رواية اشباح المخابرات الفصل الثالث بقلم ايه محمد رفعت
أحدث سقوط جثمان النادل صوتاً جعل اثنين من أفراد العصابة يخرجان لاستكشاف ما يحدث بالخارج. وقفا خلف "زين" تحديداً، مما دفع "ياسين" إلى سحب سلاحه وسرعة تحذير رفيقه. فهمه زين من مجرد نظرة خاطفة، فاستل سلاحه بدور واستدار يحرر رصاصة استقرت في منتصف رأس أحدهما، في نفس اللحظة التي كانت تتقاطع فيها رصاصة ياسين لتخترق منتصف رأس الآخر. كلاهما مدرب بحرفية قتالية مخيفة تجعل العدو يفكر ألف مرة قبل أن يلحق الضرر بأحدهما.
أسرع ياسين يدير الباب السري للبار حتى أصبحت وجهته مكشوفة كلياً، فوجد جهاز كمبيوتر يتحكم بالكاميرات المزروعة بالغرفة الداخلية للممر السري. عبث بأزراره في محاولة لفتحه حتى يستعلم من الكاميرات عن عدد الحراس بالداخل ومواقعهم، بينما تحرك زين نحو الزجاجات الممتلئة خلف البار يبحث عن أي عصير يساعده في الإفاقة.
استدار ياسين نحوه يتساءل باستغراب: — بتعمل إيه؟
أجابه وهو يلوي شفتيه بنفور: — القطرة اللي حطيتها في الويسكي مبطلتش مفعولها بشكل كامل، حاسس إني مش فايق بشكل كلي.
كبت ياسين ضحكة ساخرة كادت أن تنفلت منه وقال: — معلش، كان المفروض أنجز وأخرجلك في خلال خمس دقايق متكونش كملت فيهم تلات كاسات، بس مش أنا السبب.. عنيدة هانم بنت عمك هي السبب.
مط زين شفتيه بنزق وهو يتجرع عصير البرتقال الذي وجده: — مرين دايماً عائق في كل مهمة إنت بتشاركني فيها.
واستطرد بضيق: — يلا، كلها تضحية في سبيل الوطن، ربنا يغفر لنا كل المصايب اللي بنعملها عشان نتمم المهمات الزفت دي.
عاد ياسين يعمل على الحاسوب ببراعة، وقال وهو يركز النظر فيه: — شكلك معبي، ومش مظبط كده من أول اليوم!
احتلت زين المقعد المقابل له وسكب من عصير البرتقال في الكأس الذي يتجرعه، هادراً وهو يحارب بعض آثار السُكر: — أنا بحب رحيم زيدان جداً، بحب شخصيته القوية قدام العالم كله والضعيفة قدام الست الوحيدة اللي ملكت قلبه، بس في نفس الوقت بزعل وأنا شايف والدتي بالضعف ده.. بشوفها رقيقة وناعمة لدرجة إن أي شيء بيأثر فيها وبيسيب علامة جواها، تقوم بعد الفوبيا دي تطلع مارال نسخة منها، ويزيد جوايا الخوف من تاني إني غصب عني أكون معاها نسخة من رحيم زيدان! بصراحة لو ده حصل هكره نفسي.
وأضاف ليوصله للنقطة التي يود قولها: — لما ببص على فرق الشخصيات بين مارال ومرين بحس إني مكنش ينفعني حد غير مرين، هي اللي كنت أقدر آخد حقي منها وقت زعلي، لكن قدام مارال بضعف ضعف أنا مش بمتلكه في شخصيتي.
وابتسم ساخراً وهو يتجرع كأسه مرة واحدة ببرود: — جوايا شخص عاشق ولهان دايب حابب يستجم معاها ويجيب ورد وشوكولاتة ويتفنن يقولها كلام وأبيات عن الحب، وفي نفس الوقت في شخص شرس صعب يتراوض، عايز يجيب أحشاء العالم كله وقت غضبه.. أنا توهت وتعبت مني يا ياسين!
ترك ياسين ما يفعل وتطلع نحوه بنظرة شك وصدمة: — ده وقته كلام من ده يا زين؟ إنت سكرت تاني ولا إيه؟!
وجذب منه زجاجة عصير البرتقال التي يتجرعها، ثم سحب الكأس وصاح فيه: — فيها نسبة كحول مش عصير برتقال!!
بصق زين ما بجوفه بفزع وصاح بتذمر: — ولاد الـ*** مفيش أم حاجة طاهرة في المكان الـ*** ده تتشرب!
وضم مقدمة أنفه وهو يهتف بوجوم: — طيب إيه؟ أنا عايز أفوق مش عارف!
اتسعت ابتسامة ترحاب على وجه ياسين وردد بكل صدر رحب: — طول ما صاحبك موجود أوعى تحتار ولا تشيل هم.
وختم قوله حينما سكب من فوقه إناء الثلج الضخم الذي تناثر داخل قميصه الأسود المفتوح، مما جعله يشهق هلعاً من شدة البرودة، فصاح بغضب: — حساباتك تقلت معايا يا جارحي، كل ورقة ولها تصفية حسابات!
منحه ياسين قبلة في الهواء وعاد يستكمل ما يفعله، وأشار له: — ميخلصنيش إنك تشيل كل الأوزان دي يا زيزو، نخلص على الجماعة دول ونتصافى، بس تفوق كده وتصلب طولك عنيا ليك.
سحب زين عينيه الزيتونيتين للبراد جاذباً زجاجة من المياه يتفحصها بدقة، بينما ما زال ياسين يحاول حصر عددهم بالداخل. فجأة انتبه ياسين لملف سري على الجهاز حاول فتحه كثيراً ولكنه لم يستطع، فناداه: — زين محتاج مساعدتك هنا.
لم يأته أي رد من خلفه، فاستدار يستكشف مكانه، فوجده يقرأ ما دون على الزجاجة بعناية، فضحك ياسين مستهزئاً: — ما هو مش هيحطوا الكحول في المية كمان، إنت مش طبيعي بجد!
فتح زين الزجاجة يتجرعها ويسكب محتوياتها على وجهه، ثم ردد ساخراً: — احنا مش واقفين في مسجد يا جارحي!
وسحب السلاح من خلف ظهره يتفحصه بإمعان، بينما يشير له ياسين: — الملف ده متشفر حاول افتحه مش بيستجيب، حاول كده إنت.
تجاهل زين حديثه وفتح الباب السري يخبره بملل: — مش طالبة فرهدة، صحي مرين هي أكتر حد خبير فينا في الكلام ده.
سأله باستنكار ساخر: — أمال هي طالبة مع سيادتك إيه؟
ارتسمت بسمة شيطانية على وجهه وكأن شبح "رحيم زيدان" تلبسه فجأة، فجذب السلاح الموضوع بحزام ياسين ثم مضى للداخل بخطوات واثقة: — بركة دم الأنجاس دول هتهيأني نفسياً.
وأغلق الباب من خلفه، فلكم ياسين الباب وصاح بعصبية: — زين افتح وبطل جنان!
وحينما أحاطه اليأس صاح بغضب: — في ضحية جوه معاهم، خد بالك طيب!!
هز رأسه بقلة حيلة، وانطلق ينفذ المهمة الواقعة فوق أعناقه والتي تعد الأصعب مما يجتازه زين. سلك الطريق للغرفة التي ترك مرين بها، وأبعد الخزانة والأغراض التي يخبئها من حولها، فإذا به يجدها تتمدد أرضاً بملامح بريئة قد تجعلك مندهشاً أن ذلك الملاك الرقيق يمتلك كل تلك الشراسة. ابتسم ياسين وهو يراقبها بنظرات اختلج فيها عشقه المدفون لها، وإذا به يعنف ذاته ويسلخ نظراته عنها متمتماً بضيق: — استغفر الله العظيم، فتنة لازقة فيا في كل مكان بروحه!
واستطرد بمكر: — أكسر عنادك الأول وبعدين نشوف طريق مشترك يجمعنا، مع إني أشك إني ألاقيه.
سحب ياسين زجاجة المياه ونثر منها على وجهها، فتأوهت وهي تضم رقبتها بتعب. أفرجت عن عينيها الزرقاوين فوجدته ينحني على بعد لطالما حافظ عليه بينهما. أبعدت خصلاتها البنية خلف أذنيها واعتدلت تتطلع له بغضب وأنفس تتردد في صدرها بعنفوان. ابتسم ياسين وردد بلطف: — آسف على طريقتي اللي هتسميها همجية، بس لو ممكن تفوقي كده معايا عشان محتاجين مساعدتك بره يا سيادة الرائد.
شملته بنظرة ساخطة وقالت: — ساعد نفسك بنفسك يا سيادة الرائد.
قالتها ونهضت تنفض جاكيتها الأسود الطويل وبنطالها الأسود، وخصلات شعرها تتفرد خلفها بحرية. طمست عيناه الغضب كلما رآها هكذا؛ فقد اعتاد رؤية الحجاب يلازم نساء عائلته، ورؤيتها هكذا تشعل النيران داخله خاصة وهي بالجهاز، حيث يستطيع أن يرى نظرات الإعجاب تندس بأعين زملائهم نحوها. جاهد كثيراً ليخبرها أن تلتزم بالحجاب، ولكنه يعلم أن المهمات التي ستفرض عليهم خارج مصر بعدما ينتهوا من تدريباتهم ستلزمها بالتشكل حسب الشخصية التي ستنتحلها، ربما لذلك كان يقيد حبه الشديد لها، ولا يرغب أن يعترف بمشاعره التي ستكون بداية اعتقال سيكون هو أول من يوضع خلف قضبانه.
استقام بوقفته خلفها، وجذب الكاب الملقى أرضاً ودفعه نحوها قائلاً بخشونة: — إلبسي.
مضت بطريقها غير مبالية بحديثه: — مبقاش له لزمة، إنت شايف إني كده مش هتكشف أكتر، وبعدين إنتوا شكلكم كالعادة خلصتوا الحكاية من قبل ما تبتدي ومستنيين أحط الطاتش الأخير.
لمحت عيناه الصقرية ظل شخص يختبئ أمام الغرفة، على ما يبدو أنه انتبه لأصواتهما وسلاحه مرفوع في حالة تأهب واستعداد للمهاجمة. وفي سرعة ومهارة عالية اكتسبها من قائده "ليل العربي"، اندفع نحوها يسحبها إليه وهو يناديها بفزع: — مــــريـــــن!!
وبدلاً من أن ينتظر مهاجمته اندفع نحوه، يلوي ذراعه بحركة مفاجئة صعقت الخصم، بل وانتشل منه سلاحه في لمح البصر واستقرت رصاصة منه بمنتصف جبهة ذاك المصعوق، فسقط أسفل أقدامهما.
خرج يحمل السلاح يمشط الطرقة الطويلة بتفحص، وحينما وجدها آمنة، ولج للغرفة مجدداً يتأمل من تقابله بنظرات ثابتة لم تهتز خوفاً من خطر اعتادت عليه مثلما اعتاد هو. سألها وهو يتطلع نحو يدها: — سلاحك فين؟
عبثت بضيق مما ستستمع له الآن، وقد صدقت ظنونها حينما قال ساخطاً: — نسيتي سلاحك!! طبعاً اهتماماتك كانت بتثبيت الشنب والكاب اللي مليان استراس بينك!!
زفرت بغضب وهدرت فيه: — أوف منك! إنت دايماً مش بتفوتك أي تفصيلة!!
قطع ابتسامة كادت أن تظهر على وجهه الوسيم، ومد سلاحه المكتسب من القتيل إليها، وأمرها: — خليه معاكي.
حملته منه وتساءلت بتوتر تحاول إخفاءه وهي تفعل سلاحها قيد التشغيل: — طيب وإنت؟
اتشح ببسمة ساخرة وفاه بخبث: — متقلقيش عليا، أنا بعرف أصرف نفسي!
واستدار بجسده نحوها يتساءل بنبرته التي تربكها: — هو إنتِ بجد خايفة عليا؟
سددت له نظرة حارقة، واتخذت وضع الهجوم وهي تتخطاه وتخرج من الغرفة تؤمن المكان بمهارة عالية. اتسعت ابتسامته وهمس بمكر: — محدش هيكسر عنادك غيري!
خرج خلفها يتابع الطرقة بتفحص حتى وصلوا إلى الجهاز المفتوح. علمت مرين سبب عودته لها الآن، فانبلجت لها ابتسامة ثقة وغرور واجهته بها حينما استدارت تواجهه بذراعين معقودين أمام صدرها: — إيه يا سيادة الرائد؟ مقدرتش تفرغ الجهاز ولا القرص صلب معاك؟
كانت تتمنى رؤية تعصبه ولو لمرة، ولكنه كان يفعل أكثر ما يزيد غضبها؛ فعكس ابن عمها الذي يبدي غضبه بسرعة البرق وأسرع من ذلك، كان هذا الماكر يواجهها بابتسامة هادئة ونبرة أكثر استرخاء: — أقدر أعملها وأنتِ عارفة كده، بس لو عملتها هيبقى دورك إيه في الليلة دي! أنا باللي عملته ده بأكدلك إن دورك محفوظ وله وقته المتسجل بالثانية، فمفيش داعي تستعجلي دورك وتبتديها دراما أغلبها من أفلام هندية، والهندي كله أڤورة يا سيادة الرائد.
احتقنت عينها الزرقاوان غضباً وغيظاً منه، وإذا بها تسرع برفع سلاحها بينما الآخر لم يهتز له جفن، وحتى ابتسامته لم تتلاشَ. وقفته الواثقة تكشف علمه بأنه ليس المستهدف من رصاصتها، بل وحفاظه على ثبات وقفته ساعدها على استهداف المسلح من خلفه، فسقط بعدما تلقى ضربتها أسفل قدمي ياسين الذي شمله بنظرة ساخرة ثم رفع عينيه العسليتين لها، فوجدها تخبره بنزق: — خلصين!
اتبعها وهي تتجه للحاسوب وتشرع بعملها، فقال وهو يراقب الطريق: — على أساس إنها آخر مرة هنقذك فيها! التاريخ بينا طويل أوي، أنتِ بعندك وأنا بطولة بالي، لحد ما نطلع معاش!
شملته بنظرة حادة من طرف عينيها وتجاهلته وهي تعود لفعل ما تفعله، وفي أقل من عشر دقائق كانت تجذب الفلاشة وتدمر الجهاز بالكامل. وحينما استدارت وجدته يطالعها بإعجاب وقال صريحاً: — سمعت إنك استغليتي الفترة اللي اتدربنا فيها أنا وزين مع ليل العربي واشتغلتي على الأجهزة والتكنولوجيا، بس حقيقي متوقعتش إنك بقيتي بالمهارة دي.. هايل يا مرين!
قالها ومضى من الباب السري يتبع زين، بينما وقفت هي بالخارج مصدومة من مدحه لها، بل وكادت أن تعيد تصليح الجهاز الذي أفسدته عسى أن تتأكد من الكاميرا الفاسدة وتستعيد هذا المشهد حتى تسمع ما قاله مجدداً!
تلاشت ملامح زين الإجرامية فور أن استقبل هاتفه مكالمة صوتية تنير شاشته، فارتسمت بسمة عشق على وجهه. أعاد وضع سلاحيه خلف ظهره وانزوى بإحدى الغرف يجيب بصوته الرخيم: — صباح كل شيء بريحة اللافندر على أجمل دكتورة في الدنيا كلها.
من يراه مبتسماً بملامحه الوديعة لا يصدق أنه للتو قتل ثمانية عشر رجلاً مسلحاً ويختمها بجملته الرومانسية! ومضى بحديثه العاشق متسائلاً: — نزلتي المستشفى ولا لسه؟
أتاه صوتها الرقيق يجيبه: — أنا في العربية وعمو أحمد قرب يوصل للمستشفى خلاص.
بسمة ارتياح ارتسمت على وجهه، وقال: — حبيبة قلبي سمعت الكلام ومش هتسوق تاني؟
تنحنحت وهي تحاول استدعاء خشونة ليست بها: — زين وبعدين معاك بقى؟ إسأل أسئلتك وقول كلامك كله من غير ما تحط كلام من ده، قولتلك أنا لسه خطيبتك!
تجهمت معالمه: — وأنا سبق وقولتلك نكتب الكتاب ده هيخلينا مرتاحين من كل الدوشة دي.
نطقت بفزع أضحكه: — لا مش موافقة على ده أبداً، أنت مينفعش معاك عقد قران إلا يوم الفرح.
تحررت ضحكاته الرجولية فأخجلتها، وخاصة حينما همس لها: — خايفة مني!! أنا متهور آه بس عندي حدود.
أبدلت حديثها والتوتر والتحفظ يصلان إليه: — وصلنا أهو، هبقى أكلمك بعدين أنا هنزل عشان دوسة مستنياني.
تمادت ضحكاته بشدة وجاهد لخروج كلماته: — دوسة!! ناديها باسمها الحقيقي أحسن يا مارال، حبيبتي الاسم ده مش لايق على هويتها السرية! دوسة دي قادرة تحارب جيش رجالي وفي لحظة تخليهم مكانهم جثث! طالعة من تحت تدريب الأسطورة باكتساح.. أنا مش عارف ملقتيش غيرها تكون البيست فريند! أنا بخاف عليكِ منها يا ميري، أوعي تزعليها ولا تعصبيها طول ما أنا مش في مصر، ولو حصل وبصتلك نظرة واحدة بس معجبتكيش كلميني أكلمها أنا.
هبطت من السيارة تعدل فستانها الأزرق الفضفاض، ويتأنق خمارها الأبيض الطويل من فوقه، تعدل حقيبة يدها والهاتف على أذنها، وخاتمها الألماسي يحتل كف يدها الناعم يثبت ملكية زين زيدان لها. ابتسامتها الجذابة ساحرة، ورغم ملامحها العادية إلا أنها كانت مميزة بلون بشرتها الخمرية وعينيها البنيتين. اتسعت بسمتها على حديثه وقالت مستنكرة: — مش مصدقاك يا زين، دوستي مفيش في طيبة قلبها ولا رقتها.
رد بسخرية مضحكة: — عشان مطلوب منها تبقى رقيقة وميتشكش في أمرها يا قلب زين، بس خليني أشهدلها بأنها ناجحة وبامتياز طالما نجحت تخدع أقرب صديقة ليها بالبراءة اللي مش فيها دي!
واستطرد وهو يودعها بحب: — هقفل عشان مأخركيش، تحبي أفكرك بتعليماتي ولا الجميل فاكر كل حاجة؟
تنهدت بقلة حيلة ورددت: — اطمن، لا بكلم دكاترة شباب ولا بكشف على رجالة، أساساً إنت ناصب الكمين مع المدير، مش بيدخلي أي حالات غير الستات وبس.
كبت ضحكته وقال بخشونة: — بيفهم الراجل ده! اللي يهاب زين زيدان من كلمة يتشال على الراس، إلا إنتِ يا جميل متشالة ومتصانة جوه القلب.
ابتسمت ووجهها يتشرب حمرته، ثم تنحنحت بخجل: — مع السلامة.
قالتها وأغلقت سريعاً، ثم ولجت للداخل تبحث عن صديقة طفولتها، فإذا بها تراها بغرفة المكتب المشتركة بينهما تجلس على مكتبها تكتب بدفتر العمل بتركيز وإمعان، وبنيتاها تتفحصان علب الأدوية. تسللت مارال على أطراف أصابعها حتى تفزعها، فتخشبت مكانها حينما قالت الدكتورة قدس دون أن ترفع رأسها: — مارال، إحنا كبرنا على الحاجات دي يا قلبي، مش عارفة ليه بحس إني عجزت وإنتي لسه بيبي صغنن.
انكمشت ملامح وجهها بخذلان، ومضت نحوها تجلس على المقعد المقابل لها بحزن: — هو أنا مش هعرف أخضك أبداً؟
رفعت وجهها الأبيض إليها تبتسم وهي تنزع نظارتها الخاصة بالقراءة وأجابتها: — مستحيل، افقدي الأمل بقى واكبري ممكن؟
وأضافت باستغراب وهي تتفحص ساعتها: — وبعدين جاية متأخر ليه؟ مش عادتك.
ارتسمت ابتسامة عاشقة على وجه مارال جعلت الأخرى تهتف بنزق: — مفهوم مفهوم، سيادة الرائد كان بيلحنلك أنشودة عشق وغرام!
وأضافت باستهزاء: — مع إني لما بشوفه مش بحس إنه يخرج منه ده.
مالت مارال تستند على المكتب بلهفة: — قوليلي يا دوستي، زين بيبقى عامل إزاي في الشغل؟ اشجيني واحكيلي.
شملتها بنظرة مستهزئة وأزاحت خصلاتها السوداء للخلف بتهكم: — مارال حبيبتي، هو إنتي مش وقعتي في حبه وغرامه واللي حصل حصل؟ عايزة تقعي فيه أكتر من كده؟
تلاشت ابتسامتها الحالمة، ونهضت تجذب ملابسها والبالطو الطبي الخاص بها، ثم اتجهت لحمام الغرفة وهي تهمس بضجر: — من ساعة ما انضميتي ليهم وإنتي مبقاش عندك خلق! مخصماكِ ومش هكلمك تاني خالص!
شيعتها ببسمة ساخطة، ثم عادت تواصل عملها وكأن شيئاً لم يكن.
أغلق زين الهاتف وهو يتطلع للشاشة بهيام، جعل من يتابعه يطالعه بسخط، متبعاً قوله الساخر: — الشيطان حينما يعشق! تصدق لو مكنتش شايف بركة الدم من على الباب كنت خمنت إن عندك أجنحة مخبيها تحت التيشيرت!
انتفض بجلسته وزفر بحدة: — خضتني يا أخي!
ضحك ياسين باستهزاء: — هو إنت بتتخض زينا يا زيزو؟! طيب قول كلام يخدعني وهتخدع!
ومال على الباب يربع يديه أمام صدره العضلي متسائلاً: — كان في ضحية جوه، شيعتها مع اللي اتشيعوا ولا مصيرها إيه جنابك؟
لوى شفتيه باستحقار: — متلقح عندك جوه ملفوف بملاية، مع إني كان المفروض مسمعتش كلامك وخلصت عليه.
ورفع كتفيه وهو يؤكد حديثه: — طالما دخل المكان المنحرف بإرادته يبقى يتعامل نفس المعاملة، بس إكراماً لكلامك وإني متعودتش أكسره أديته بالروسية بس عشان يسترخي ويهدي أعصابه بعد المجزرة اللي قومت بيها حوليه.
هز ياسين رأسه بعدم مبالاة وقال: — أعتقد كده المهمة تمت بنجاح، يلا قوم انسحاب.
نهض من مكانه يتمتم بغضب: — مستعجل على الرجوع ليه؟ هنرجع نلاقي رحيم توابيت بيستقبلنا، هنا رحمة صدقني!
أجابه ياسين بحماس: — ده أنا مستني الاستقبال ده من إمبارح، وبالذات إن النهاردة يومه.
منحه نظرة حزينة وقال: — إنت صاحب عمري الوحيد يا ياسين، بلاش تصعبها عليا لو قطعت علاقتي بيك مين هيستحملني بعدك يا شريك؟
وأضاف ضاحكاً: — إنت عارف إنت الوحيد اللي مستحملني عشان عندك قوة خارقة في الثبات والتحكم في الذات بصراحة بحسدك عليها يا جارحي.
أجابه وهو يمضي للخارج بغرور: — مش لوحدك يا حبيبي، ألف مين يتمنى يكون مكاني، بس أنا مبحبش أكون مكان حد!
اتبعه زين وهو يهمس بنزق: — نفس غرور رحيم زيدان، أنا متنازل عنه ليك!
ضحك ياسين وقال بسرور: — موافق.
واستدار يشاكسه: — بس أنا مش متنازل عن عدي الجارحي ولا في يوم هتنازل عنه، زي ما أنا صاحبك المقرب هو كمان صاحبي وأخويا الكبير، مقدرش بصراحة أشاركك فيه يا شريك.
شمله بنظرة نارية وقال وهو يغمز له: — احتفظ بيه وبكل أحبابك، أنا قلبي مليان وعامر بالحب اللي إنت بتكابر وبتحاربه.
كاد أن يجابهه في ساحة المعركة، لولا صوت مرين المنزعج من تأخرهما بالداخل: — هنقضي اليوم كله هنا ولا إيه؟!
تطلع كلاهما إليها، وبدون أي حديث خرجوا خلفها، يستقرون بالسيارة، وجلست هي بالخلف تراقب صمتهما الغامض بدهشة وتعجب ملموس!
تلك المرة كان رحيم أكثر حرصاً؛ أغلق الباب من خلفه بالمزلاج وتأكد من ذلك، ثم اتجه لسريره الموضوع على الجانب الأيسر يرتشف بعض النوم. مضت ساعة والأخرى حتى شعر بأحد يسحب الغطاء عنه، فتسللت يده لسلاحه، وقبل أن يرفعها ضغطت عليها كف قوية وتحذير من أكثر الأصوات خطراً: — إياك!
فتح زين عينيه الزيتونيتين بانزعاج وردد دون أن يدقق بمن أمامه، كأنه يعلم من هو: — نصاية وهجيب شريكي وهحصلك يا باشا، أي أوامر أخرى؟
منحه رحيم ابتسامته الشيطانية، وتلك المرة مسد على كتفه كالذي يروض طفلاً صغيراً: — جدع يا حبيب بابي، بموت فيك وإنت مطيع وبتسمع الكلام كده، يلا يا حبيبي هستناك تحت متتأخرش!
قالها وغادر من أمامه، تاركاً وجهاً يستشيط غضباً، بل كادت تنثقب النيران من عينيه، وبصوته الخشن الغاضب صاح: — جـــــــارحــــــــي!
أخفض ياسين غطاءه ضاحكاً بشدة: — صاحي وحاضر!
منحه نظرة منفرة ونهض يتمتم: — نص برودك وبروده مكنش جالي الضغط والأعصاب!!
مرر رحيم بصره إليهما بهدوء ما قبل العاصفة، مستمتعاً بنجاح خطته بعد أن كلف الجوكر بتدريب مرين على السباحة والبقاء أسفل المياه لدقائق طويلة، وها هو ينفرد الآن بضحاياه دون أي منقذ. تنحنح بخشونة وهو يمزق الصمت القاتل: — تاني درس هيتضاف لأول كلماتي، ويعتبر الأهم، هي نقاط الضعف.
تيقظت حواسهما معاً، وبدأ كلاهما يتابعان حديثه بتركيز عالٍ، فإذا برحيم يخطو بينهما بتناسق وخطواته المدروسة ليستخرج قوته بحديثه الواثق: — الحكمة المعتادة هي إنك لو وصلت أن ميبقاش ليك نقاط ضعف تبقى بقيت هيرو، بس بالنسبة لي أنا والمعتاد عني إني مبحترمش أي قانون متداول بين الكل.
ووقف الآن قبالتهما ينطق بصلابة: — الحكمة مزيفة وعمرها ما هتكون حقيقة، لأننا بشر، وأي إنسان عايش على الأرض مش هيكتفي يعيش ويموت لوحده. آدم عليه السلام منزلش الأرض لوحده، كانت معاه حواء، لذا الوحدة عمرها ما هتحميك من نقاط الضعف اللي ممكن يستغلها عدوك.
وأضاف بعقلانية جذبت إعجاب ياسين: — لو هنفترض إن وجود علاقة حب في حياتك خلقت ليك نقطة ضعف، ففي أساساً قبلها ألف نقطة ضعف: والدتك، أبوك، إخواتك، وكل فرد في عيلتك. فالحل إنك تكون جدير بحماية كل نقاط ضعفك الموجودة بالفعل في حياتك، ولما تحس إنك قادر تحمي نقطة ضعف جديدة هتدخل حياتك (زوجة بأولاد) يبقى تفكر بالخيار ده.
واستطرد وعيناه تسلطان على ابنه تلك المرة: — الظابط الناجح مُحارب من المجرمين أكتر شيء، فلو واحد فيهم نجح يلوي دراعه بنقطة ضعف ليه هيجي ألف واحد من وراه يقلده، ولو فشل واحد منهم في مرة إنه يأذي نقطة ضعفه هيجي اللي بعده وهأيأذيها فعلاً. فالحل إنك مش تسايس عشان تسترد نقطة ضعفك، لا.. تكسر دراعه وتسترده قدام عينيه قبل ما تصفهاله عشان يبقى عبرة للي بعده، ولما يفكر يحاربك يحاربك وإنت بطولك من غير ما يسحب وراك نقاط ضعفك واحد ورا التاني..
واستأنف وهو يسأل من يتأمله ليرسل باطن رسائله: — كلامي مفهوم؟
أشار زين برأسه بابتسامة غامضة جددت معها فتيل الماضي، وقد استشف ياسين وجود خطب ما بينهما تعاهد أن يستكشفه من رفيقه.
انتهى الحوار الدائر بينهما، وإذا برحيم يشير لابنه قائلاً: — موبايلك عليه موقع الجوكر، هو بانتظارك.
عبث زين بعدم فهم وتطلع نحو رفيقه: — وياسين؟
أجابه وهو يشمل الآخر بابتسامة مرعبة: — هبدأ معاه تدريبات النهاردة، وبكره دورك جاي!
ابتلع زين ريقه بارتعاب، فإذا به يضم ياسين بقوة ويهمس له بحزن مضحك: — كان على عيني أفارقك يا جارحي، أنا قلبي بيتهري وهيتمزق تمزيق عشانك!
شيعه بنظرة ساخرة وهمس له برجاء: — كتر الشاش وأنت جاي واشتريلنا لوح ثلج، أنا مش متفائل بعد الضحكة دي يالا!
ربت على كتفه وقال بشماتة: — وأخيراً شوفتك خايف! متخافش يا قلب الشريك، هجبلك الفريزر كله وأنا راجع. متنساش الشهادة قبل ما تدخل، عسى أن تنال الشهادة في تلك المعركة.. سلام يا شريك!!
مر مراد من جوار المسبح يراقب العداد الصغير الذي يحمله يتابعه بدقة عالية، ثم ردد للجهاز الذي تحمله مرين: — اتنفسي عادي يا مرين، نفذي تعليماتي بهدوء وحاولي تصمدي أكبر مدة ممكنة.
شعرت بأنها ستختنق، ولكن كلمات أبيها المحمسة أعادت تلقينها لما قاله لها بالمرات الثلاث الماضية، فإذا بها تحصل على بضعة دقائق أخرى أسفل المياه قبل أن تصعد لسطح الماء تنتزع قناعها وهي تسحب نفساً طويلاً تحاول فيه استرداد أنفاسها الطبيعية، ورددت بتقطع: — إيه رأيك يا بابي؟
جلس جوارها على طرف المسبح يبعد خصلاتها المنزلقة على زرقاواتها بحب: — عظيم جداً يا حبيبة بابي، ولعلمك أربع دقايق كمان وهتجيبي المدة بتاعتي!
ارتسمت ابتسامة محمسة على وجهها وقالت بتحدٍ: — بعد تدريباتك ليا هعملها أكيد بإذن الله.
ارتسمت ابتسامة جذابة على وجهه وقال: — إن شاء الله يا حبيبتي.
رفعت ساقيها من المياه واستدارت نحوه تخبره ضاحكة: — ينفع أقولك حاجة؟
أشار لها بابتسامته الهادئة: — قولي حاجات مش حاجة واحدة.
كبتت ضحكاتها وفاهت: — أنكل رحيم إمبارح قالي إنك أعظم وأحن راجل في الدنيا، مش هتصدقني صح؟
اتسعت ضحكته بشكل مسموع ورد عليها: — لا مصدقك، أنكل رحيم يا حبيبتي عنده انفصام في الشخصية، بس في كلتا الحالات حتة الأنا عنده عالية أوي أوي، بس هبص على الجانب الإيجابي إنه على الأقل شايفني كده بينه وبين نفسه.
قالت بصوتها الرقيق: — قال الحقيقة، أنت أفضل وأحن أب في الدنيا كلها يا بابي.
ضمها إليه بمحبة غالية؛ مرين نسخة متطابقة منه: نفس الملامح، المهارات القتالية، كل شيء يمتلكه انتقل منه إليها إلا عنادها الذي اتخذته عن أمها. مسد على ظهرها بكل حنان وأبعدها يخبرها: — وإنتِ أفضل وأشطر ظابط دربته.
وتابع وهو يشير لها: — يلا يا حبيبتي اطلعي غيري وارتاحي شوية، هشوف زين وبعد كده هجيلك.
هزت رأسها في طاعة وغادرت على الفور، بينما نهض يستقبل زين الذي ما إن رآه حتى ردد بنفور: — المرة اللي فاتت علمتنا إزاي نشقط مزة، المرادي الليلة مودينا على فين يا حمايا العزيز؟
ضغط ياسين بأسنانه على المقبض الموضوع بفمه وهو يتحمل ضغط الألم الذي سرى بعروقه من تلك الإبرة التي دسها رحيم إليه، وقد حرص أن تمضي أول دقائق حتى يبدأ مفعولها بالعمل. فإذا بياسين يجاهد لفتح عينيه اللتين تدوران به في حلقات متسلسلة. مال رحيم إليه يسأله بخشونة حازمة: — اسمك إيه؟
جاهد لتحريك شفتيه وهو يختبر ذاك الألم القاتل، فنطق باسم الشخصية التي لقنها إياه رحيم قبل أن يدس المحقن: — أحمد.
صاحت الأجهزة من حوله بأن إجابته كاذبة، وتلقائياً نبعت منها إشارات طعنت جسده بألم جعلته يتأوه بوجع، فصاح رحيم غاضباً: — صدق كل حرف بتقوله عشان الجهاز يصدقك قبل ما اللي حوليك يصدقك!
وتابع وهو يتطلع له بنظرة حازمة: — ركز مهما كان حجم الألم اللي بتعاني منه، غلطة بسيطة قادرة تضيع تعبك ومجهودك كله، والنهاية مش هتكون فرصة تانية زي اللي بدهالك دلوقتي، نهايتك هتكون الموت يا سيادة الرائد.
ونصب عوده بكبرياء بينما يعيد سؤاله بقوة: — اسمك أيــــــه؟
طبق ياسين كل حرف تفوه به، فأغلق عينيه بقوة واستمد نفساً طويلاً ثم رد: — أحمد عبد التواب.
راحت الإشارة تعلن صدقه، فانبلجت ابتسامة ثقة على وجه رحيم ومضى بسؤاله القادم: — بتشتغل إيه؟
حافظ على ثباته بحرفية نالت إعجاب الأسطورة الذي قلما يثير إعجابه شيء: — مهندس بترول.
عاد الجهاز ينير بصدقه، فاتسعت ابتسامته ومضى بسؤال آخر: — بتشتغل بالجهاز؟
استدعى كل نقطة تركيز لديه وهو يجيب بثقة: — لا.
الإشارة تصدق حديثه للمرة الثالثة، فتنهد رحيم وقال: — برافو يا بطل.
واسترسل وهو يحرره من الرباط: — ده أحدث جهاز لكشف الكذب، تخطيك ليه هيخليك تتخطى أي جهاز مهما كان نوعه!
تأوه زين ألماً وهو يعافر الوجع والحرارة القاتلة التي تسربت لأنحاء جسده، فجلس يعافر على المقعد الذي قيد به يتابع عمه وهو يعيد ترتيب الإبر بحقيبته ويغلقها، فناداه بألم: — إنت عملت فيا إيه؟
ضحك مراد وهو يجيبه باستهزاء: — أبوك مصمم إني أنا اللي أدربك أهم تدريب للأسف، شكله عايزني أتأكد من نزاهتك وإخلاصك لمارال قبل ما أسلمهالك!
وترك ما بيده وانطلق يقف قبالته يناديه بجدية تامة: — زين!
حاول فتح عينيه وهو يزدرد حلقه الجاف بصعوبة، فقال مراد بنبرة جادة للغاية: — لما بنخرج لمهمات دولية بنتعرض لكل شيء ممكن يخطر في بالك، وأهمهم العنصر النسائي، بيحاولوا يسيطروا بيه عليك عشان يستدرجوك، وللأسف ناس كتير بتضعف وبتكون دي البداية لوقوعهم.
وأضاف بحزن وضيق لما يفترض به فعله: — سامحني، أنا مضطر أعلمك إزاي تكون قادر تسيطر على مشاعرك تجاه أي واحدة ست.
وأضاف وهو يبتعد ويطالبه بالإشارة: — جاهز؟
قطب جبينه ساخراً: — لإيه بالظبط؟!!
تغاضى عن مزحه الذي لم يكن بمحله بالمرة، وصاح بصوت جهوري يفصله عن علاقته به: — جاهز يا سيادة الرائد؟
أجاب بخشونة وطاعة: — جاهز يا فندم.
أشار مراد لأحد العساكر الخاصة به، فقدم له إبرة أخرى، حقنه بها مراد وهو يردد: — هتشوف هلاوس لو أندرچت وراها تبقى وقعت في الاختبار وفشلت، لو فوقت نفسك من الوهم ده تبقى قادر تجتاز أي ست تتعرض ليك وإنت في وضعك ده.
ابتعد صوته كمهب الرياح، وإذا بزين لا يرى سوى النساء وفقط، بينما لجواره مراد يحاول مساعدته قائلاً: — مشاعرك جوه صندوق اقفل عليه بمفتاح وأوعى تفتحه.
وتابع وهو يراقب كل ما يبدو على وجهه: — اتعلم إزاي تسيطر على عواطفك، أنت بتغامر ببلدك، مهمتك أهم من أي مشاعر ممكن تنجرف لأي ست.
وأضاف بشيء زلزل كيانه: — وقبل بلدك في دينك اللي بيمنعك من القرف ده.
وبصرامة ناداه: — زيــــــن!
أبصر عن عينيه الزيتونيتين يجيبه بحزم وتركيز أبهر الجوكر الذي تنهد في راحة: — فايق يا فندم!
استند ياسين على السلم المعدني بتعب شديد، كل عظمة بجسده تصرخ من شدة الوجع الذي تلقاه بهذا الاختبار الذي فاق توقعاته. عافر كثيراً يستقيم بشموخ أمام العساكر، حتى وصل للطابق المخصص له، فمال على الطاولة الموضوعة بين الغرف بتعب شديد.
— ياسين!
صوتها تخلل له من خلفه، ومن بعده هرولة خطواتها إليه تقف على بعد منه، وعيناها تتوسعان بذهول من رؤية وجهه بهذا الإجهاد، فإذا بها تتساءل بلهفة: — إنت كويس؟!
ابتلع ريقه بتعب، ونصب عوده بكبرياء: — كويس.
وتركها ومضى ببطء نحو غرفته، فلم يأت من قلبها أن تتركه. لحقت به على نفس الخطى المتوازنة ورددت بارتباك: — أنت مش قادر تقف! زين فين يساعدك؟
وقف مكانه يستدير نحوها، ويأمرها بلطف: — اطلعي أوضتك يا مرين، ميصحش حد يشوفك في الطابق ده.
احتدت عيناها غضباً وقالت: — أنا قلقانة عليك وإنت اللي شاغلك حد يشوفك معايا!!
ضحك رغمًا عنه وقال ساخراً: — أصلي بخاف على سمعتي! مش المفروض إن الخوف ده عليكِ إنتِ مثلاً؟
ابتلعت ريقها بتوتر ورددت بهمس هادئ: — طيب إنت كويس بجد؟
ابتسم وجاذبيته تطل ببراعة رغم إجهاده الشديد: — هو مش أوي بس ماشي الحال.
هزت رأسها بخفة وسألته باستغراب: — رحيم زيدان؟
هز رأسه بنفس حركتها، فاتسعت ضحكتها وقالت: — عشان كده زين هرب عند بابي؟
اعترض حديثها ضاحكاً: — مفيش هروب للأسف، هنا أو هناك مفيش حد فينا نفد!
وطالبها مجدداً بلطف: — ممكن تطلعي بقى؟
أشارت له وغادرت على الفور. وما كاد أن يستدير ليغادر حتى تلقى رسالة زين: «رابع عربية بعد تاني ركنة، إلحقني قبل ما أتفضح وسط العساكر والهيبة تضيع، وعلى فكرة اكتشفت اكتشاف خطير: مفيش فرق بين الجوكر والأسطورة، الاتنين نباشين قبور يا شريك!!»
تتمدد زين على الفراش بتعب شديد يستدير نحو رفيقه الذي ما زال يعاني حتى تلك اللحظة ويخفي وجعه وهو يدير عنه وجهه، فمال ياسين جانباً في مواجهته وناداه بقلق: — زين إنت كويس؟
تحكم بكل تأوهات ألمه ورد: — يعني مش متأكد أوي بس الحمد لله.
وأضاف وهو يكبت ضحكاته بصعوبة: — أنا مش خايف غير عليك إنت من الاختبار اللي واجهته النهاردة، وخصوصاً بوجود مرين جنبك هنا!
زوى حاجبيه بعدم فهم: — ليه؟
واسترسل بفضول: — الجوكر كان بيدربك على إيه بالظبط؟
تحررت ضحكة صادرة عنه وفاه يشاكسه: — لا إنت بتحب عنصر المفاجأة، فخليك متحمس لبكره! ربنا معاك يا شريك، لو قدرت أقوم أقيم الليل النهاردة هدعيلك بالستر قدام القادة كلهم بكره.
لوى شفتيه بنزق ونهض يتمتم: — بتبالغ إنت!
وولج لحمام غرفتهما يتوضأ، وحينما خرج قال مبتسماً: — هعمل أنا الواجب معاك النهاردة وهدعيلك أنا في القيام، لأني حاسس إنك مش هتقدر تصلي معايا النهاردة.
رد عليه وهو يحاول أن يغلق حدقتيه: — هتحرم من صوتك الدافي في القراية، بس لو ممكن ترفع صوتك وإنت بتصلي عشان عايز أنام أسرع.
ضحك بصوته الرجولي وقال يمازحه: — هبقى أسجلك فويسات بصوتي في القرآن تنام عليها بعد الجواز.. عنيا ليك يا شريك!
تمتم وما زالت عينيه الزيتونيتان مغلقين: — يا ريت تعملها، أنا مبتكسفش من حاجة بتريحني وبحبها، ثم إنك بتغني مثلاً؟ ده يا بختي بسماع صوتك الدافي ده في كل صلاة يا جارحي!
ربت على ذراعه بحنان وسحب الغطاء من فوقه، ثم اتجه لركنهما المخصص كل يوم لصلاة القيام وباقي الفروض. أدى ياسين صلاته وقد رفع من صوته وهو يرتل السور الطويلة مثلما أراد صديقه، وما إن انتهى من صلاته حتى جلس على سجادته يسبح الله ويقرأ بعض الأذكار، فإذا بهاتفه يصيح رنينه باسم والده. ابتلع ياسين ريقه بارتباك وجاهد لحجب توتره وأجاب مبتسماً: — وأخيراً افتكرت إن ليك ابن! وحشني يا وحش وليا عندك أكتر من عتاب.
أتاه صوته المبتسم بوقار: — أنا عمري ما أنساك يا حبيبي، سامحني كان عندي كذا حاجة في الداخلية سحلاني، وبعدين أنا عارف إنك لما بتكون في حضرة ياسين باشا الجارحي بتفارق الدنيا من وراك حتى أبوك!
رد عليه متلهفاً: — مفيش شيء في الدنيا كلها يغنيني عنك وعن جدي يا بابا، انتوا الاتنين كمالة حياتي، من فضلك متقولش كده تاني عشان هزعل بجد.
اتسعت ابتسامته بحنان ليته يراه وقال: — عارف يا ياسين، بس بحب أشدك بالكلام، أهو أحسن ألف مرة من رغبتك إني أشدك للحلبة.
قالها وتعالت ضحكاته فشاركه ياسين الضحك، حتى سأله عدي بضيق: — هترجعوا إمته بقى؟ أنت وحشتني أوي إنت وياسين باشا اللي مش بيرد على مكالماتي! مبيعملهاش معايا إلا لما تكون سيادتك اللي معاه، كأنه مستكتر فيا دقيقتين، تفتكر إني لازم أغير من عمق العلاقة بينكم ولا إيه؟
أجابه بمكر: — لا يا باشا أبداً، المفروض تفرح إن اللي واخد قلب الباشا هو حتة من قلبك بردو، مش كده ولا إيه يا عدي باشا؟
تحررت ضحكاته الرجولية بشكل جعل ياسين مبتسماً، وهتف بإعجاب: — والله ما حد باشا غير إنت! المهم قبل ما أنسى إبقى كلم رحمة أختك زعلانة إنك مش بتسأل عليها، وأنا سبق ونبهتك يا ياسين مهما تبعد متنفصلش عن أختك بالشكل ده، إنت عارف إنها متعلقة بيك انتوا تؤام وروح واحدة يا حبيبي.
رد بنبرته الحنونة وشعور الذنب يقتله: — والله اتلبخت خالص في التمارين و...
قطع حديثه سريعاً بصدمة وقد لقطها الأخير بذكاء: — تمارين إيــــــه يا ياسين؟؟
تحجر ريقه كأنه ابتلع صخرة داخل فمه، وأسرع يصحح بثبات: — الخيل يا وحش مالك!
تنهد بهدوء وهمهم، فاستكمل ياسين ليشتت تفكيره: — بس مهما انشغلت، رحمة وعمر عمري ما انشغل عنهم. طمني عمر عامل إيه؟
رد بحب شديد تجاه ابنه الآخر: — طالع الأول على الدفعة بتقدير ممتاز.
اتسعت ابتسامته فرحة: — ما شاء الله تبارك الله، أكيد أنكل عمر طاير بيه.
ضحك ومازحه: — أكيد، ده مستني اليوم ده من زمان عشان يضمه للمستشفى بتاعته، ده متفق معاه ومن وهو في كيجي وان إنه دكتور عيون مفهاش كلام!
شاركه الضحك وهتف بفخر: — وعمر حقق حلمه وحلم عمي وهيرفع رأسه ورأسنا كلنا، بكره تقول ياسين قالها.
تنهد عدي بمحبة وامتنان وقال: — انت وهو بيترفع بيكم الراس يا حبيبي. يلا اقفل وبكره حاول تميل دماغ الباشا يرد على مكالماتي، ولا لازم أكون يحيى الجارحي أو حد من أحفاده عشان يرد!
سقط ياسين من الضحك وقال يسترضيه: — عنيا حاضر، تصبح على خير يا حبيبي.
وأغلق ياسين الهاتف وهو يلتقط نفساً مسموعاً، بينما يتردد على مسمعه صوت زين المتعب: — بجدد حبي وعشقي للراجل أبوك المحترم ده!
وأضاف وهو يحاول أن يشرئب بعنقه إليه: — تصدق إنك متستهلوش! لأنك كذاب وخبيث يا جارحي، يا جدع ناقصك السبحة وانت كده كده قاعد على سجادة الصلاة يعني لا هتلف ولا تحتار!
نهض يجذب سجادته يطويها وهو يسلط عينيه العسليتين عليه هاتفاً بتهكم: — إنت لسه صاحي؟ شكلك متدشمل بحق وحقيقي!
ابتسم ساخراً وبشماتة قال: — بكره هبقى أسألك نفس الأسئلة السمجة دي.
مضى ياسين نحو فراشه فجلس يطالعه بابتسامة ماكرة، ثم ناداه برفق: — زين!
عبث الأخير بشك: — إيه الصوت الرقيق الملائكي ده؟ يبقى عايز تنبش في الأسرار! يا خسارة يا ياسين بقيت نباش قبور زيهم!!
تغاضى عن مزحه الساخر وسأله بجدية: — إيه اللي ورا مضمون كلام الأسطورة في درس امبارح عن نقاط الضعف؟ كان في رسايل غامضة بينكم بتحصل بمنتهى الخبث في وجودي!
اتسعت ابتسامة إعجابه بشخصيته واستدار عن منامته ببطء حتى قابل نظراته يخبره بضجر: — ذكي وكنت عارف إنك هتلقطها.
ربع ساقيه وجذب الوسادة يستند عليها بحماس ينتابه في أي شيء يخص الأسطورة: — احكي.
هز رأسه باستسلام مضحك: — بعد كل اللي عمله فيك ولسه عندك نفس الحماس تسمع حكاياته؟
رد بتلقائية: — أي شيء عمله وهيعمله بيصب في مصلحتي، أكيد يعني رحيم زيدان مش جايبني وجايبك هنا عشان يعذب فينا، رحيم زيدان بيقدملنا اختصار رحلة عمره كلها على طبق من دهب، وإن اختار يعمل ده بالتوقيت ده بالذات فده بيدل على حبه الكبير لينا احنا التلاتة.
وأضاف بعقلانية لطالما التحف بها:— هو نفسه قال إنه مبيحبش يدرب حد، وبعدين متنساش منصبه مش سهل وحتى لو في الظاهر واخد إجازة بس بيشتغل بردو طول النهار، وبليل بيخصصلنا وقته بدل ما يرتاح في أوضته الكام ساعة دول.
وناداه بحزم جعل الأخير يبتسم: — زين، رحيم زيدان شخص عظيم للي يفهمه صح.
ابتسم وقد ظن ياسين أنه سيقلب الأمر للمرح بينهما كالمعتاد، ولكنه اندهش حينما قال بكل تأكيد: — عظيم بشكل مخليني حاطه تارجت أساسي قدامي، بتمنى في يوم أكون زيه.
ضيق عسليتيه مستنكراً قوله، فاحتمل زين على أوجاع جسده ونهض به يستند على الوسادة من خلفه ثم قال: — رحيم زيدان كل كلمة قالها كان بيعمل بيها، طول عمره حامي العيلة من كل شر، لذا مفيش أي كلب يجرأ إنه يحط عينه علينا، آخر واحد عمل كده خلاه عبرة لمن لا يعتبر.
وتابع بابتسامته الماكرة:— عايز أقولك إني كنت الضحية، وعقلي الصغير مكنش قادر يفسر كل اللي حصل، بس بعد ما شوفت وعيشت الحدث ده خرجت منه وأنا واثق إن رحيم زيدان أعظم وأذكى ظابط دخل الجهاز كله.
توسعت حدقتا ياسين بسخرية وتأكُد وتساءل بصدمة: — مين اللي بيتكلم ده؟؟؟؟؟
ضحك بصوته الرجولي الجذاب وقال: — زين زيدان! صدقني ليا نظرتين في رحيم زيدان والاتنين متفقين إنه قائد عظيم، والشخص التاني بيخاف من جنونه بالشغل ومتعشم بس إنه ينجو بعمره عشان يتجوز معشوقة طفولته.
واستكمل ساخراً: — أنا بعد الأيام عشان تبقى مراتي يا جارحي!
تغاضى عن مزحته واستهدفه لباقي التحقيق بذكاء: — فكك من سهوكة العشق اللي مش لايقة ليك دي، وقولي تقصد إيه بكلامك الأولاني، وإيه اللي حصل بالظبط؟
هز رأسه باستسلام وتمتم: — التفاصيل مش بتفوتك، يا ساتر عليك يا أخي!
صاح ياسين بغضب: — انجز! كلها كام ساعة والأسطورة هيدخل يشدنا، ويا ريت تبطل غباء وتشيل سلاحك من تحت المخدة بدل ما يعورك بيه يا خفيف، وتبقى شهيد سريره الذي تلقى رصاصة من مسدسه الخاص في محاولة بائسة للانتحار!
لوى شفتيه بتهكم: — حتى دي لاقطها؟ إنت مخاوي يا أخي؟
أشار ياسين على ذاته بغرور: — أخد اللقب عن جدارة، أنا شبح من ضمن فريق أشباح المخابرات، ولا أنت فاكر أنك الوحيد اللي بتعرف تختفي وتظهر بسرعة الريح!
واستطرد باهتمام وجدية: — كمل كلامك عشان نلحق نريح ساعتين.
تنهد وهو يخبره: — وأنا عندي 13 سنة، وسيادتك على ما أعتقد كنت بتقضي إجازة الصيف بإيطاليا مع ياسين باشا، كنت أنا بقضي الإجازة بردو بس مع عصابة أوريجينال.
جحظت عينا ياسين بدهشة، بينما يستطرد زين ضاحكاً: — أخدوني تلات أيام فسحة في الأدغال، شوفت فيهم كافة أنواع الأسلحة والقنابل، وكل الإجرام اللي قلبك يحبه، بس شهادة لله أنا كنت ثابت قدامهم وغير مهزوز بالمرة، كنت بحاول أعملهم رهاب من ابن الأسطورة اللي هو المفروض هيكون خليفة ليه، بس من جوايا كنت عامل زي الفرخة اللي بتستعد للدبح في أي وقت، لذا منعت الأكل منعاً باتاً.
واسترسل يمازحه: — بيغذوني عشان وقت الدبح أكون سمين ودسم ولاد الصايعة!
خرج ياسين عن صمته بضيق: — زين إنت بتتكلم جد؟
أكد بابتسامة لا تليق بهذا الموقف: — وأنا هكدب عليك ليه؟ ده اللي حصل صدقني! كان بيساومه على إنه يحرر مجرم خطير اعتقد إنه القائد بتاعهم، وكنت سامع كمان كل مكالمات تهديداتهم لبابا. وبعد ما بيقفلوا معاه كانوا متفقين إنه حتى لو رضخ ليهم هيقتلونا أنا وهو، يعني في كلتا الحالتين هنموت. كان نفسي أكلمه بأي طريقة وأقوله متجيش ولا تعمل اللي عايزينه، أنا كده كده ميت فأموت لوحدي وهو ميتأذيش، بس اللي عمله صدمهم وصدمني أنا شخصياً، ويمكن من اللحظة دي أخدت قرار إني أنضم للجهاز عن قناعة وأحس إني عايز أكون زيه، بالرغم من إن مراد زيدان مربيني بنسبة 60 في المية.. تقدر تقول إني كوكتيل مشكل بينهم.
وأستأنف ولمحة الحزن تجوب عينيه: — أنا عمري ما أنسى تفاصيل اليوم ده أبداً، لأن في اليوم ده بابا فقد أعز صديق ليه، وبعد كده اتولى هو تربية قُدْس تربية كاملة. وبالرغم من إني بحط حدود بيني وبين أي بنت حتى من ولاد عمي، إلا إني بعتبر قُدْس زي شجن بالظبط، وبخاف عليها في أي مهمة بنلجأ ليها بحكم شغلها، بس اللي بيهديني إنها بتحب ده وما شاء الله ذكية وقوية. على فكرة أنا دايماً بهزر وأقول إني بخاف على مارال منها، بس بالعكس، أنا بسافر مهماتي وأنا مرتاح إن دوسة جنبها.. أقصد قُدْس!
وتنهد في وجع ملموس: — أنا مدين ليها ولوالدتها ريحانة بدين كبير صعب أرده، لأن حازم حارس بابا الشخصي فداني بروحه يا ياسين.
رمش ياسين بصدمة لما يستمع إليه وتساءل: — احكيلي حصل إيه يومها؟
غامت الزيتونية لذكريات الماضي وبدأ يسرد له بالتفاصيل حينما كان يلهو بأحد النوادي برفقة أبناء أعمامه تحت حراسة مشددة من حرس رحيم الخاص. يتذكر كيف كان يسرع إلى شقيقته التي تحبو لتصل له، حملها وهو ينتزع الببرونة منها، وثبتها على الزُّحْلُوقَة وهو يشجعها بحب وحنان، تاركاً مرين تتلقفها من الجهة الأخرى. وإذ فجأة يشعر بيد تحمل قطعة من القماش تكمم فمه وأنفه، وفجأة غاب عنه كل شيء وفقد الوعي.
وحينما عاد إليه، وجد ذاته بغرفة صغيرة عطنة، رائحتها تحمل القذارة والعفن، ونهايتها باب مسقف بالحديد البارز كأنه بإحدى المعتقلات! تملك منه الرعب رغم أن رحيم زيدان زرع فيه كل صفات الرجال البسلاء، ولكنه بالنهاية طفل صغير تمكن منه الرعب فور أن انفتح الباب وولج له رجل قوي البنية مريب الملامح يطالعه بغل وحقد. ابتلع ريقه بهلع، ومع ذلك استحضر دروس أبيه وحاول أن يواجهه بجمود تام، جعل هذا الرجل ينحني بقامته إليه ويكبش خصلات شعره بين يديه. كبت زين وجعه وطالعه بجمود، بينما يهمس الآخر بأنفاسه الكريهة: — حظك الوسـ* إنك وارث شكله! هتشوف أيام سودة هنا ونهايتها هدبحك وبإيديا وبسكينة تلمة!
تشجع رغم رعبه وقال: — بابا مش هيسمحلك تعمل فيا كده.
احتقنت ملامح الرجل بشدة، وتهاوى على صدغه بصفعة من قوتها بصق زين الدماء، فأسرع أحد رجاله ينبهه من غشموميته وثقل كفه: — حسان إنت مجنون؟! ده الطعم الوحيد اللي هنستدرج بيه رحيم زيدان عشان يرضى يهرب ماجد! الواد مش حملك سيبه.
صرخ بحقد وهو يطالعه: — محدش هينجده من إيدي لا هو ولا أبوه! هتك على الصبر لحد ما يحصل المراد وبعدها هدبحه قدام عينيه وهخلص عليه بعديها، الكلب اللي اتسبب في موت رجالتي المخلصين كلهم وقبض على أخويا!
واستكمل بجنون وكره شديد: — بقالنا 8 سنين شغالين ومفيش مخلوق كشفنا، أنا ناري مش هتهدى إلا لما أقطعه على أسناني!
وانسحب للخارج، وما زال زين مُلقى أرضاً يضم وجنته النازفة والمتورمة بوجع شديد، سمح لدموعه بالسقوط وبات يردد بثقة: — بابا مش هيخليه يلمسني، بابا هيجي أكيد!
مر عليه يومان يُدفع إليه الطعام من تحت عقب الباب كالمجرم المنزوي بأحد السجون، ولكنه لم يمتلك شهية لتناوله، ينتظر بكل صبر أن يأتي أبوه يحطم ذلك الباب القوي وينقذه. وبتلك اللحظة انفتح الباب، ولكن الزائر كان نفس الرجل المقيت الملقب بـ "حسان"، يندفع للداخل وبيده هاتف ومقعد خشبي وضعه وجلس فوقه يطالعه بنظرة ناقمة، وحرر خشونته: — عايز تكلم أبوك؟
هز رأسه بلهفة، فابتسم حسان بسمة شيطانية وقال: — أبوك راجل مهم ومبيعبرش الأرقام الغريبة، بس أعتقد إن يومين مدة كافية تخليه يشمشم على أي مكالمة تجيله.. هنشوف بردو حظك مع سيادة العقيد إيه!
وبالفعل زر الاتصال به، ولم تمضِ الدقيقة إلا وأجاب رحيم بثبات قدر المستطاع، بينما يجيبه هذا الصوت الذي لم ينسَه زين في حياته: — كنت فاكر إنك هتترقى وهتحتفل من غير ما تدفع الضريبة ولا إيه؟ خد بالك إني حذرتك أكتر من مرة وطلبت منك إنك تخرج فؤاد مقابل أي مبلغ مالي تطلبه، وبصراحة لما فكرت فيها لقيت إن واحد زيك من عيلة زي عيلتك دي هيعمل إيه بالفلوس؟!
وأضاف وعيناه تلتهمان زين المرتبك: — إيه اللي هيخليك تهتم بكلامي غير ابنك ووريثك الوحيد! ده اللي هيجيبك مذلول.
تحرر صوت رحيم بعد فترة من الصمت، فإذا به يقلق ذاك القوي ويزعزع ثبات جلسته: — ما جاش على وش الدنيا اللي يخليني أتذل ولا أنحني! أنت عداوتك معايا كانت عداوة شغل، ودلوقتي قلبتها عداوة خاصة بينك وبيني، وأنا قبلت أطلع قصادك على الحلبة، بس خد بالك.. خسارتك يعني موتك!
واستأنف بقوة وشموخ: — كل يوم قضاه وهيقضيه ابني عندك هيتقل ميزان حسابك معايا أوي، ويا ويلك لو إيدك القذرة دي لمسته، أقسم لك بالله لأقطعهالك وقدام عينك، ووعد رحيم زيدان سيف على رقبته.
ابتلع حسان ريقه برعب تسلل له رغماً عنه؛ كان يظن أنه الجهة الأقوى، ولكنه يخسر كل هيبته أمام الصغير وأمام رجاله، فحفظ ماء وجهه وصاح فيه: — إنت مالكش تتآمر! تخرس خالص وتسمع كلامي وإلا هقتلك ابنك وانت معايا على التليفون حالا!
ببرود وثبات قاتل ردد رحيم: — متقدرش تمس شعرة واحدة من ابني! أنا وانت عارفين كويس إنك مش هتجازف وتخطفه عشان تقتله عندك.. إنت عايز الكلب أخوك وأنا هجيبهولك، أهو فرصة تودعوا بعض وداع أخير.
واسترسل بجمود: — هو كان عايش بالسجن، إنت اللي زنيت على موته وموتك، وأنا معروف عني إني صاحب وعد، بوعدك إني ههربهولك في تابوت وهجيبلك معاه تابوت هدية على مقاسك!
تجاهل ما قال وأراد أن يراه مهتزاً ولو قليلاً، فقال ساخراً: — هنشوف مين فينا الذكي يا أسطورة! وعشان تعرف إني صاحب واجب تحب تسمع صوت ابنك حبيبك وهو بيعيط؟ ده مقطع قلبي أنا والرجالة كل يوم وبيقول عايز اروح لماما، عايز بابا.. صعب عليا أوي!
أراد أن يستفزه عاطفياً بما لم يحدث من الأساس، فإذا بالأخير يفوه ساخراً: — إنت خطفت الولد الغلط ولا إيه يا حسان؟
واسترسل برسالة خبيثة لابنه الذي يثق كل الثقة أنه يستمع إليه: — أنا ابني ممكن تشوفه بجسم طفل بس بعقل وصفات راجل، ربيته وكلي فخر إنه ابني أنا، ابن رحيم زيدان، اللي هيكمل في يوم مسيرتي وهينهي فيها على كل الكلاب اللي شبهك. أنا بشكرك على اللي عملته معاه، كنت محتار ومش عارف أبدأ معاه منين، فقدمتلنا البداية على طبق من دهب.
وأنهى حديثه بسيادته وشموخه: — استنى مني مكالمة أقولك إمته وفين تستلم تابوت أخوك!
قالها وأغلق الهاتف بوجهه، تاركاً من خلفه في حالة من الجمود، فإذا بأحد الرجال يتمتم بعدم تصديق: — هو مش المفروض إحنا اللي نحدد المكان اللي هنقابله فيه يا باشا؟
وقال الآخر بصدمة: — ده مهتمش حتى يسمع صوت ابنه!!!!!!
نصب حسان جسده الضخم عن المقعد ودقعه بساقه وهو يهدر بعنفوان: — مش هيشفعني فيه إلا دمه ودم ابنه!
قالها وانطلق للخارج ومن خلفه رجاله. وما إن تأكد زين من رحيلهما حتى مال على الأرض يهتف في راحة: — بابا مش هيسمحلك تقربلي!
مضى يومان آخران وقد تلقى حسان رسالة بالمكان المحدد للاستلام، وقد أبدى تحذيراته بأن أي تلاعب ستكون رقبة ابنه هي الثمن، ومع ذلك لم يلقَ أي رد فعل من رحيم، وهذا ما جعله يستشيط غيظاً. وها هو يسحب زين لإحدى الشاحنات بحوزة خمسة من أفضل رجاله، يقف قبالتهم ويخبرهم: — أول ما نأمن خروج ماجد تخلصوا عليه وعلى أبوه، سامعين؟
أشار له رجاله في طاعة، بينما توسعت حدقتا زين في ذعر ورعب، وتمنى أن يصل لأبيه أو يحدثه بالهاتف ليحذره من القدوم، ولكنه رهين بين أيديهم، عاجز، وصغر سنه يزيد من عجزه. ثقته الكبيرة التي تمسك بها طيلة تلك الأيام بدأت تتزعزع، واستسلم لكون الموت بات يحوم حوله وحول أبيه!
تجمهر رجال حسان بعدما مشطوا المكان أكثر من مرة، حتى إنهم تحسسوا الأرضية الصخرية بأجهزة تفشي عن وجود القنابل المدسوسة بباطنها، وحينما اطمأنت قلوبهم بأن الموقع المُختار آمن، وقفوا ينتظرون وصول من يدعى بـ "الأسطورة"!
ولبى هو فضولهم حينما وصل للمكان بسيارته، ولم يكن يصطحب سوى سائقه الخاص ورجلاً واحداً من رجاله والذي لم يكن سوى "حازم" حارسه الشخصي، مما جعل الجميع يطالعونه بسخرية وهو يمضي نحوهم وهما يتبعانه. قطع حسان الضحكات الساخرة بسؤاله: — فين ماجد؟
طالعه بعينيه الزيتونيتين بنظرة باردة، وبجمود قال: — أشوف ابني وبعدها أخوك يظهر.
أحاط حسان الساحة بنظرة متفحصة وهدر بعصبية: — يظهر إزاي ومنين؟! أنت فاكرني جاي أهزر معاك؟ فين مــــاجــــد؟
بنفس الهدوء والثبات قال رحيم: — صوتك يوطى وأنت بتتكلم معايا! رقبتك تحت جزمتي الشمال ورقبة أخوك تحت اليمين، لو اتحركت من مكاني هفعصكم انتوا الاتنين، فخد حذرك بكل حرف تقوله!
ضحك ساخراً منه وقال باستهزاء: — ويا ترى هتعملها إزاي وإنت بطولك ومفيش معاك غير واحد من حرسك، والسواق اللي عنده ميت سنة ده؟
ابتسم بثبات أزهق قلوبهم وقال بثقة: — أنا لوحدي كفاية عليكم صدقني، بس إنت محظوظ وربك ابتلاك بيا وبسواقي اللي مش عجبك ده وبالحارس اللي مستهين بيه.
واستطرد بوجوم خطير: — إنت شكلك فاضي وأنا عندي اجتماع مع رؤسائي بعد ساعة، هتنفذ اللي بقوله وتنجز ولا أرجع مكان ما كنت؟
عاد الضحك يبرز على وجهه وقال: — إنت عندك أمل تخرج من هنا حي!
اتسعت ابتسامة رحيم وردد بخشونة: — الأعمار بيد الله يا حسان، محدش فينا ضامن عمره، بس اللي واثق فيه إن سواء اتكتبلي أطلع حي أو ميت إنت قتيل تابوتي النهاردة!
تلاشت ضحكته وأشار بإصبعه لأحد رجاله بصعوبة، فإذا به يجذب زين ويندفع من خارج الشاحنة تسلط سكينه على رقبته ويندفع أمامهم. غامت الزيتونية بصورة مخيفة وبصوت جهوري قال رحيم: — سكينة الوسـ* ده تنزل من رقبة ابني حالا لو مش عايزني أفجر المكان باللي فيه!
رد عليه حسان قائلاً: — لا مش هتنزل، أنا كده بضمن إنك هتسلمني ماجد.
صرخ فيه وتحرر عن بروده فزاد من رعبهم: — مالكش ضامن عندي! لو عايزني أحافظ على هدوئي تخلي كلبك يشيل سكينته من على رقبة ابني وحالاً!
زفر بغضب وهو يرضخ لمطلبه وأشار للرجل فأبعد سكينه عن رقبة زين الباكي. انخفض بصر رحيم إلى صغيره يحاول قدر الإمكان التماسك قبالته يحجب وجع قلبه؛ فإذا ضعف ولو قليلاً ستكون الخسارة هنا فاضحة، وبالكاد يقنع زوجته بأنه بنزهة مع أخيه خارج البلاد، فإن حدث شيء سيفقد قلبه وروحه المتعلقين بابنه الوحيد ومعشوقته وزوجته الحبيبة.
شعر بكف موضوعة على كتفه تشد من أزره ويهمس له بصوت غامض، قاتل، مخيف: — محدش هيخرج من هنا حي.. اثبت يا رحيم!
خطف نظرة سريعة لعينيه الزرقاوين يستمد كل قوته منه بينما يؤكد له صدق حديثه. يا لحظهم السيئ وهم غافلون عن وجود هالكهم الثاني: ذاك المتخفي بثياب بسيطة وذقن بيضاء يحني قامته كالعجوز الهرم، يا ويلهم من وجود أكثر من تعب على تربية زين! ذاك الذي يخصص كل محبته لأفراد عائلته وإن تأذى طرف منهم يتحول لشخص أبشع من رحيم زيدان.. ذاك "الجوكر المصون" الذي وضع الخطة وأعد العدة لحفلة مقتلهم جميعاً!
عاد الالتحاف بثباته الرزين وهو يستقبل سؤال هذا الحقير: — عملت كل اللي أنت عايزه، فين ماجد؟
ضيق زيتونته عليه بمراوغة لحقت بحديثه: — في الجبل!
كز حسان على أسنانه حتى كاد يحطمهما: — أنت بتتمسخر عليا؟! أوعى تكون فاكر إنك هتخرج من هنا حي إنت وابنك، بلاش تجاريني لقتلك دلوقتي!
رد بنفس الثبات: — لو قادر اعملها.
أشار حسان لرجاله فرفع جميعهم الأسلحة نحو رحيم ومراد وحازم. سيطر على غضبه وقال: — إنت الحقيقة بتضايقك أنت وكلابك ولا إيه؟
وأشار لـ "حازم" يأمره: — وريهم يا بني إني معنديش وقت للهزار.
تحرك حازم للجبل الخرساني الموضوع قبالتهم والذي لم يشك أحد بأمره، عبث بأحد الأزرار وانفتح منه باب سري ليكتشفوا بأنه مجسم صناعي يأخذ شكل الجبل!
ظهر من أمامهم اثنان من التوابيت، وابتعد حازم من مكانه مستغلاً دهشتهما ووقف بالقرب من مكان زين ومن يمسك به، حتى يتمكن من حمايته فور أن يتلقى إشارة صريحة من رؤسائه.
ابتلع حسان ريقه بصدمة مما يحدث، وخشى أن يمضي للداخل، فأشار لأربعة من رجاله أن يذهبوا ليحضروا التابوتين. فدفعوهما للخارج، وبدأوا بإزالة الأغطية عن أول تابوت فوجدوه فارغاً في نفس لحظة ترديد رحيم: — زي ما وعدتك: تابوت ليك وواحد لأخوك، شوفت أنا صادق إزاي!
ارتعب الرجال من هذا الرجل الخطير، وانتقلوا للتابوت الآخر حينما تلقوا إشارة من حسان. حاولوا فتحه ولكنه كان مغلقاً بإحكام، فصاح حسان بغضب: — افتح التابوت، ماجد هيتخنق كده!
أشار له بضحكة خبيثة: — متخافش، التابوت متهوي تهوية متكيفة!
واستطرد بجدية لفتت الانتباه بحديثه، حينما قال بهدوء قاتل: — اعذرني يا حسان، أنا عندي سؤال فضولي عايز أسألهولك قبل ما أفتحلك تابوت أخوك.
تمعن فيه بفضول لمعرفة سؤاله، فرفع رحيم ساقه يستند على إحدى الصخور ثم قال: — هو أنت وأنت بتخطط تخطف ابني كنت عارف إنه ليه أب تاني غيري؟
زوى حاجبيه بعدم فهم، فتابع رحيم وهو يحك ذقنه البنية: — اقصد يعني وإنت بتجمع معلوماتك عني أنا وعيلتي مجاش ورقة في إيدك أني مش لوحدي في الجهاز؟ ليا أخ أبشع مني في المواقف اللي زي دي، وللأسف هو اللي مربي زين ابني وليه فيه أكتر مني.
وبقبضة احتلت ملامحه كسيف حاد قال: — أخويا ده اسمه الجوكر.. سمعت عنه قبل كده؟
احتشد الرعب بحدقتيه وهو يحاول تذكر أين استمع لهذا اللقب المقبض. ولحظه السيئ لم يمتلك وقتاً للتذكر، فإذا بـ "مراد" يحرر زر لوحته فانطلقت الشرارة من التابوت الموصود، في نفس لحظة تلقي "حازم" الإشارة، فاندفع بسكينه يرشقه بمنتصف قلب الرجل الذي يحيط بـ "زين"، ويتلقفه بسرعة البرق وينزوي به خلف إحدى الصخور. فإذا بالتابوت الملغم بأحدث القنابل يتفجر مستهدفاً سبعة من رجال ذاك الحقير، وقد حرص مراد على أن يستهدف بقيتهم بأسلحته وخناجره بعدما استغل حديث رحيم مع حسان ليحدد مكان كل شخص فيهم، وهذا ما يبرع فيه دائماً ويعتمد عليه رحيم اعتماداً كلياً في ذلك.
عاد التاريخ يُعاد من جديد مثلما أمّن الجوكر المكان الذي خُطفت فيه زوجة أخيه "شجن" على يد "بيبرس"، وأخلى ساحة القتال لأخيه ليتمكن من قتل ذلك الحقير الذي خطفها؛ عاد يتكرر مجدداً ليؤمن له الساحة للوصول لذلك الحقير دون أن يعبأ بتأمين ظهره لثقته أن الجوكر يفعلها ببراعة!
انقض رحيم عليه والغيظ والغل يحتشدان بعينيه الزيتونيتين يحرران الوحش داخله الذي طال قمعه لأربعة أيام مضت عليه كالنيران المشتعلة، يحركه ويده تحيط بعنقه: — كنت هزعل أوي لو اتفحمت مع كلابك، بس أنا واثق في نشال الجوكر! زي ما نهايتك السودة هتتكتب على إيديا، ما جاش لسه من بطن أمه اللي يعلم على رحيم زيدان يا كلب!
قالها وهو يلكمه عدداً من اللكمات، والغضب يجعله مريباً يبث الهلع داخل نفس ضحيته الذي فشل بالدفاع عن نفسه رغم ضخامة جسده المخادعة. بل والأدهى من ذلك حينما رأى وجه ابنه ما زال يحتفظ بالورم، فصرخ بجنون: — حذرتك تمد إيدك على ابني، وقولتلك وعدي نافذ وليك عليا تنفيذه!
قالها وهو يسحب سلاحه ويرنو لمن يزحف للخلف يتأمل سقوط رجاله على يد هذا المخيف الآخر والذي علم بأنه "الجوكر" المزعوم. تعرقل بحصوة كانت خلفه فطرحته أرضاً، فوضع رحيم ساقه على كف يده يثبته وسلط سلاحه ليصوب خمس رصاصات على طول ذراعه والآخر يصرخ بجنون، ولم تلمح الشفقة أي نظرة من الزيتونية التي تقتاد كالجمر، بل ردد بفحيحه القاتل: — دعتني لساحة الحرب وجاتلك بلبي! إنت أول حد يجرأ إنه يحط إيده على ابني، لو مخلتكش عبرة هيجي ألف بعدك يعملوها!
ورفعه بيديه للأعلى وهو يستكمل ببسمة مرعبة: — أصلي أنا روحي كمان في شغلي ومش هسيبه أبداً! وأنت غبي وحطيت إخلاصي لبلدي في كفة وابني في الكفة التانية، متخيل إني هنحني وأختار كفة من الاتنين؟ بس اللي متعرفهوش إن أنا اللي بحط الاختيارات مش بتتعمل ليا!
قالها ودفع رأسه على السكين المرشوق بجانب الجبل، فاخترق السكين رأسه. سحبه رحيم وأعاد الكرة أربع مرات بشكل صدم مراد الذي هرول إليه يصيح بصدمة من دمويته وإجرامه الذي فاق توقعاته: — رحيـــم خلاص مات كفاية!!
ألقاه وهو يهدر بعنفوان: — أربع أيام قصاد أربع طعنات! قولتلك كل ما هيغيب يوم عندك هتدفع تمنه غالي!
أنفاسه كانت تعلو بشراسة وكأن هناك جناً تلبسه ويحاول الخروج منه. انسحب من لقاء أخيه ومضى نحو ابنه متلهفاً لضمه، ولكن مراد أوقفه ودفعه بقوة تناسب جسده العضلي وهدر بحزم: — اغسل إيدك واقلع اللبس ده كله دم، هترعب الولد منك!
دفع كفه وقال برجاء: — أشوفه الأول يا مراد.
لكمه مراد بقوة شرسة وصاح فيه: — مش بهيئتك دي! امشي لعربيتك غير وغسل إيدك.. امشي!
طالعه بغضب وألقى نظرة متفحصة على نفسه فشعر بأنه يملك كل الحق، بينما أشار مراد لرجاله الذين أحاطوا المكان بعد تلقيهم إشارته، فبدأوا بحمل الجثث، بينما يتوجه هو لخلف الصخرة الضخمة حيثما اختفى "حازم". وجده يستكين باكياً من سماع الرصاص بأحضان حازم والرعب يعتلي ملامحه خوفاً على أبيه. ارتعب مراد حينما رأى الدماء تحيط بجسديهما، فناداه برعب: — زيـــــــــن!!
رمش بعدم تصديق من سماع صوت عمه، فرفع رقبته عن صدر حازم ليرى من يناديه، فتهللت أساريره فرحة وردد: — أنكل مراد!
ودفع ذراعي حازم الذي ارتخى عنه بسهولة، وهرع نحوه ينزوي بأحضانه. حمله مراد يقبله بحب أبوي وحنان لطالما غمره به، بينما تحيط عيناه الزرقاوان جثمان حازم بصدمة ووجع وخوف على أخيه! فأسرع خارج الصخرة يقابل من أسرع نحوهما وهو يضع على جسده العلوي قميصاً أسود مفتوحاً يركض وهو ينادي ابنه بلهفة تصدم من حوله بأنه يمتلك ذاك الحنان: — زيـــــــــــــــن!!
انحنى مراد يضع الصغير أرضاً فهرول نحو أبيه، بينما اختفى مراد خلف الصخرة يجص نبض حازم على أمل أن يكون حياً.
تلقفه رحيم ورفعه إليه يضمه بقوة ألمت الصغير. لا يعلم كيف سيطر على دموعه، فمضت خمس وعشرون دقيقة يضمه فقط ويتنفس رائحته كالمخدر الذي هدأه عن تلك المدة التي عانى فيها، حتى إن الصغير ولأول مرة بعد الأربعة أيام شعر بالحنان والأمان فمال على كتفه يغفو بهدوء. ربت رحيم على شعره وظهره بحنان بينما يقبل كتفه ووجنته وقد زحفت عنه دمعة رغماً عنه، فمال على مقدمة سيارته وهو يهمس ببسمة نبعت بالكاد: — الحمد لله.
أتى نحوه مراد وملامح الخوف والقلق تجوب ملامحه وخاصة والرجال يحملون النقالة ويتبعونه. تعجب رحيم من ملامح أخيه الغريبة؛ كان يظن أنه سيراه واجماً لما فعله مع حسان وكان سيخوض معه حرباً ليخبره أن يكون رحيماً في موته، وستكون حرباً طويلة يجيبه فيها بأنه لا يستحق أي رحمة أو شفقة منه. ولكن ما يحدث كان غامضاً لدرجة جذبت انتباهه لما يحدث حوله، فارتخت كفه عن ابنه وكاد أن يسقط عن ذراعيه القويتين لولا أن تلقفه مراد ووضع كفه على كتف أخيه يقويه: — فدى ابنك بروحه، خسارة تهون خسارة يا رحيم.
نصب عوده بصعوبة ومضى بخطوات ثقيلة نحو صاحبه الوفي الذي كان خير الداعم والسند له، يشير بيده نحو العساكر. فقد كان يحمله أربعة منهم لثقل حجمه وجسده الذي يزن من فرط تدريباته. وضعوه بـ "إشارة الأسطورة"، وانصرفوا بعيداً بـ "إشارة الجوكر" الذي لم يرغب أن يرى أحد أخاه في حالة من الضعف التي ستظهر للمرة الأولى. فأسرع يضع زين على المقعد الخلفي لسيارته، وهرول نحو أخيه المنحني نحو حازم يتحسس نبضه عسى أن يكون الجميع مخطئاً، بل ويعيد فعل ضغطات من يده لتمنحه صدمات عساه أن يفيق، ويأمره بصراخ بُح صوته: — قــــوم يا حــــــــــازم! قوم كلمني بقولك!!
وصاح بعدم تصديق: — طريقنا لسه طويل مع بعض.. فووووق!!
ضمه مراد وقال وهو يحاول جاهد ألا يبكي على مظهر أخيه الذي لم يسبق أن رآه بهذا الضعف من قبل: — خلاص يا رحيم هو مات، سيبه بتعمل إيه بس؟
تطلع نحو أخيه بعتاب لحق نبرته: — إنت بتقول إيه إنت؟! لا هو أكيد في غيبوبة، هات أي دكتور بس بسرعة عشان نلحقه!
رد بقوة وصلابة: — إنت عارف إنه مات، فبالله عليك ما تكابر.. هو طول عمره كان مخلص ليك، حتى لآخر لحظة اختار يكونلك مخلص.
تهاوت دموعه الغائرة وقال ببكاء: — بس هو ملحقش يعيش حياة مستقرة مع ريحانة! دي بنته صغيرة لسه يا مراد.. أنا كنت بحبه عشان ظروفه كانت شبهي أوي، هو لسه محتاج الوقت اللي يعوض فيه ماضيه البشع، ملحقش لسه!
استخدم مراد قوته وعاون جسد رحيم المرتخي على النهوض بينما يهمس له: — قدره ونصيبه، ولو على بنته أنا واثق إنك مش هتسيبها.
مال على صدره باكياً: — الأب مبيتعوضش، مش هعرف أعوضها عنه يا مراد.
تساقطت دموع الجوكر تأثراً بأخيه، وواصل انسحابه به إلى السيارة بعيداً عن الأعين وهو يحذره: — العساكر هيخدوا بالهم مننا، قوم واسند طولك يا رحيم.. إنت من إمته بالضعف ده!!
رد بتعب وإنهاك وهو يزيد من ثقله فوق صدر مراد: — اسندني إنت.. أنا مش قادر!!
اخترقت جملته قلبه فقسمته شطرين، ومع ذلك كان خير الداعم له. عافر حتى وصل به للسيارة وضعه بالمقعد الأمامي، وغادر بالسيارة لمكان منعزل حتى يسترد أخوه قوته ويخططان إلى عودة زين دون أن تعلم شجن أو أي أحد بما حدث. وقد كان زين ونعم الأمين على هذا السر حتى بتلك اللحظة التي يكتشفه بها رفيقه لأول مرة، والذي قطع حديث زين المُفصل عن اختطافه لإنقاذ أبيه وعمه له قائلاً بانبهار: — رحيم زيدان ده عظيم!
وتابع ساخراً وهو يسحب الغطاء على جسده: — ومش عايزني أخده قدوة ليا وأتمنى إنه يدربني!!!!
بعد أن أدى كلاهما صلاة الفجر وغاصا بالنوم، شعر زين بكف يد تهزه برفق، ففتح عينيه ونهض يطالع أباه بابتسامة على غير عادته. تعمق رحيم بعينيه واستشف فيهما رحلته التي خاضها بالحديث مع رفيقه عما حدث، يثق كل الثقة أن ياسين شخص ذكي لا تفوته التفاصيل. أشار له هامساً: — تعالى ورايا.. لوحدك!
وخرج تاركاً الأخير من خلفه مندهشاً، فابتلع ريقه بقلق لحق تمتمته: — هيدشملني لوحدي ولا إيه؟
أتاه صوت ياسين الضاحك يهتف: — لا، هيحب فيك ويوضحلك حاجات مكنتش واضحة عن حادثة الخطف.
وتابع وهو يبعد غطاءه عن وجهه يخبره ضاحكاً: — أصله عارف إننا عدنا للماضي سوى، رحيم زيدان متفوتوش هفوة يا زيزو.
كبت ضحكته على طريقته بالحديث وقال بجدية مضحكة: — لو رجع يكرر الحضن ده تاني هنام على كتفه بره!
وتابع وهو ينزع الغطاء بتعب: — يا رب أصعب عليه ويعتقنا من التدريب النهاردة لوجه الله.
صاح ياسين بحماس لم يفقده: — إتكلم عن نفسك، أنا جاهز في أي وقت!
شمله بنظرة مشتعلة قبل أن يستكمل طريقه هامساً بسخط: — المفروض نتبادل الأدوار!
أغلق زين الباب من خلفه، واتجه نحو رحيم الذي يقف أمام سور الطرقة الفاصلة بين الغرف يتأمل ساحة التدريب ذات المساحة الضخمة بالأسفل، يداه معقودتان للخلف ورأسه مرفوع للأعلى بشموخ. وقفته العسكرية هيأت من يقترب منه ليؤدي تحيته هادراً بخشونة: — تحت أمرك يا فندم.
لم يستدِر إليه، بقي يتأمل الساحة بأعين غامضة، ثم فجأة ابتسم وقال: — كبرت يا زين.
راقبه بعدم فهم حتى استدار نحوه رحيم وقال بحب: — أنا كنت بحاوط عليك وأنت صغير ومستني اللحظة اللي تكبر فيها عشان أطمن.
عبث بعدم فهم لحديثه وتساءل: — تطمن!!
هز رحيم رأسه وقال بجدية تامة: — أطمن وأنت بره البيت إنك قادر تحمي نفسك من غيري، أطمن إن قلقي عليك هيخف شوية بشوية. أنا بعد كل مهمة ليا أنا ومراد كنا بنترعب عليك إنت بالأخص.
وأضاف بغموض تام: — الشر له سلسال طويل أوي يا زين بيتمد للأحفاد، وزي ما إحنا بنخاف السلسال ده يطول ودماره يطول الأبرياء وبنحاول ننتزعه من جذوره، هما كمان بيترعبوا من سلسال أي ظابط شاطر وبيحاولوا ينتزعوه من جذوره.
وأضاف بحب شديد: — عشان كده كنت خايف عليك على طول، ولما حصل والكلب ده خطفك عمري ما اختبرت الخوف والرعب اللي عيشت فيه غير لما شجن اتخطفت.
ورفع يده على كتفه يخبره بمشاعره الصادقة: — إنت شايف إن رحيم زيدان محبش في حياته أد شجن، فأنت معزتك في قلبي إنت وأختك زيها تماماً.. انتوا التلاتة واخدين قلبي سطو مسلح.
ارتسمت ابتسامة على وجه زين، وتلاشت حينما سحبه رحيم إليه يقربه لصدره ويحتويه بضمة كانت حنونة. تعلق به بحب وقوة، يشعر وكأن ذكريات هذا اليوم تُعاد إليه من جديد، يرتشف رائحة أبيه المميزة التي تحمل مزيجاً من الڤانيليا والمسك تتسلل إليه.
— أنا محتاج لحد يفوقني من المشهد العميق ده.. ثواني!
قالها مراد وهو يلتقط عدداً من الصور من هاتفه الحديث، ثم أعاده لجيب سرواله المنزلي وقال ساخراً: — خوفت تتهور بجنانك وتسحب الولد لصالة التدريبات وهو المفروض يفصل النهاردة من تأثير الإبر اللي اتحقن بيها، بس اللي شوفته كان أحلى من حالة الإنقاذ اللي كنت ممكن أقوم بيها.
طالعه رحيم بصدمة أشحمت زين، وخاصة حينما قال ببراءة: — ليه شايفني مجرم عشان أدمر ابني بإيدي؟ لا، طبعاً هستنى عليه الست ساعات وفي الساعة السابعة هأخده تحت!!
هز مراد رأسه بقلة حيلة من أن يُغير شيطاناً مثله، فاندفع يسحب زين خلفه وصاح بغضب: — مالكش دعوة بالولد النهاردة خالص، وسيادتك مش هتديه ست ساعات لا هياخد 24 ساعة، ومعاهم طيارتك الخاصة يرجع بيها مصر يقابل خطيبته وشجن اللي منهارة من قلقها عليه، وبعد كده يرجع.
شمله رحيم بنظرة غاضبة: — لا احنا طالعين رحلة! احنا في معسكر سري يا سيادة الجوكر المزعوم!
بصرامة قال مراد: — اللي عندي قولته ومش هيتنفذ غيره! اتقِ الله في ابنك، أنت مش خاطف مجرمين هنا.
وصاح لـ "زين" بحزم: — خد ياسين ونفذ كلامي يا زين، وعايزه يعترض شوف هيواجهني إزاي!
تهللت أسارير زين ومضى يحتضن عمه هامساً له بكل حب: — أحلى أب وعم وحما وقائد بالدنيا كلها!
قبل مراد رأسه وقال بحنان: — انبسط يا حبيبي، بس وإنت مع خطيبتك اتعامل بـ...
أسرع يستكمل عنه: — بحدود وضوابط! والله يا عمي إيدها حتى مش بمسكها! تحب أمضيلك على إقرار أو على القسيمة ونخلص؟!
هز رأسه بابتسامة ماكرة: — لا مش دلوقتي، لما تثبت نفسك بالجهاز وتوصل للمكانة اللي أنا ورحيم توابيت بنتمنى نشوفك فيها، وقتها هسلمك بنتي وأنا متطمن إنك قادر تحميها بنسبة مية في المية.
انزرع بعينيه غضباً وتساءل باستنكار: — ودلوقتي يعني مقدرش أحميها؟
ربت على كتفه بقوة وجدية وفخر: — قادر يا زين، بس لسه محتاج تتدرب على حاجات هتساعدك كتير. يلا متضيعش وقتك في الهبل ده واستغل اليوم من أوله.
هرول خطوتين ثم عاد يقف أمام أبيه الذي يعقد ذراعيه خلفه ويتابعهما بجمود وملامح ثابتة. أدى تحيته مرة، اثنتان، ثلاثة، أربعة، ثم قال: — دول التحيات بتوع اليوم كله، بما إني إجازة بأمر من الباشا يا باشا.
ابتسم رحيم رغماً عنه وقال: — ماشي يا خفيف، بس أنا غير عمك! هو أداك تعليمات تبعد فيها عن بنته، أنا بقى ههاديك بتابوت لو قربت من بنتي! طول ما هي لابسة الخاتم في الشمال تتعامل بحذر.. سمعت أو مسمعتش مبعدش كلامي أنا!!
هز رأسه مجدداً وغادر من أمامهما، تاركاً ساحة الحرب تخلو لكليهما، فإذا برحيم يتمتم بغضب: — إنت بتتصرف من دماغك وبتتحداني كمان يا باشا!!
ربع يديه أمام صدره العضلي وهدر بعصبية: — بالظبط! الولد عدى من تمرين صعب واجتازه بنجاح هو وياسين، من حقهم يأخدوا استراحة محارب.
زوى حاجبيه بعدم رضا، ومضى لغرفته بصمت جعل الأخير يطالعه بانتصار، واتجه للأعلى حتى يوقظ ابنته لترافقهما، حتى يتسنى لها رؤية حنين وشقيقتها.
ولج زين للغرفة راكضاً ينادي بلهفة وحماس: — جـــــــارحــــــــي!
كشف غطاءه يتساءل باستغراب: — إفراج ولا إيه؟
زوى زين حاجبيه بدهشة: — عرفت منين؟ جدع إنت مخاوي!
عبث بحزن وضيق: — باين من نبرة صوتك اللي فاضلها شوية وهتقلب على أنشودة سوف نرحل من هنا!
أسرع لخزنته يلقي محتوياتها فوق رأس ياسين الجالس خلفه يتابعه بذهول، بينما يحاول زين أن يتأنق بما سيرتديه وكأن ليلة العيد أتت للتو، يدندن بفرحة ويخبره بازدراء: — قوم قوم، هنرحل من هنا على مصر! أقابل الجو وإنت تقابل مامتك وتؤامك وعيلتك كلها نفر نفر، بس خد بالك معناش غير يوم واحد: 24 ساعة بس، دي تعليمات ميري.
عاد يسحب الغطاء مجدداً وهو يخبره بنزق: — روح إنت.
ترك زين ما يفعله وقفز من فوقه يحركه بعنفوان: — لا، أنا مش هسيبك تخربلي خروجتي فاهم؟ قوم معايا بدل ما أشيلك على الطيارة.
منحه نظرة ساخرة وهدر: — هتقدر تشيلني يعني؟
انكمش وجهه حزناً ومال على صدره يدعي البكاء: — أرجوك متفوتش الفرصة دي عليا، رحيم زيدان ما هيصدق! أرجوك يا جارحي قوم معايا.
ضحك ياسين بصوته كله وضمه يربت على ظهره كأنه يحتوي طفلاً صغيراً هامساً بسخرية: — يا حبيبي يا بني، أد كده الشوق دابح قلبك!
دفعه للخلف ومال يجذب سلاحه من أسفل الوسادة وهو ينطق بعنف: — هتقوم ولا لأ؟
وقبل أن ينتشله من مكانه، سحبه ياسين بسرعة كبيرة وصاح: — مش حفيد ياسين الجارحي اللي يترفع عليه سلاح!!
أخفض زين سلاحه بغضب، وانسحب للخزانة يرتدي الملابس المختارة، وقال وهو يخرج من الغرفة: — أنا هستناك تحت، تنجز وتنزل.
قالها وغادر على الفور تاركاً الأخير مبتسماً. نهض بهدوء يجمع ملابس زين التي ألقاها على الأرض، جمعها ووضعها بخزانته، واتجه للخزانة الخاصة به يسحب ملابسه ويرتديها ثم خرج متوجهاً للهبوط، فوجد مرين تهبط الدرج وهي ترتدي الكاب الأسود الخاص بجاكيتها. رفع حاجبه متسائلاً باستغراب: — جاية معانا؟
هزت رأسها وقالت بثبات: — بابي حابب إني أقابل مارال ومامي، وبعدين أرجع.
هز رأسه بتفهم، وأشار بيده على الدرج بلباقة. ضيقت عينياها الزرقاوان وهدرت بسخرية: — ياسين الجارحي بيتكرم وبيسمحلي أعدي قبله!
رفع كتفيه وهو يقول برقي: — طالما خارج إطار العمل فـ... Ladies first (السيدات أولاً).
أحنت قامتها برقة وتصنعت أنها تحمل طرف فستان لم ترتده، ثم هبطت أمامه فاتبعها وابتسامته الجذابة تحتل ثغره.
صعد كلاهما بالخلف، وفعل زين الإضاءة وبدأ يجهز الاستعداد لرفع المروحية العسكرية الخاصة بأبيه، وقال وهو يقلد نبرة الطيار: — على السادة الركاب ربط أحزمة الأمان عشان هنتشقلب في الجو دلوقتي.
واستطرد يمازح ابنة عمه: — اربطي انتي يا مرين، وانتي يا ياسين خد راحتك يا حبيبي، ومتخافش هقلبك في المية مش على الأرض.
منحه نظرة ساخطة وتمتم: — بص قدامك وركز، يا إما تيجي جنب عنيدة هانم وتسيبلي الطلعة دي!
قال زين وهو يضع السماعات على رأسه: — لا يا حبيبي أنا أسرع، وشوقي هيخليني زي الشبح!
صاحت فيه مرين بغضب: — ما تلم نفسك وألفاظك دي يا زين! مش بابي محذرك من التطرق للكلام ده طول ما أنت بفترة الخطوبة!
لوى شفتيه بتهكم وصاح بغضب: — شايفاني رايح أخطفها وأطلع المالديف يعني؟ أديني بفك معاكم بكلمتين ودول أخري!
وأضاف ساخطاً: — هو أنا بكلم مين؟ ده إنتي أرجل واحد في ولاد أعمامي كلهم، المفروض يسموكِ محمد أبو رين مش مرين!!
جحظت عيناها بغضب، ومالت نحو ياسين الذي يكبت ضحكاته بصعوبة تشير له: — سامع يا ياسين؟! سامع!!
زوى حاجبيه مستنكراً لجوءها إليه وهو الذي كان دايماً في الساحة القتالية قبالتها. طالبت أن ينصفها فأتته ملبية، فقال لمؤازرتها: — اتكتم وبص قدامك! لما يسموها محمد، يسموك إيه إنت يا زينة بنات العيلة؟
ضحكت من قلبها على كلماته واستشفتها بانتقام من ذاك الذي استدار إليه يردد بصدمة: — إنت بتنصرها عليا يا شريك!!
جحظت عينا ياسين ومرين، وكلاهما يهمسان بصوت منخفض: — رحيم زيدان! — مالك؟!
أشارت له مرين، فاستدار للأمام ليتفاجأ بأبيه يقف وهو يعقد ذراعيه للخلف بثبات قاتل. حمد الله أنه لم يقلع بعد وإلا كان سيتلقى العقاب الساحق. أشار له ياسين قائلاً: — افتح الباب.
هز رأسه وردد وهو يبتلع بصعوبة: — خايف يكون غير رأيه.
رددت مرين بقلق: — افتح يا زين، شكل في حوار أكبر من كده، نظرات أنكل مش مريحاني!
فتح الباب فإذا بـ "رحيم" يتحرك نحوها، وبدا بيديه ملف أحمر اللون جعلهم يثقون بأن هناك مكيدة في طريقها إليهم، وخاصة مع تلك البسمة الشيطانية المخيفة يتبعها قوله الهادئ: — السفير البريطاني نزل مصر عندنا سياحة، ابنه اتخطف والخاطف طالب فدية.
ثم ضم شفتيه وهو يهدر بهدوء أشد: — شكلنا سيئ جداً قدام الغرب.
وقدم الملف إلى ياسين المبتسم بفرحة وحماس، ثم قال: — بما إنك مستحيل هترجع القصر لعدي الجارحي يكتشف خطتك مع ياسين باشا، فانت مكلف أنت ومرين بالمهمة دي.
وأضاف وهو ينتقل ببصره نحو ابنه الجاحظ عينيه بصدمة: — وخطة الهروب على العاشق الولهان! ينجز مشواره الغرامي ويطلع على الموقع بالمروحية الخاصة بتاعته، وطبعاً ميتحركش قبل ما يدرس الملف كويس وخطة الهروب المتوقفة عليه، لأنه أسرع في الطيران من ياسين مش بس في مشاويره الغرامية!
ومال نحوه يهمس له: — متروحش البيت، شجن لو شافتك هتقلق مش هتطمن.. ارمي كلام عمك في بير وإسمع كلام اللي ينجيك!
رفع من صوته ليصبح مسموعاً للجميع: — عايز أصحى الصبح ألقيكم في صالة التدريب!
اترك تعليقاً على هذا العمل