.. هو لو شجن طلبت تدخل الجهاز هتقبل بده؟
فهم ما تخفيه داخل زرقاوتيها، وأجابها بذكاء: — قبلت بانضمام زين وبانضمامك، إيه اللي هيخليني أرفض إن بنتي تنضم لو ده اختيارها؟!
زوت حاجبيهما بتيه واستنكار، فاستند بجسده العلوي على الطاولة وقال: — مرين، أنا مأجبرتش زين ينضم ولا أجبرتك على ده، بس بما إنكم دخلتوا واجبي هنا مسبكمش إلا وأنا مطمن عليكم. وبعدين أنا مبفرقش في تعاملي بينك ولا بين شجن وزين.. كلكم أولادي وأكيد عايزكم تبقوا أحسن ناس في الدنيا كلها.
وشدد على حديثه لتنتبه: — ومراد آخر شخص تتوقعي منه إنه يفرق بينك وبين زين! لو أنتِ شايفاني حنين عليكي قيراط، فمراد أحن ٢٤ قيراط.. مراد مفيش في حنية قلبه في الدنيا كلها!
برقت باستنكار أتبع سؤالها: — أنت بتشكر في بابي معقول؟!
اتسعت ضحكته وأجابها بمكر: — طول ما هو مش موجود فهو راجل عظيم! لكن قدامه وقدام أي حد مفيش أعظم من رحيم زيدان في الكون كله!
تحررت ضحكاتها بقوة جعلت ابتسامته تتسع، ونهض يشير لها نحو جهاز كشف الكذب: — يلا نبدأ أول تدريب، واللي بعده هتقدري تتخطي أي جهاز كشف كذب مهما كان مدى تطوره!
بعد دروس الجوكر التي استمرت لساعات طويلة، وقف "ياسين" أمام المرآة يرتب ربطة عنق بذلته السوداء وينثر عطره، فبرز جمال عينيه العسليتين وتناسق جسده الرياضي، مدققاً النظر في ملامحه التي اكتسبت من ملامح جده "ياسين الجارحي" طابعاً يجعله يبدو كأنه ابنه أكثر من عدي.
ولجوار يرتدي زين بذلته الرمادية بإهمال وعدم رضا عما يخططان لفعله. تألق كلاهما كأنهما اليوم عريسان يُزفان لزوجتيهما، وبينما يهذب زين خصلات شعره الطويل، دمدم ساخراً: — حمايا العزيز بقاله أربع ساعات بيديني دروس عن كيفية خيانة بنته!! لا ومن إخلاصه مديني درس تنفيذي عشان أطبق كلامه عملي! عمرك شوفت حال أغرب من حالي؟!
لم يتمكن ياسين من كبت ضحكته الرجولية وقال يمازحه: — بيطمن إن الدكتورة هتقع في إيد أمينة!
تأججت عين زين الزيتونيتان بوميض العشق، وردد بصوت هادئ مغمور بالحب: — في إيد وروح وقلب أمين عليها والله! ده أنا عبد مسكين دايب وروحي مشتاقة تعانق روحها.
ربع ياسين يديه أمام صدره يتابعه بسخرية: — بالنسبة للمهمة اللي طالعينها دي.. نأجلها ونقعد نسمعك يا أستاذ كاظم؟
استقام زين يعدل من جاكيت بذلته بغرور: — نأجل إيه؟ أنت عايزنا نسقط من أول جولة ولا إيه؟! وبعدين لسه الشيطان يومه بكره، فاعتبر إن الجوكر بدأها معانا بالسهل.
وأشار لياسين يحذره: — أنت تطبق الدروس كلها وأنا هتفرج من بعيد.. أنا مرتبط ومعرفش أخون!
شمله ياسين بنظرة ساخرة وعقد ذراعيه مستنكراً: — وسيادتك جاي معايا ليه بقى طالما المهمة كلها بقت على كتافي أنا؟!
أجابه ببراءة مضحكة: — هشجعك من بعيد!
تجاهل ياسين حديثه الساخر واتجه يجذب الأوراق التي قدمها لهما مراد، وضعها على الطاولة الخشبية وفرد المخطط الأبيض الذي رسم تفاصيل المكان من الداخل والخارج. تمعن زين بالمخطط ثم قال بذكاء: — الكاباريه ده ما هو إلا ستارة يتدارى وراها الأنشطة التانية.. مكان زي ده إخفاؤه هنا سهل جداً ومش محتاج تعقيد، واستدراجهم أسهل بكتير؛ عشا عمل في مكان زي ده ومن هناك يتم تنفيذ العملية بالكامل.
هز ياسين رأسه باقتناع وقال: — زي ما الجوكر قال، فضايح رجال الأعمال والفيديوهات المسربة ليهم كانت بتتم بعد دخولهم المكان ده، بس يا ترى بيتم تصوير الفيديوهات دي فين؟ المكان كله عبارة عن دور واحد: صالة رقص كبيرة، ومطبخ وحمامات.. مفيش فيه غرف خالص!
طال صمت زين وعيناه لا تفارقان المكان المخصص للبار، فجأة هتف: — المكان اللي فيه البار مش طبيعي! المساحة المبني عليها بالرغم من طولها إلا أنه مش باين إنه مبني على المساحة دي كلها.
ركز ياسين في كلامه ثم هدر: — في باب سري!
شجعه زين بابتسامة ماكرة: — والباب ده بوابة ننهي بيها القذارة اللي بتحصل وراه.
اتسعت ابتسامة ياسين ومازحه وهو يتخطاه: — هنعملهم حملة تنظيف على نفقة الدولة.. متنساش بس المعقم والمطهرات!
ملأ زين جيبيه بالأسلحة وهو يجيبه بابتسامة خبيثة: — اتوصيت بيهم لأجل عيونك يا شريك!
ثبتت شاربها جيداً وعدلت الكاب الخفي للجاكيت الأسود، حتى عيناها الزرقاوان اللتان تفضحانها أمام عينيه العسليتين أخلتهما بعدسات سوداء. اجتهدت "مرين" حتى حصلت على مظهر رجالي متناسق يصعب التعرف عليه، ثم سحبت سلاحها وخرجت تتهادى بخطواتها خلفهما حتى اعتلت دراجتها النارية، ومضت خلفهما بذكاء وخطوات مدروسة.
صف كلاهما السيارة بالخارج، وتفرقا كأنهما لا يعرفان بعضهما. اختار زين الجلوس على المقاعد المقابلة للبار المشكوك في أمره، بينما ولج ياسين للداخل ينفذ الجزء المهم في الخطة الموضوعة. حرص على أن تنتبه له الفتاة التي تلهو بكأسها في ملل، ثم غادرها حين رأته يستكمل طريقه بثقة وغرور وكأنه لم يرها.
جلس على إحدى الطاولات يلهو بهاتفه بجمود تام، وحين طالعها وجدها ترفع كأسها نحوه تحييه، فأحاطها بنظرة باردة غير مهتمة، وسحب بصره لهاتفه بلامبالاة زادت من غضبها وحنقها. وقبل أن تبدي أي رد فعل، أتاها من يهمس لها بشيء جعلها تستقيم وتلحق به إلى طاولة تحوي ضحية جديدة ستُنسب لها.
استقبل هاتف ياسين رسالة ساخرة من زين: «هتقضيها تقل ولا إيه؟ انجز في أم الليلة الملزقة دي! المنكرات هي اللي فيها إغراء.. بتشد رجلي وأنا تقريباً اتزحلقت، أنقذني يا صديقي العزيز!»
وضع ياسين الهاتف جانباً ورفع عينيه يتفحص المكان بهدوء غير مشكوك فيه، حتى رأى زين يرتشف من الكأس الذي وضعه النادل أمامه كي لا يثير الشكوك، بل وأشار له بسرية تامة أنه الكأس الرابع حتى الآن! فإن نجح الخمر وسيطر بمفعوله، ستسقط المهمة بأكملها على عاتقه بمفرده!
تأفف ياسين بحنق ونهض يجمع متعلقاته يستعد لأول خطوة نحو الفتاة، لكنه بقي في مكانه مشدوهًا من رؤية شاب ذي جسد نحيل يخترق الطاولة التي يجلس عليها الهدف، يتهادى بوضع المشروبات بينما يدفع جهازه الصغير جانباً ويغادر بثقة تامة، مما جعل ياسين يتمتم بغضب وعدم تصديق: — محدش هيكسر عنادك ده غيري!
سلكت مرين ممراً جانبيًا من الطريق المؤدي للمطبخ تضع السماعات في أذنيها لتستمع لما يدور على الطاولة. انكمشت ملامحها باستغراب حين لم تحصل على أي إشارة، فعبثت بجهازها تحاول تحديد المشكلة، فإذا بقبضة قوية تسحبها لإحدى الغرف الخاصة بتبديل ملابس الموظفين وتدفعها نحو الحائط! بينما ارتفعت يده الأخرى بالجهاز الذي زرعته يضعه نصب عينيها، ويده تنتزع شاربها المزيف، ونطق بحدة: — غبائك كان هيكون سبب في قتلنا كلنا النهاردة! وأول الغباء هو شكلِك المضحك ده!
وتابع وعيناه العسليتان تتحديانها عن قرب: — مكنتيش محتاجة تتنكري.. بشكلك الطبيعي كنتِ هتباني إنك راجل من غير أي مجهود!
التقطت الجهاز من يده بعنف وجابهته بنفس الحدة والغضب: — لو شكلي بيديك إيحاء إني راجل فأنت محتاج تروح تكشف نظر! ثانياً، الغباء ده انسبه ليك ولطريقتك الهمجية في التعامل.. أنت محتاج تفوق نفسك من الغرور القاتل اللي ملاحقك ده! أنت من غير مساعدة زين في أي عملية بتطلعها ولا حاجة!
ظنته سيثور، لكنه فاجأها بابتسامة ثابتة تطوفها نظرة تسلية، وكلمات زادت من غضبها: — أخويا وصاحب عمري وشريكي.. لو متسندتش عليه هتسند على مين يعني؟ عليكي أنتِ مثلاً؟!
ثم مال يهمس لها بسخط: — لو عملتها هكفي على وشي! أنتِ مش بس عنيدة ورأسك صلبة، أنتِ مهما حاولتي تعملي عمرك ما هتعرفي تساندي شخص بقدراتي، لأن الحقيقة اللي بتنكريها إن قوة الست مهما فاقت التوقعات عمرها ما هتجابه قوة الراجل في ميزان واحد!
ووضع شاربها في كفها مستكملاً: — لما سيادة الفريق يعرف إنك السبب في تعريض المهمة كلها للفشل، وخصوصاً بتعطيلك ليا اللي ممكن يتسبب في كشف زين بره، أعتقد هيكون سبب كفاية لاستبعادك من أي مهمة نطلعها أنا وهو.
وأضاف بابتسامة واسعة: — وده هيخليني في منتهى السعادة.. إني أشتغل أنا وهو من غير شغل لخبطة العيال اللي بتعمليه في كل مهمة ده!
أنهى حديثه واستدار ليغادر، فأوقفته حين قالت باستحقار: — طريقتي كانت ناجحة وأنت اللي قصدت تشيل الجهاز عشان يكونلك طريقة تانية وحل بديل.. أنت متعمد تكون دخلتك عن طريق الحقيرة اللي اختارتها! فبلاش تعيش الدور عليا يا سيادة الرائد المحترم!
ارتسمت ابتسامة لعوبة على وجهه، أبادها واستدار يواجهها بحاجبين منعقدين متسائلاً ببراءة قاتلة: — حقيرة مين اللي تقصديها؟ أنا سنجل معرفش حد للأسف!
وربع يديه أمام صدره يطالعها بتسلية: — ولو نفترض إني حابب أتسلى شوية في وسط الضغط ده، يضايقك في إيه يا سيادة الرائد؟!
ارتبكت أمامه واستدارت تعيد لصق شاربها وترتب ملابسها قائلة بجمود: — هيضايقني في إيه؟! أنا كل اللي يهمني إن المهمة تنتهي على أكمل وجه.
حك طرف أنفه بخبث وقال: — مصدق كلامك اللطيف، وعشان كده مضطر إني أجبرك تسمعي كلامي كله بالحرف، لأن بسبب عنادك الغبي ده زين بقى خارج اللعبة ومش هينفعني بحاجة!
بدأ رجال الأمن يخلون الصالة تدريجياً إلا من الطاولة التي تجمع رجال الأعمال والهدف المطلوب، حيث اعتذروا للزبائن بأن لديهم احتفالاً خاصاً. وبالفعل أصبح المكان فارغاً إلا من زين القابع على البار يرتشف كأسه وهو يدعي التأثر والترنح متلعثماً: — ألم الخيانة أصعب ألم ممكن يصيبك يا صديقي!
استحوذ على انتباه النادل، بينما يستطرد وهو يميل يساراً ويميناً: — أنت عارف أنا واثق إني مش لوحدي، رغم إني فعلاً لوحدي!
أتى أحد الرجال التابعين للشبكة الإلكترونية يحادث النادل بانزعاج: — ده هنا بيعمل إيه؟ مش قولنا فضوا الصالة؟!
أجابه النادل بنظرة شفقة: — فضيناها ومفضلش غيره.. زي ما أنت شايف يا باشا، حالته متدهورة خالص ومفيش معاه لا بطاقة ولا تليفون ولا أي حاجة، خوفت أرميه بره يعملنا مشكلة.
واستأنف يطمئنه: — عيشوا أنتوا ومالكوش دعوة بيه، ده في ملكوت تاني لوحده! شكل مراته خانته وشارب ومش داريان بحاجة.
قبض زين قبضة يده القوية بتوعد، ولكنه استكمل تمثيله البارع وراح يشير إليه: — هاتلي كاس تاني يا اسمك إيه؟
أسرع النادل يسكب في كأسه وهو يذكره بنفسه: — محسوبك عبد الرحمن يا باشا.
هز رأسه بلا مبالاة وعاد يرتشف وهو يخبره: — أنا مش وحيد ولا لوحدي يا عبده.. أنا مينفعش أكون وحيد، الوحدة خطر عليا وعلى اللي حوليّا!
تسللت مرين من خلف ياسين وهي تحمل سلاحها، فأوقفها بإشارته وهمس لها: — خليكي هنا، أنا هأمن المكان بره وراجع تاني.
عصت أوامره قائلة: — مالكش الصلاحية إنك تديني أوامر، أنا زيي زيك!
ضم شفتيه وهو يسحب نفساً طويلاً بينما حرك عنقه فطقطقت عظامه، وفي لحظة استدار يقابلها بنظرة مشتعلة وصوت هادئ ينفي حالته الغاضبة: — اكسري عنادك ونفذي أوامري! إحنا في الحالة دي بسببك، فاسمعي الكلام وبدون جدال وإلا...
واجهته بغضب: — وإلا إيه؟!
رد بنفس الهدوء الذي يحمل تحذيراً: — هكمل لوحدي ومن غيرك.
ضحكت مستهزئة: — ودي هتعملها إزاي؟!
كانت ابتسامته شريرة لدرجة أربكتها، خاصة حين أعاد سلاحه خلف جاكيته ورنا إليها، فتراجعت حتى اصطدمت بالحائط. لم تجد ما تفعله إلا أن ترفع سلاحها في وجهه تحذره: — إرجع مكانك يا ياسين! وأوعى تعمل اللي بتفكر فيه ده.. إياك!!
انتشل السلاح من يدها بسرعة البرق وهمس بنبرته المغوية: — السلاح يعور إيدك.
واقتب منها حتى كرر همسه بجدية وغضب جحيمي: — مش حفيد ياسين الجارحي اللي يترفع عليه سلاح!
قالها ورفع إصبعيه يضغط بثبات على عرق رقبتها النابض، ففقدت الوعي في اللحظة ذاتها! سندها للخلف ووضع أمامها خزانة عريضة، ثم أسدل الستار عليها وهو يشيعها بنظرة أخيرة ونبرة محملة بالانزعاج: — عنادك ده هيكون نهايته خسارة حد فينا، بس متقلقيش.. توبتك منه على إيدي أنا!
اندفع ياسين للخارج يدرس الأمر بحذر، بينما ينتظر زين إشارته للهجوم وقد بدأ الخمر يضايقه بالفعل. مال زين على ذراعه يلعن رفيقه ويرتب له موتة منطقية تليق بتاريخه الحافل فور أن يلتقي به. فإذا بالنادل يحركه قائلاً: — بقولك إيه، خلاص إحنا بنلم الحاجة وهنقفل.. يلا خد بعضك وأتكل!
منحه زين ابتسامة هادئة وردد بصوت خطير الصدى وهو يرتشف ما بيده ببرود: — أنت فاكرني لوحدي؟! قولتلك أنا مش وحيد!
قالها بالتزامن مع انطلاق رصاصة ياسين كاتمة الصوت لتستهدف منتصف جبين النادل فسقط على البار صريعاً! استكمل زين ارتشاف كأسه واستدار يواجه ياسين بنظرة غاضبة: — اتأخرت يا شريك!
أشار ياسين إلى الغرفة السرية من خلفه بنفس النبرة: — كان عندي مهمة زيادة.
زم زين شفتيه بسخط: — التهمة دي مش هنخلص منها إلا بعريس!
ثم ارتشف ما بالكوب وهو يقترح على من يعمر سلاحه ويتأكد من الكاتم استعداداً للمهاجمة: — ما تتجوزها وتعتزل؟!
تلاشت صفاء عيني ياسين العسليتين وارتسم فيهما إنذار الخطر، فردد ببطء قاتل: — زيــــن!
اترك تعليقاً على هذا العمل